|
| أحمدي نجاد |
على شاكلة فوز كل من علي خامنئي (المرشد الحالي للجمهورية الإيرانية) بولايتين رئاسيتين في الفترة من 1981-1989، وهاشمي رفسنجاني (رئيس مجلسي الخبراء ومجمع تشخيص مصلحة النظام) بولايتين في الفترة من 1989-1997، ومحمد خاتمي بولايتين في الفترة من 1997-2005، تمكن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد من الفوز بولاية ثانية في الانتخابات التي أجريت في 12 يونيو الجاري، مكرسا بذلك تقليد "ولايتين لكل رئيس" داخل النظام السياسي الإيراني.
وقد اعتادت إيران في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، خصوصا الرئاسية، أن تشهد مفاجآت مدوية تخلط الأوراق وتربك الحسابات؛ ففي عام 1997 حقق الرئيس السابق محمد خاتمي فوزا ساحقا ومفاجئا على مرشح التيار المحافظ علي أكبر ناطق نوري المقرب من المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي.
وفى انتخابات 2005، كانت كل التوقعات تصب في خانة فوز محقق لرئيس الجمهورية الأسبق رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام أكبر هاشمي رفسنجاني، إلا أن مرشح الجناح الأصولي من التيار المحافظ محمود أحمدي نجاد أطاح بكل التوقعات وحقق فوزا كاسحا على "ملك الفستق" و"صانع الملوك" في إيران.
ولم تخل انتخابات الدورة العاشرة لرئاسة الجمهورية التي أجريت يوم 12 يونيو 2009 من مفاجأة هي الأخرى. لكن المفاجأة هذه المرة لا تكمن في فوز أحمدي نجاد، والذي كان متوقعا لاعتبارات عديدة، وإنما في حصوله على نسبة تصويت كبيرة (24527516 صوتا بنسبة 62.63%) بفارق حوالي 30% عن أقرب منافسيه وهو مير حسين موسوي آخر رئيس لوزراء إيران (13216411 صوتا بنسبة 33%). فيما لم يحصل المرشحان الآخران على نسبة كبيرة من التصويت، حيث جاء قائد الحرس الثوري الأسبق أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي في المرتبة الثالثة بحصوله على 588 ألف صوت فقط (1.7%)، بينما حل أخيرا رئيس حزب "اعتماد ملي" (الثقة الوطنية) مهدي كروبي الذي حصل على 290 ألف صوت بنسبة 0.8%.
وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات حوالي 85%، وهي أعلى نسبة للمشاركة في الانتخابات الرئاسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، متفوقة بذلك على انتخابات عام 1997 التي فاز فيها الرئيس محمد خاتمي والتي بلغت نسبة المشاركة فيها 79.9%. ويمكن إرجاع نسبة المشاركة العالية هذه إلى عوامل كثيرة في مقدمتها الدعوات التي وجهها المسئولون (وعلى رأسهم خامنئي) إلى الإيرانيين بالمشاركة في الانتخابات.
مفاجأة فوز نجاد
ويمكن تفسير هذه المفاجأة بالنظر إلى أن معظم التوقعات، إن لم يكن مجملها، كانت تشير إلى أن الرئيس أحمدي نجاد سوف يواجه صعوبة بالغة في مساعيه للفوز بفترة رئاسية ثانية، وأنه لا مفر من إجراء جولة إعادة بينه وبين مير حسين موسوي الذي كان سيحصل في هذه الحالة على أصوات مؤيدي المرشحين الآخرين (مهدى كروبي ومحسن رضائي)، وهو ما كان سيعزز من حظوظه في الفوز بالانتخابات.
لكن أحمدي نجاد استطاع الفوز بالانتخابات من الجولة الأولى وبفارق شاسع عن أقرب منافسيه، وهى نتيجة تعد أكبر من التي حققها في الانتخابات الماضية، رغم كل نقاط الضعف التي عانى منها على مدى الأعوام الأربعة الماضية واستغلها خصومه في توجيه انتقادات عنيفة ضده في محاولة لتقليص شعبية الرئيس قبل الانتخابات.
هذا الفوز الكاسح الذي حققه نجاد يعود إلى اعتبارات عديدة: أولها، التأييد الملحوظ الذي حصل عليه الرئيس من جانب المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، والذي اعتبر حكومته من أفضل الحكومات التي شهدتها إيران بعد الثورة، ودعا المواطنين إلى "انتخاب مرشح غير أرستقراطي يعيش حياة بسيطة ويفهم مشكلاتهم ولا يخضع لضغوط الغرب"، وهى تصريحات على "مقاس" أحمدي نجاد.
تفضيل خامنئي لأحمدي نجاد يعود إلى أن الأخير رئيس غير مثير للمتاعب بالنسبة للمرشد، إذ لم يسع خلال فترته الرئاسية الأولى إلى زيادة صلاحياته على حساب صلاحيات المرشد، مثلما فعل الرئيس السابق محمد خاتمي خلال فترة حكمه، ولم يدع إلى فرض رقابة دستورية على صلاحيات المرشد، مثلما فعل مير حسين موسوي قبل الانتخابات الأخيرة.
فضلا عن ذلك، فإن خامنئي يرى أن مواقف أحمدي نجاد المتشددة في السياسة الخارجية ساعدت كثيرا على نجاح إيران في الحفاظ على برنامجها النووي دون إذعان للضغوط أو التراجع عنه بسبب العقوبات الدولية المفروضة على إيران أو التهديدات بشن حرب ضدها. وربما يسترجع خامنئي هنا موقف الإصلاحيين خلال فترة حكم خاتمي عندما قرروا تعليق عمليات تخصيب اليورانيوم استجابة للضغوط الخارجية وكانت نتيجة ذلك فرض مزيد من هذه العقوبات.
إلى جانب ذلك، فإن العلاقة "الحساسة" بين خامنئي ومير حسين موسوي تبدو دافعا آخر لتأييده أحمدي نجاد؛ فقد نشبت خلافات عديدة بين الرجلين حول سبل تنفيذ السياسة العامة للدولة، والتي وضعها الإمام الخميني حينما كان موسوي رئيسا للوزراء وكان خامنئي رئيسا للجمهورية في عقد الثمانينيات، وهو ما دفع خامنئي إلى العزوف عن حضور جلسات الحكومة، مما أثار استياء الخميني، الذي عنف رئيس الجمهورية بسبب هذا الموقف. وقد كانت هذه الخلافات أحد أهم أسباب إلغاء منصب رئيس الوزراء ووضع كل سلطات الحكومة في يد رئيس الجمهورية بمقتضى تعديل الدستور عام 1989.
فضلا عن ذلك، فإن المرشحين الآخرين (كروبي ورضائي) واجهها نقاط ضعف عديدة. فقد خصم عامل السن من حضور كروبي رئيس حزب "اعتماد ملي" (72 عاما)، فضلا عن أن الخلافات الحادة التي نشبت بينه وبين بعض قوى الإصلاحيين مثل "جبهة المشاركة الإسلامية" و"منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية" حالت دون وقوف هذه القوى خلفه في الانتخابات.
أما محسن رضائي، فهو لا يحظى بشعبية كبيرة داخل أوساط التيار المحافظ، وقد حاول إعطاء انطباع بأنه محسوب على التيار المعتدل الذي يقوده رئيس مجلس الخبراء رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني، إلا أنه فشل في ذلك، خصوصا مع اتجاه رفسنجاني إلى تأييد موسوي في مواجهة أحمدي نجاد عدوه اللدود الذي أسقطه في الانتخابات الرئاسية السابقة، والذي اتهمه وأبناءه بالفساد خلال المناظرات التليفزيونية التي جرت قبيل الانتخابات الأخيرة.
الاعتبار الثاني يتمثل في الشعبية التي يحظى بها الرئيس وسط المناطق المحرومة والفقيرة في مختلف أنحاء إيران، بسبب اهتمامه منذ توليه مهام منصبه في عام 2005 بمد خدمات البنية التحتية من مياه وكهرباء ووسائل نقل وخدمات صحية وغيرها إلى هذه المناطق، فضلا عن وعوده بتقديم صكوك ملكية على شكل أسهم من عوائد النفط لكل مواطن إيراني فوق سن الثامنة عشر، حتى أولئك الذين يعيشون خارج إيران.
ويبدو أن أحمدي نجاد نجح في إقناع قطاع عريض من هؤلاء بأنه في حاجة إلى فترة رئاسية أخرى لكي يستطيع تنفيذ وعوده وبرامجه التي أوصلته إلى السلطة عام 2005 وخصوصا شعاره "توصيل عوائد النفط إلى موائد الناس".
كذلك كان أحمدي نجاد حريصا على أن يعقد الاجتماع الأسبوعي لحكومته في محافظة إيرانية مختلفة للتعرف عن قرب على مشكلاتها واحتياجاتها، وهو ما ساهم كثيرا في رفع شعبيته داخل هذه المناطق المحرومة، على عكس طهران التي انحدرت شعبيته فيها بدرجة ما، بسبب حالة الاستياء والغضب التي انتابت الطبقة الوسطى والنخبة السياسية والمثقفة القاطنة للعاصمة على خلفية السياسة الاقتصادية للحكومة والتي أوصلت معدل التضخم إلى 25% والبطالة إلى 12%، فضلا عن قمع دعوات الإصلاح السياسي والاقتصادي التي نادت بها العديد من القوى السياسية الإيرانية وعلى رأسها قوى التيار الإصلاحي.
أما الاعتبار الثالث، فيتمثل في التأييد الواسع الذي يحظى به أحمدي نجاد من جانب قوى التعبئة (الباسيج) والحرس الثوري (الباسدران)، وهي قوى تعد رقما مهما في الحياة السياسية ومعادلة صنع القرار في إيران.
حدود التغيير
فوز أحمدي نجاد بالانتخابات يعني أن التعاطي الإيراني مع قضايا السياسة الخارجية لن يشهد تغييرا كبيرا، لاسيما إزاء الملف النووي الإيراني، لأكثر من اعتبار: الأول، أن الكلمة الأخيرة في صنع القرار الإيراني هي للمرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي وليس لرئيس الجمهورية الذي تتمثل مهمته في اختيار البدائل المناسبة لتنفيذ هذه السياسة.
ولا يعني ذلك أن دور الرئيس هامشي في عملية صنع القرار الإيراني، إذ يمكنه بالفعل التأثير والمساهمة في توجيه السياسة العامة، مثلما حدث خلال عهد الرئيس السابق محمد خاتمي الذي ضغطت حكومته من أجل وقف عمليات تخصيب اليورانيوم في عام 2005. لكنه يعني أن الظروف الحالية التي تمر بها إيران لا تسمح بأي تراجع خصوصا في الملف النووي؛ فقد نجح النظام في تحويل هذه القضية إلى تحدي مع الغرب والاستكبار العالمي، بما يجعله غير قادر في الوقت الحالي على إبداء تنازلات في هذه القضية الحيوية.
فضلا عن ذلك، فإن إيران حتى الآن نجحت في إدارة أزمة ملفها النووي مع الغرب، واستطاعت كسب التحدي مع الإدارة الأمريكية السابقة التي لوحت بإمكانية توجيه ضربة عسكرية لمنشآتها النووية، وهو ما سيجعلها في الفترة القادمة أشد تصلبا في مواجهة إدارة أمريكية هي في أشد الحاجة لإجراء حوار معها لتسوية المشكلات العويصة التي تسببت فيها الإدارة اليمينية السابقة.
وقد بدت مؤشرات جلية للتشدد الإيراني في الفترة المقبلة حتى قبل الانتخابات، عندما أعلن أحمدي نجاد رفض بلاده فكرة "التجميد مقابل التجميد" أي تجميد إيران عمليات تخصيب اليورانيوم مقابل تجميد فرض أي عقوبات جديدة عليها. وقال في هذا الصدد: "إن محادثاتنا مع القوى الكبرى ستكون فقط في إطار التعاون للتعامل مع قضايا عالمية وليس لشيء آخر. لقد أعلنا ذلك بوضوح". وأضاف "إن القضية النووية منتهية بالنسبة لنا. ومن الآن فصاعدا سنواصل مسيرتنا في إطار العمل الخاص بالوكالة الدولية للطاقة الذرية".
لكن ذلك لا يعني أن إيران سوف ترفض الدعوة الأمريكية لإجراء حوار، بل ربما يكون العكس هو الصحيح. فقد كانت إيران من أشد المتحمسين لقدوم إدارة ديمقراطية "معتدلة" إلى البيت الأبيض وانعكس ذلك في رسالة التهنئة غير المسبوقة التي بعث بها أحمدي نجاد إلى الرئيس الأمريكي. كما حرصت إيران في الفترة الأخيرة قبيل الانتخابات مباشرة، على توجيه رسائل عديدة إلى الخارج تفيد تجاوبها مع دعوة الحوار، منها الترحيب بهذا الحوار المحتمل مع ربطه بضرورة إجراء تغييرات في السياسة الأمريكية، ومنها إفراج السلطات الإيرانية عن الصحفية الأمريكية (الإيرانية الأصل) روكسانا صابري، بعد إدانتها بتهمة التجسس لصالح الولايات المتحدة الأمريكية.
إن ما سبق في مجمله يعني أن إجراء حوار بين واشنطن وطهران لن يقف كثيرا عند النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات الرئاسية الإيرانية، وإنما سيرتبط في المقام الأول بتأكد طهران من أن واشنطن جادة في دعوتها إلى الحوار، وأنها على استعداد لتغيير سياسات كانت، في رؤية طهران، سبب كل المشكلات والاختلافات بين الطرفين منذ نجاح الثورة الإسلامية في العام 1979 وحتى الآن.
باحث متخصص في الشئون الإيرانية.
|