English

 

الأحد. يونيو. 14, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » ليبيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

القذافي في إيطاليا.. هل انتصر "المختار" أخيرا؟

محمد جمال عرفة

Image
القذافي وبيرلسكوني
هي بلا شك زيارة تاريخية لم يسبق لها مثيل.. هكذا يجب أن ننظر لزيارة الزعيم الليبي معمر القذافي لإيطاليا والتي انتهت السبت 13 يونيو 2009 واستمرت أربعة أيام، ورافقه فيها قرابة 300 مسئول ليبي.. فهي أول زيارة من نوعها يقوم بها زعيم ليبي لإيطاليا بعد 40 عاما من العلاقات المتوترة بين ليبيا والدولة الاستعمارية السابقة انتهت باعتذار إيطاليا مقابل حزمة مصالح معتبرة، اقتصادية بالأساس مع ليبيا.

والآن يمكن للمجاهد الكبير عمر المختار زعيم المجاهدين الليبيين أن يهدأ في قبره بعدما انتصر أحفاده على قاتليه.. فالقذافي لم يهتم كثيرا بالبروتوكول وحرص منذ أن وطأت قدميه أرض مطار روما على تذكير الإيطاليين بجرائمهم في ليبيا.

لقد ارتدى القذافي البزة العسكرية لا الزي الليبي التقليدي في إشارة ذات مغزى، وعلق على صدره -بجانب مجموعة من النياشين- صورة لبطل المقاومة الليبية عمر المختار وهو مقيد بالأغلال إلى جانب المحتلين الإيطاليين، ليذكرهم بماضي إيطاليا كقوة استعمارية قمعية، وهو ما أزعج –بالطبع- بعض مضيفيه الإيطاليين.

ولم يكتف القذافي بهذا، وإنما أحضر معه على نفس الطائرة أيضا نجل المجاهد عمر المختار -وهو الآن رجل مُسن ساعدته مجموعة من رجال الأمن على نزول سلم الطائرة وجلس لاحقا على مقعد متحرك– وكأنه يقول للإيطاليين: ها هو "المختار" انتصر عليكم في النهاية"!.

بهذه الزيارة هزمت ليبيا المستعمر الإيطالي السابق مرتين: (المرة الأولي) عندما أرغم المجاهدون الليبيون الاحتلال على الخروج من ليبيا وحرروا بلادهم ومحوا آثار 30 عاما من الاستعمار الإيطالي لليبيا ما بين عامي 1911-1942، و(المرة الثانية) حينما أرغمت ليبيا الدولة الإيطالية الحالية على الاعتذار عن جرائم الاحتلال ودفع تعويضات ضخمة عن احتلال استمر 40 عاما، وأجبرتها على احترام "المختار" وشهداء المقاومة، أحياءً وأمواتاً.

مصالح متبادلة

القذافي كان حاسما في طلبه الاعتذار من إيطاليا ورفض مبادرات سابقة لزيارة روما وتطوير العلاقات ما لم تعتذر إيطاليا علنا.. وإيطاليا كانت شجاعة عندما قدمت أخيرا هذا الاعتذار العام الماضي بعدما تيقنت أن مصالحها مع ليبيا باتت أهم من اعتذار عن حقبة تاريخية فاشية يدينها الإيطاليون أنفسهم؛ ففي أغسطس الماضي 2008 وقع رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني اتفاقا مع الزعيم الليبي معمر القذافي يقضي بقيام إيطاليا بدفع خمسة مليارات دولار إلى ليبيا في إطار صفقة لتعويضها عن حقبة الاستعمار.

بيرلسكوني قال صراحة: "باسم الشعب الإيطالي أشعر بواجب في الاعتذار عما حدث منذ سنوات طويلة، وأصاب العديد من الأسر الليبية".. والقذافي قال إنه "في هذا الاتفاق التاريخي بين البلدين تعتذر إيطاليا عن قتل وتدمير وقمع ليبيين خلال حقبة الاستعمار".
 
وعلق بيرلسكوني عن هذا الاتفاق بقوله إنه "يمثل إقرارا ماديا ومعنويا بالضرر الذي أوقعته إيطاليا على ليبيا خلال القرن الماضي"، وبأن "المبلغ سيتم دفعه على مدار الـ 25 عاما المقبلة (أي مبلغ 200 مليون دولار كل عام)، وقال إن معاهدة "الصداقة والتحالف" مع ليبيا ستسمح لليبيا بالحصول على اعتذارات وتعويضات للفترة الاستعمارية، وستسمح لروما بالمقابل "بالحد من الهجرة غير الشرعية والحصول على قدر أكبر من الغاز والنفط الليبي".

ولا شك أن التعويضات الإيطالية لليبيا لم تكن ناتجة عن رقة قلب دولة محتلة سابقة بقدر ما هو البحث عن مصالحها في تقوية علاقتها مع ليبيا التي تضخ الآن أموالا من إيراداتها النفطية إلى شركات إيطالية كبرى مثل "يونيكري ديت" و"إيني"، كما تمد إيطاليا ليبيا بربع وارداتها من النفط.

ومن أهداف إيطاليا أيضا أن تستفيد من الاتفاق الأخير في عرقلة تدفق المهاجرين غير الشرعيين القادمين إليها من دول مثل مصر عبر المنافذ البحرية الليبيبة والذين يقدرون بالآلاف سنويا حيث ستقوم ليبيا وإيطاليا مستقبلا بتسيير دوريات بحرية لمنع الهجرة غير الشرعية لإيطاليا.
 
ووفقا لإحصاءات دولية يقدر حجم الهجرة غير القانونية في دول الاتحاد الأوروبي بنحو 1.5 مليون فرد، وفي دولة أوروبية واحدة هي أسبانيا، يحاول قرابة 8 إلى 15 ألف مغاربي دخول أسبانيا سنويا في هجرات غير شرعية، ومثلهم تقريبا عبر مصر ودول إفريقية عبر السواحل الليبية، ويبلغ عدد الوفيات بسبب غرق قوارب الهجرة والتي أصبحت تسمى بـ "قوارب الموت" ما يقرب من 4 آلاف ضحية خلال السنوات الخمس الماضية.
 
وتقول دراسة مصرية أجراها "مركز الدراسات القومية" بالتعاون مع مكتب اللجنة الدائمة للشراكة الأورمتوسطية بالقاهرة، إن عمليات تهريب البشر تعد من أهم مصادر الدخل لشبكات المافيا في أوروبا وآسيا، وأن الأرقام والأرباح التي تحققها تقترب مما تحققه شبكات المخدرات، وأن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي، والمطلوب هو تبني حملة وطنية للتوعية بمخاطر الهجرة غير الشرعية وتوفير فرص عمل حقيقية.
 
وتؤكد الدراسة أن عمليات تهريب البشر أصبحت أهم مصادر الدخل بالنسبة لشبكات المافيا في أوروبا وآسيا، والتي استطاعت أن تحقق رقماً قياسياً قدره 4.4 مليار دولار في العام، وأنه كلما شددت الدول الأوروبية على الرقابة على الحدود ارتفعت نفقات التهريب وزادت المبالغ المالية التي يطلبها المهربون. وتؤكد وثائق المركز الدولي لشئون الهجرة بـ "فيينا"  أن شبكات تهريب البشر تحقق دخلا يتراوح ما بين 10 إلى 15 مليار دولار سنويا، وهو رقم يقترب مما تحققه شبكات تهريب المخدرات.

يهود ليبيا

ورغم المكاسب الليبية من الزيارة، فقد اضطر القذافي لدفع ثمن ليهود إيطاليا، فجدول أعمال القذافي تضمن أيضا اجتماعه بقرابة 6 آلاف يهودي ممن غادر أهلهم ليبيا بعد نكسة يونيو 1967، وعشرين ألف إيطالي طردتهم ليبيا عام 1970 بعدما اعتبرت طرابلس أن التعوضيات التي دفعتها إيطاليا عن استعمارها لليبيا في النصف الأول من القرن الماضي غير كافية، كما التقى مع 700 سيدة تمثل عالم السياسة والثقافة والأعمال في إيطاليا.

وفي كل لقاء من هذه اللقاءات على حدة وقعت احتجاجا كبيرة على ما قاله القذافي خصوصا فيما يخص وضع المراة العربية والمرأة الأوروبية، كما أثيرت حساسيات دينية عندما تأخر القذافي عن لقاء نواب البرلمان الإيطالي ساعتين بحجة صلاة الجمعة، وعندما رفض اليهود المتدينيون بدورهم حضور لقاء القذافي الذي حدده لهم يوم السبت الذي يتخذونه يوم أجازة دينية لا يعملون فيه.

ولكن أيا كانت نتائج الزيارة واقتسام كل من ليبيا وإيطاليا أرباحها، فهي قد أعادت ليبيا بقوة للساحة الدولية وحققت اختراقا ليبيًا للغرب –منذ التخلي عن البرنامج النووي الليبي وتفكيكه ودفع تعويضات للأمريكيين والبريطانيين في صفقة لوكيربي– عززه قيادة ليبيا للاتحاد الإفريقي واستقوائها به في وقت يسعى فيه الغرب للاستفادة من موارد إفريقيا ونفطها الذي باتت دولة كأمريكا تعتمد على 25% من واردتها النفطية منه وتخطط لرفع النسبة إلى 50% عام 2025.

وسوف تتعزز هذه المكانة الليبية مرة أخرى عندما يعود القذافي مرة أخرى لزيارة إيطاليا في شهر يوليو القادم ليحضر بصفته رئيس الاتحاد الإفريقي الجزء المخصص من قمة مجموعة الدول الثماني الصناعية للاجتماع مع زعماء أفارقة، وسيلتقي على هامش ذلك الاجتماع مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما في أول اجتماع من نوعه بين الزعيم الليبي ورئيس أمريكي، حيث تقوم إيطاليا التي تتولى رئاسة مجموعة الثماني هذا العام بدور أساسي في توطيد علاقات الغرب مع طرابلس.

لقد شهدت العلاقات الإيطالية الليبية حالة من الشد والجذب منذ العهد الفاشي واحتلال ليبيا واندلاع المقاومة، حتى رست مؤخرا على بر الاستقرار بعدما وافق الإيطاليون على الاعتذار عن الحقبة الاستعمارية وتقديم تعويضات وإبداء احترامهم لرموز المقاومة الليبية ضد الاحتلال وعلى رأسهم الشهيد عمر المختار.

ولا شك أن التطورات التي تشهدها ليبيا وصعود أسهم نجل القذافي المرشح لخلافته وتقاربه مع الغرب وتولي وزير الخارجية الليبي علي التريكي في سبتمبر المقبل رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة بإجماع الآراء، ستجعل ليبيا تلعب دورا أكثر حيوية على الصعيد الدولي في المرحلة المقبلة.


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات