|
| المرشح الإصلاحي مهدي كروبي |
لا تخلو أي انتخابات رئاسية إيرانية من التطرق إلى قضية الأقليات، من حيث الأوضاع التي تعيشها وتقديم الوعود بتحسين هذه الأوضاع وزيادة تمثيل أبناء الأقليات في النظام السياسي الإيراني. غير أن الانتخابات الحالية تكتسب أهمية خاصة فيما يتعلق بقضية الأقليات، لأسباب عدة منها أن أصول ثلاثة من المرشحين للرئاسة، الذين أقر ترشيحهم مجلس صيانة الدستور، تعود إلى أعراق غير فارسية، إذ تعود أصول كل من مير حسين موسوي إلى العرق الآذاري، ومهدي كروبي إلي العرق اللوري، ومحسن رضائي إلى البختيار، مما يعني إتاحة الفرصة لبعض أبناء هذه الأقليات لارتقاء أعلى مراتب السلطة في إيران.
ومن ناحية ثانية فإن الانتخابات الحالية قد ترافقت مع حدوث بعض التوترات في المناطق التي تقطنها الأقليات، وخاصة في محافظة سيستان بلوشستان (جنوب شرق إيران) ذات الأغلبية السنية، والتي شهدت في 2 يونيو الجاري هجوما انتحاريا استهدف مسجدا للشيعة في مدينة زاهدان، وأسفر عن مقتل 25 شخصاً.
ومن ناحية ثالثة تشهد الانتخابات الحالية تنافسا حادا بين المرشحين على اكتساب أصوات هذه الأقليات التي تشكل مجتمعة نسبة تصل إلى 58% من تعداد سكان إيران البالغ عددهم 68 مليوناً، حيث يأتي الأتراك الآذريين في المرتبة الثانية بعد الفرس، ثم الأكراد، والعرب، ثم اللور والبلوش والبختيار، إلى جانب الأقليات الدينية من سنة، ويهود ومسيحيين، وزرادشت.
أوضاع الأقليات
وعلى الرغم من كبر حجم القوميات والأقليات في إيران، فإنها تعاني من تهميش سياسي واضح، فلا يسمح لها بإنشاء أحزاب سياسية، أو مؤسسات للمجتمع المدني، أو إصدار صحف ومجلات ناطقة بلغاتها، وذلك بالرغم مما كفله لها الدستور من حقوق سياسية واجتماعية، أقرتها 6 مواد في الدستور الإيراني، وهي المواد (12)، و(13)، و(15)، و(16)، و(19)، و(64)، التي تكفل في مجملها لهذه القوميات والأقليات حق التمتع بالمساواة في الحقوق والواجبات، وعدم جواز التمييز بين مختلف المحافظات والمناطق في مجالات توزيع الثروات الطبيعية والتنمية المحلية.
غير أن ثمة فجوة بين النصوص والواقع الذي تعيشه هذه الأقليات، وهو ما يدل عليه أحداث العنف التي تشهدها البلاد بين الحين والآخر في الأقاليم التي تقطنها هذه الأقليات، كمظهر من مظاهر الاعتراض على ما تواجهه من سياسات تمييزية تصل في بعض الأحيان إلى حد الاضطهاد.
وفي هذا الإطار تدعو أوضاع القوميات والأقليات في إيران إلى التأمل في كيفية تعامل النظام معها، فرغم انتماء المرشد الأعلى للثورة الإسلامية "علي خامنئي" إلى العرق الآذاري، وإقرار مجلس مراقبة الدستور صلاحية ثلاثة مرشحين للرئاسة من ذوي الأصول غير الفارسية؛ فإنه من الواضح مدى تفاوت الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأقاليم التي تضم القوميات والأقليات الدينية الإيرانية المختلفة، بالإضافة إلى عدم توائم نسبة تواجدهم في النظام السياسي مع حجمهم في المجتمع، لاسيما فيما يتعلق بالأقلية السنية التي يقتصر وجودها في هيكل النظام السياسي الإيراني على منصب مستشار الرئيس لأهل السنة، حيث قرر الرئيس الإيراني أحمدي نجاد مواصلة الاستعانة بعالم الدين السني "محمد إسحق مدني" في المنصب ذاته الذي شغله خلال فترة حكم الرئيس السابق محمد خاتمي، وفق قرار رئاسي أصدره في 3 يناير 2006.
الأقليات في الحملات الانتخابية
نظرًا لأهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه القوميات والأقليات الإيرانية مجتمعة في حسم المعركة الانتخابية لصالح أحد المرشحين بالنظر إلى أهميتهم العددية، تظهر المشكلات الخاصة بها كأحد الملفات الحاسمة في الحملات الانتخابية، حيث يعمد المرشحون إلى التطرق لهذه المشكلات مع الوعد بحلّها في إطار الدستور الذي يعد الميثاق الوطني لكل القوى السياسية الإيرانية داخل النظام، ولذا لم تخل الحملات الانتخابية الرئاسية السابقة من الإشارة إلى ضرورة حل مشكلات الأقليات وأهمية دمجهم في العمل السياسي.
ولا تمثل الحملة الانتخابية الحالية استثناءً من هذه القاعدة، بل ربما لم تشهد الانتخابات الرئاسية على مدى الثلاثين عامًا التي مضت منذ قيام الثورة سباقًا بين المرشحين على كسب أصوات القوميات كما يجري في الدورة الحالية، ويتبارى المرشحون في إطلاق الوعود وتقديم الضمانات لممثلي هذه الأقليات بحل جميع مشكلاتهم. وربما جاءت هذه الخطوة من قبل المرشحين بهذا الوضوح والكثافة خلال هذه الحملة نظرًا لانتماءاتهم العرقية غير الفارسية باستثناء المرشح لدورة رئاسية ثانية أحمدي نجاد.
فمن جانبه أصدر مهدي كروبي بيانين انتخابيين أكد فيهما على أن القوميات غير الفارسية تشكل أغلبية السكان في إيران، كما وعد بإنصافها في حالة انتخابه رئيسًا للجمهورية، موضحًا أنه سيختار أعضاء حكومته من بين أبناء القوميات والأقليات الإيرانية العربية والكردية والأذربيجانية والكردية والبلوشية وأتباع المذهبين الشيعي والسني دون استثناء.
واعتبر كروبي أن الظلم والإجحاف بحق هؤلاء يشكل خطرا حقيقيا على وحدة البلاد والتضامن الوطني فيه. وتعهد ببذل قصارى جهده للقضاء على الفقر في المناطق التي تقطنها القوميات غير الفارسية كالعرب والأكراد والأترك والبلوش. كما تعهد بتطبيق المواد المعطلة في الدستور الإيراني وخاصة المادة (15) التي تؤكد على تدريس لغات القوميات في مناطق تواجدها واستخدامها في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة إلى جانب اللغة الفارسية، علما بأنه توجد 7 لغات أساسية في إيران إلى جانب الفارسية، وهي: التركية، والكردية، والعربية، والبلوشية، واللورية، والجيلية، والطبرية.
وذهب كروبي أبعد من ذلك عندما دعا إلى تعديل الدستور الإيراني بغية تشكيل برلمانات محلية في كافة الأقاليم الإيرانية ومنح حكام الولايات سلطات أكبر على أن يتم اختيار الحكام بالتصويت المباشر، وليس تعيينهم من قبل السلطات المركزية في طهران كما يحدث حاليا، وذلك تمهيدا لمشاركة كافة القوميات والمذاهب في السلطة والثروة.
أما المرشح الثاني عن التيار الإصلاحي مير حسين موسوي، فقد قام بدوره بجولة انتخابية زار فيها إقليم الأهواز (خوزستان)، التقى خلالها بعدد من كبار شيوخ القبائل العربية، وتعهد أمامهم بالنظر في أوضاع الإقليم، مذكرًا بالدور المهم الذي لعبه الإقليم الذي يبلغ عدد سكانه حوالي خمسة ملايين نسمة في الانتخابات الرئاسية التي جاءت بالرئيس محمد خاتمي إلى الحكم، حيث استطاع خاتمي أن يحصد 85 % من الأصوات في الإقليم، بينما لم يتمكن وقتها منافسه العربي الأصل علي شمخاني (شغل منصب وزير الدفاع) من الحصول على نسبة تذكر من أصوات الإقليم، ربما لعدم تبنيه رؤية يمكن من خلالها تطوير أوضاع الإقليم، واتهامه في هذه الفترة بتخليه عن انتمائه العرقي لصالح المناصب التي حصل عليها في هيكل النظام.
ولم يقتصر الاهتمام بالأقليات على المرشحين الإصلاحيين، إذ سعى المرشح المحافظ والقائد الأسبق للحرس الثوري، محسن رضائي، إلى خطب ود القوميات من خلال زيارات قام بها لمؤسسات مدنية خاصة بالعرب الأهواز، وللمحافظات التي تقطنها أغلبية تركية آذرية، ودعا إلى فتح ملف القوميات في إيران، والتحدث عن مشاكل غير الفرس دون خوف، لاسيما بعد الأحداث التي شهدها إقليم الأهواز عام 2005.
وعلى الرغم من أن البرنامج الانتخابي للرئيس الحالي أحمدي نجاد لا يحتوي بشكل واضح على نقاط تمس بشكل مباشر أوضاع الأقليات في البلاد مقارنةً بمنافسيه، فإن برنامجه الانتخابي السابق خلال الدورة الرئاسية التاسعة قد تضمن العديد من النقاط التي عُنيت بوضع الأقليات ومستقبلهم، تمثلت في إعداد خطة تنمية شاملة للمحافظات الحدودية والأقل حظاً من حيث توافر الخدمات - وفق شعار "الأمر ممكن ونحن قادرون" - على أن تكون هذه الخطة تحت إشرافه ومتابعته من خلال زيارات دورية يقوم بها للمحافظات الإيرانية كافة.
وبالفعل، وبناء على هذه الخطة، بدأ أحمدي نجاد في القيام بعدة زيارات للمحافظات الإيرانية فوز توليه منصب الرئاسة، كما رصدت حكومته 50 تريليون ريال إيراني – أي ما يعادل 3.7 مليار يورو- لمشروعات البنى التحتية وأعطت الأولوية للمحافظات الأكثر فقرًا والتي جاء في مقدمتها محافظة سستان- بلوشستان الحدودية حيث تقطن أغلبية الأقلية السنية.
بيد أن هذه الخطط لم تستكمل نظرًا للأزمات الهيكلية التي واجهت الاقتصاد الإيراني، بسبب السياسة الإنفاقية غير الرشيدة التي انتهجتها الحكومة من جانب، والعقوبات التي فرضت على إيران بسبب برنامجها النووي من جانب آخر، وكان ذلك على الأرجح أحد أسباب عدم تطرق نجاد في حملته الانتخابية لأوضاع الأقليات.
وفي إطار تركيز المرشحين الرئاسيين على قضايا الأقليات خلال حملاتهم الانتخابية بشكل واضح، حذّر آية الله أحمد جنتي، رئيس مجلس صيانة الدستور، المرشحين مما أسماه "اللعب بورقة القوميات غير الفارسية"، ومن الآثار المحتملة لمحاولات استقطاب هذه الأقليات عن طريق التعهد بتحسين أوضاعها، بما يؤكد ضمنيًا على عدم استقرار هذه الأقليات في بلادها وتدهور حالها، وهو من شأنه إثارة الأحاسيس القومية لدى هذه الأقليات، الأمر الذي يمكن أن يعرض البلاد لفتن تمس بالوحدة الوطنية. واعتبر جنتي أن أي عمل يمس بالوحدة الوطنية الإيرانية، يعد خيانة لا تغتفر.
الأقليات والمشاركة في الانتخابات
وفي مقابل ذلك، رأت العديد من القوى السياسية الممثلة للأقليات أن مقاطعة الانتخابات الرئاسية في دورتها العاشرة هي أفضل وسيلة للتعبير عن مدى السخط وعدم الثقة في الحكومات الإيرانية المتعاقبة، والتي لم تلبي الحد الأدنى من مستوى توقعات هذه القوى سواء كانت إصلاحية أم محافظة. كما اعتبرت الانتخابات القادمة وما سبقها من حملات دعائية ما هي إلا محاولة تدوير لأزمة العلاقات السياسية المتوترة مع القوميات غير الفارسية في الداخل الإيراني، دون النظر في سياسات منصفة للتعامل مع هذه القوميات، استكمالاً لما تم سابقًا، لاسيما خلال الدورات الرئاسية الثلاثة الماضية.
وفي هذا الإطار دعت القوى الوطنية والقومية الأهوازية، في بيان لها، أبناء القومية العربية في الأهواز إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية الإيرانية، مؤكدة على "مضي الشعب الأهوازي في المطالبة بحقوقه، ومواصلة كفاحه ونضاله ضد الاحتلال الإيراني الذي بدأه الشاة رضا خان في إبريل 1925".
وشدد البيان، الموقع من قبل القوى الوطنية والقومية الموقعة على الميثاق الوطني الأهوازي، على المضي قدماً في مقاطعة النظام الإيراني عبر الانتخابات وغيرها من الوسائل، مؤكدًا على أن موقف الشعب العربي الأهوازي من هذه الانتخابات الرئاسية الإيرانية هو المقاطعة الشاملة والكاملة.
ولم تقتصر مظاهر المقاطعة على بيانات القوى السياسية فقط، بل شملت المظاهرات الاحتجاجية، وأعمال العنف، حيث حول طلاب جامعة "تبريز" بمحافظة أذربيجان (ذات الأغلبية الآذارية) مؤتمرًا، عقد في 21 مايو الماضي، لدعم الحملة الانتخابية لرئيس الوزراء الأسبق موسوي إلى اجتماع احتجاجي ضد القائمين على الحملة بالرغم من انتماء موسوي للعرق الآذاري، وهو ما حدث أيضًا في جامعة قزوين التي تحولت فيها حملة موسوي الانتخابية إلى مطالبته بالكشف عن مجزرة السجناء السياسيين عام 1988 حين كان رئيسًا للوزراء. في حين تزايدت حده هذه التظاهرات لتتحول إلى تفجيرات طالت مقر الحملة الانتخابية للرئيس الحالي أحمدي نجاد في مدينة زهدان ذات الأغلبية السنية نهاية الشهر الماضي, والتي راح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى.
وتأتي التهديدات بمقاطعة الانتخابات في وقت يبدي فيه النظام الإيراني اهتماما بنسب التصويت ويعتبرها مؤشرا على حجم الشعبية التي يحظى بها، حيث دعا المرشد الأعلى الإيرانيين إلى التصويت بكثافة في الانتخابات الرئاسية الإيرانية القادمة، قائلا إن "مشاركة الإيرانيين بالتصويت الكثيف في الانتخابات مصدر لهزيمة الأعداء"، علاوة على أن المشاركة الكثيفة في الانتخابات الرئاسية مسألة مهمة "لتعزيز السمعة الوطنية وتقوية الأمة". كما حرص خامنئي على القيام بجولات في العديد من الأقاليم والمدن الإيرانية من أهمها إقليم كردستان، ومدينة سناندج غرب إيران.
ويرجع اهتمام خامنئي بمشاركة الإيرانيين في الانتخابات القادمة إلى خوفه من تكرار تجربة عام 2005، حيث امتنع العديد من فئات الشعب الإيراني عن المشاركة في انتخابات 2005، وظهر ذلك بوضوح في الجولة الثانية من الانتخابات حين انخفضت نسبة المشاركة من 62.8% في الجولة الأولى إلى 59.7% في الجولة الثانية، ما أثار مخاوف لدى بعض المسئولين الكبار من تدني نسبة المشاركة في الانتخابات القادمة بشكل أكبر.
ويبقى التساؤل الذي يفرض نفسه هو: هل يستطيع المرشحون الرئاسيون إقناع القوميات والأقليات المختلفة بالمشاركة في الانتخابات الحالية بشكل فاعل؟ وهل يقوم الرئيس الجديد بتحقيق القليل من آمال الأقليات المختلفة؟.
باحثة متخصصة في الشئون الإيرانية.
|