English

 

الثلاثاء. يونيو. 9, 2009

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » إيران

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

انتخابات الرئاسة الإيرانية.. حدود ضيقة للتغيير

د. باكينام الشرقاوي

Image
مرشحو انتخابات الرئاسة الإيرانية
بعد مضي ثلاثين عاما على قيام الثورة الإيرانية وفي الانتخابات العاشرة من عمر الجمهورية الإسلامية، ما زال الجدل الرئيسي يدور حول كيفية تفسير خط الإمام الخميني أو طريقه بين كافة المعسكرات السياسية وتياراتها الفرعية؛ فمعايير الثورة والدولة يختلطان ليشكلان ساحة سياسية إيرانية من نوع مختلف.

وتأتي اللحظة الانتخابية كلحظة كاشفة لأبعاد وحدود الصراعات السياسية، حيث تعكس الانتخابات في إيران التغير في خريطة التوازنات السياسية في داخل النظام السياسي، وتبرز نسبياً أبعاد الاتفاق والاختلاف بين التيارات المختلفة ونطاق تحالفاتها وطبيعة العلاقات بينها. والنقلة التي تعبر عنها الانتخابات الرئاسية في 2009 هي حدوث نوع من التقارب بين الإصلاحيين في مجملهم وقطاع بعينه من المحافظين -درجت كثير من الأدبيات على تسميتهم بالمحافظين المعتدلين أو البرجماتيين- فيما الحديث عن المحافظين المعتدلين أمر نسبي؛ فالاعتدال المقصود هنا مرتبط بخطاب أكثر لِيناً في قضايا السياسة الخارجية بالمقارنة بذلك الذي يتبناه الرئيس نجاد الذي نجح في زحزحة الوسط الإيراني في اتجاه اليمين، حتى أن متشددين مثل رضائي الذين اختلفوا مع نجاد يمكن إدراكهم كبرجماتيين تأسيساً على مدى اختلافهم مع ومعارضتهم لنجاد.

الإصلاحيون والمحافظون.. تقارب جزئي

أضحى الانقسام الرئيسي في النخبة الإيرانية هو ما بين جناح التشدد في داخل المحافظين يمثله أحمدي نجاد وبين جناح الاعتدال الذي يعبر عنه بدرجات متفاوتة جماعات في داخل معسكري المحافظين والإصلاحيين. ولكن تدور هذه الاختلافات على مستوى الوسائل والأدوات والاقترابات أكثر من مستوى الأهداف والغايات العليا التي بات الاتفاق حولها واضحا من قبل الجميع منذ قيام الثورة (حماية النظام الإسلامي الإيراني، المتجسد حاليا في التمسك بالبرنامج النووي).

ولعل الانتخابات الرئاسية في عام 2009 تعبر عن بداية مرحلة خامسة من التوازنات في داخل النخبة السياسية الإيرانية: امتدت الأولى طوال فترة الخميني، وفيها ضاقت مساحة الخلافات داخل النخبة الحاكمة وتقاربت وجهات النظر حول كيفية حماية المسار الثوري، تلتها مرحلة ثانية بدأت مع تولي رفسنجاني الرئاسة، وساد فيها الجدل حول حدود وآفاق البرجماتية، وبوصول خاتمي إلى سدة الرئاسة تبلورت معالم التباين بين معسكري الإصلاح والمحافظة، ثم مع الانتخابات البرلمانية في عام 2004 اتضح خفوت وأفول حضور الإصلاحيين على الساحة السياسية وأضحى الانقسام الرئيسي بعد ذلك فيما بين المحافظين أنفسهم (أصوليون وبرجماتيون).

إلا ان الانتخابات الرئاسية العاشرة عادت بالإصلاحيين إلى الساحة السياسية من خلال اثنين من الشخصيات الإصلاحية المعروفة لتنافس على منصب الرئاسة: رئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي ورئيس البرلمان السابق مهدي كروبى، واتفقا في كثير مما طرحوه مع مطالب المرشح المحافظ محسن رضائي رئيس الحرس الثورى الأسبق، لنصبح أمام خطابات متشابهة نسبيا يتقدم بها المرشحون الثلاث الذين ينافسون أحمدي نجاد، وجمعيهم يرفع راية التغيير الذي تحتاجه إيران لكي تخرج من أزمتها. ينصب التغيير المنشود في تبني أساليب توافقية أقل حدة وأقل تصادمية على مستوى الخارج (خاصة مع الغرب) وأكثر فعالية في تحسين معيشة الفقراء ومواجهة أزمات الاقتصاد على مستوى الداخل. أما الرئيس الحالي نجاد، فيمكن إدراجه في خانة بمفرده من حيث برنامجه الانتخابي وما يمثله من استمرارية لسياسات إيران والتعبير عن الجناح الأصولي في داخل المحافظين.
 
ومن ثم يواجه أحمدي نجاد تحديات مزدوجة من قبل التيار الإصلاحي وكذلك من قبل قطاعات معتدلة من المحافظين، الأمر الذي يؤدي إلى تفتيت أصوات الناخبين الداعمين للتيار المحافظ؛ مما قد يؤثر سلبا على موقف نجاد في الانتخابات (على الأقل يُصعب فوزه من الجولة الأولى).

ويشترك المرشحون الثلاث المنافسون لنجاد ومن يدعمونهم في توجيه عدد من الاتهامات للرئيس نجاد، منها: التسبب في تفاقم الأوضاع الاقتصادية بسبب سوء إدارته وتسببه بلا داعٍ في فرض مجلس الأمن لسلسة من العقوبات الاقتصادية، وعدم كفاءته الإدارية وحصره التعيينات الوزارية والوظائف العليا في أصدقائه القدامى، والتغيير المتكرر والسريع للوزراء وافتقاد مشروعاته وتعليماته لوجهة النظر المتخصصة.

وأضاف المحافظون المعارضون له اتهامات أخرى مثل: التخلي عن الكثير من القوى المحافظة الصادقة، وتجاهل القانون والإضرار بمكانة التيار المحافظ في مجلس الشورى، وهو ما رفضه نجاد متهماً المجلس بأنه يعرقل عمل حكومته. وهذا السجال يعكس ضعف التعاون بين الحكومة والمجلس مع وصول نجاد رغم اشتراك مؤسستي الرئاسة ومجلس الشورى في خلفيتهما المحافظة.

وقد وصل الكثير من المحافظين إلى نتيجة مفادها "أن هذه الحكومة تدير أمور إيران منفردة، وأنها أبعدت المراجع الدينية ولم تستفد من مكانتهم وخبراتهم". بل ذهب البعض الى اعتبار أن أحمدي نجاد أخل خلال دورته الرئاسية بالمعايير الأساسية للمحافظين، وأن سلوكه السياسي لا يجعل منه محافظا. كما امتد نقد المحافظين إلى موضوع المرأة (مثل الإصلاحيين) حيث إنه لم يعطها المكانة التي تليق بها، وأرسلت نساء التيار المحافظ رسالة إلى نجاد طالبنه فيها بتوضيح توجهاته نحو المرأة في برنامجه الانتخابي.

ويركز جميع المرشحين على الملف الاقتصادي الذي يعد من أبرز نقاط الضعف في سجل أحمدي نجاد. فقد تولى نجاد السلطة عام 2005 متعهدا بتقسيم الثروة النفطية بشكل أكثر عدلا وتحسين معيشة القطاعات المهمشة في المدن والريف، لكن منافسيه -من التيار الإصلاحي والمحافظ- يحملونه مسئولية تدني النمو الاقتصادي وارتفاع نسبة التضخم (حوالى 25%). وقد هاجم موسوي السياسة الاقتصادية لنجاد متهما إياه بأنه "حول إيران الغنية إلى دولة فقيرة"، مشيرا إلى انخفاض إجمالي الناتج القومي في السنوات الأربع الماضية وازدياد المواطنين فقرا.

ويرفض نجاد هذه الاتهامات مشيرا إلى أن التضخم لا علاقة له بسياسات الحكومة، وسعى لتوجيه حملته الانتخابية بعيدا عن الاقتصاد والتركيز بدلا من ذلك على البرنامج النووي الإيراني الذي يعتبره مصدر فخر وقوة للبلاد، وعلى تقدم إيران تكنولوجياً وعسكرياً؛ ففي عهده أصبحت إيران أول دولة إسلامية تصنع طائرات عسكرية وطائرات بدون طيار وتطلق أقمارا صناعية وتطور من منظومة صواريخها المتقدمة. أي أن إنجازاته على مستوى القضايا الخارجية والقوة العسكرية التكنولوجية تعد مرتكزا لكثير من خطاباته الانتخابية. بكلمات أخرى على عكس الانتخابات السابقة أكثر نجاد الحديث عن قضايا السياسة الخارجية، بينما ركز منافسوه على القضايا الاقتصادية.

وداعب جميع المرشحين آمال المحرومين وتبنوا وعودا بتوزيع الثروات بشكل أكثر عدالة ولكن بطرق مختلفة. فالرئيس نجاد أعلن أن خطته المقبلة تتضمن "استصدار صكوك ملكية لأسهم في أرباح النفط لجميع الإيرانيين فوق 18 عاما بمن فيهم المقيمون خارج البلاد". وأضاف الرئيس الإيراني أن العائد من بيع هذه الأسهم سيسهم في تمويل مشاريع النفط والغاز دون أن يوضح سعر المبيع للسهم الواحد، لكنه شدد على أن هذه الخطة ستقلل من اعتماد إيران على الآخرين في تمويل مشاريعها النفطية. وفي تصريحات أخرى تحدث عن إعطاء كل عائلة من خمسة أفراد ما يوازي ثلاثمائة دولار شهريا كدعم نقدي.

وبالمثل، تقدم كروبي بوعود مماثلة عندما وعد بتوفير أسهم للمواطنين ممن تجاوزوا الثامنة عشرة عاما تتيح لهم إدارة وإنتاج وتوزيع عائدات النفط في البلاد، حيث أكد أن مواجهة المصاعب الاقتصادية ستأتي في صدارة أولوياته. أما موسوي، فقد وعد بزيادة مخصصات الضمان الاجتماعي للنساء والعمال وكبار السن. ويرى كثيرون أن خبرته كرئيس للوزراء في فترة الحرب الإيرانية العراقية ستساعده في قيادة الاقتصاد الإيراني في الأزمة العالمية.

أما رضائي المعروف بمعارضته الشديدة لسياسات الرئيس، فتعهد بالعمل على حل المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها البلاد وتحديدا غلاء المعيشة وارتفاع معدلات البطالة، مجدداً اتهاماته للرئيس بأنه المسئول الأول عن إيصال الوضع الاقتصادي في البلاد إلى "الحضيض". كما وعد بتحويل الإدارة المحلية الإيرانية إلى النظام الفيدرالي، وإشراك الجماهير في عملية صنع القرارات الاقتصادية الكبرى وتطبيق المادة 44 من الدستور الإيراني الداعية إلى التوسع في الخصخصة والحد من سيطرة الحكومة.

وبخصوص ملف الحريات السياسية وحقوق الانسان، فقد أُدرج في برامج المرشحين الإصلاحيين، ولكن في مرتبة ثالثة عقب ملف السياسة الاقتصادية والخارجية. وبالرغم من تزايد دور مؤسسات الأمن والعسكر (الدولة العميقة) في عهد نجاد، كانت ورقة الإصلاح السياسي وتحسين حقوق الإنسان مطروحة بدرجة أقل مما هو معهود من الإصلاحيين في الانتخابات السابقة (ربما وعووا الدرس). ولكونه موضوع غير شائك، حازت حقوق المرأة باهتمام جميع منافسين نجاد، ووعد معظمهم بتعيين وزراء من النساء ومن الشباب. تحدث موسوي عن نيته بناء إطار مؤسساتي تابع لرئاسة الجمهورية يعنى بمسألة حقوق الإنسان، وأكد على الانسجام بين تعاليم الإسلام والمبادئ العريضة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما اشتملت وعوده الانتخابية على احترام الخصوصيات الفردية وضمان حرية التعبير والتجمع وإنصاف الأقليات سياسيا والدفاع عن حقوق المرأة ومنع كل أشكال التعذيب. في حين تحدثت شعارات كروبي الانتخابية عن زيادة حريات الطلبة والنشطاء في الجامعات وإلغاء القيود على الجمعيات الإسلامية (مثل اتحادات الطلبة الإصلاحية التي أغلقت في عهد نجاد)، وتحسين سجل حقوق الإنسان، وإلغاء إعدام القصر، والسماح بحرية نقد الرئيس وكبار المسئولين، وإلغاء الشرطة الدينية ورفع القيود عن اللباس.

الرئيس القادم وسياسة إيران الخارجية

مثل جميع الناخبين في العالم، يهتم الإيرانيون بالقضايا الاقتصادية أكثر من الخارجية، إلا أنه في الحالة الإيرانية تحوذ مسائل السياسة الخارجية على اهتمام عام داخلي كبير بسبب التحديات الكبرى المفروضة على إيران من الخارج وبسبب الارتباط الواضح بين الملفين في ذهنية الإيرانيين؛ فالاقتصاد الإيراني كاقتصاد ريعي يتأثر بمتغيرات السوق الدولي، كما يربط الكثيرون بين مصاعب إيران الاقتصادية وبين السياسة التصادمية لنجاد مع الغرب، والتي جلبت العقوبات الاقتصادية بلا داعٍ، في حين يدافع البعض الآخر عن سياسات نجاد التي أعادت الكرامة والهيبة لإيران ومكنتها من فرض شروطها على الولايات المتحدة وتحدي إسرائيل، خاصة وأن تأثير هذه العقوبات محدود.

إن انتقاد النهج التصعيدي التصادمي لنجاد تعدى المعسكر الإصلاحي، حيث اعتبر كثير من المحافظين أن مسلك نجاد "مفرط ولا ينسجم مع خط المحافظين". بينما يشترك الإصلاحيون مع المحافظين المعتدلين في انتقاده بناء على عدة معايير: جلب النزاعات غير المبررة لإيران مع العالم، وتحويل الملف النووي السلمي إلى ساحة حرب مع إسرائيل، وتقديم صورة إرهابية لإيران في الإعلام والرأي العام الدوليين، ونقل الاهتمام الوطني ومخصصات الميزانية من مشاكل الداخل إلى المسألة الفلسطينية، وخسارة إيران لجميع شركائها الأوروبيين والآسيويين.

يقدم موسوي نفسه باعتباره "إصلاحيا متمسكا بمبادئ الثورة الإسلامية"، ويرغب في تغيير صورة "التطرف" التي أعطيت لبلاده مع البقاء وفيا للنهج الرسمي للجمهورية الإسلامية في الملف النووي الإيراني، حيث يرى أنه بإمكان إيران أن تحتفظ بمبادئها لكن مع اتباع سياسة قائمة على الانفراج في علاقاتها الدولية، مشيرا إلى أنه لا يوجد "ما يدعو لتحويل كافة دول العالم إلى أعداء". ويلقي باللوم على أحمدي نجاد لدفعه البلاد نحو ما يسميه العزلة الدولية بسبب تبنيه سياسات متصلبة في الخلاف القائم بشأن البرنامج النووي الإيراني، وتصريحاته المناوئة لإسرائيل وتشكيكه في البعد التاريخي للمحرقة النازية ضد اليهود. ويرفع موسوي في برنامجه الانتخابي شعارات التهدئة مع الغرب والتحاور مع أوباما. كما انتقد إعلان رئيس الجمهورية أن لديه حلولا للمشكلات العالمية قائلا "يجب أن تحل الحكومة أولا المشكلات في الداخل قبل الانتقال إلى المشكلات العالمية وإظهار نفسها مديرا للعالم". واتهم موسوى نجاد بالذهاب بعيدا إلى أمريكا اللاتنية لتطوير العلاقات مع بعض دولها ذات التوجه الأيديولوجي المناوئ مثل فنزويلا وأورجواي بدلا من التركيز على دول مجاورة أكثر أهمية لإيران في آسيا الوسطى والقوقاز والشرق الأوسط. ومن ثم يعتبره مؤيدوه أنه الشخص الوحيد القادر على "إحياء طريق الإمام الخميني"، فهو طريق السلام والتوافق مع العالم وليس طريق نشر العداء والكراهية تجاه الثورة. وفى حالة فوزه، يمكن توقع تبنيه خطاب هادئ يبتعد عن الملاحظات المثيرة للجدل والداعية للعداء، واستطاعته تجديد الصلات مع الحلفاء القدامى والانفتاح إيجابيا على الخارج إقليميا ودوليا.
 
أما عن محسن رضائي، فهو ينتقد سياسات نجاد باعتبارها تدفع إيران إلى شفير "الهاوية"، وأن خطاباته تنطوي على "المجازفة". ويعتبر أن "الغرب والولايات المتحدة بحاجة إلينا اليوم"؛ وبالتالي على طهران الاستجابة لمبادرات الإدارة الأمريكية المنفتحة حيال إيران. كما ينتقد ضمنيا تصريحات أحمدي نجاد حول المحرقة بحق اليهود، معتبرا أنها "مسألة تاريخية ينبغي عدم استخدامها سياسيا". ومن أهم شعارت رضائي الانتخابية: تأسيس حوار مجتمعى مع الإدارة الأمريكية الجديدة قائم على الاحترام والمساواة المتبادلة. كما أعلن عن عزمه إنشاء ائتلاف دولي لتخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية يدخل فيه كل من الولايات المتحدة وروسيا والدول الأوروبية من أجل استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم، الأمر الذي قد يهدئ من المخاوف الغربية حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني. ولكونه شخصية تقليدية محافظة مخلصة لمبادئ الثورة يٌتوقع أن يحظى بدعم الزعيم في حالة انتخابه، فالبعض يفضل رئيس محافظ آخر قادر على الوفاء بوعوده وتحسين صورة إيران من إصلاحي مكبل اليدين. إلا أن معارضيه يرون أن لا فرصة أمامه للفوز، كما سيثير انتخابه مشاكل دولية بسبب مذكرة التوقيف في حقه بشأن قضية تفجير المركز الثقافي اليهودي في بوينس آريس في عام 1994.

وبالمثل يرفع مهدي كروبي شعار الحوار مع رئيس الولايات المتحدة واستعادة العلاقات الإيجابية مع الدول الأوروبية. ومن ثم يتجه أنصاره من الإصلاحيين إلى الدفاع عنه باعتباره شجاع وتكنوقراطي كفء قادر على تحويل وعوده إلى سياسة حقيقية، فله خبرة طويلة كرئيس للبرلمان في مواجهة المتطرفين سواء في المعسكر الإصلاحي أو المحافظ، ورغم ضآلة احتمالات فوزه، إلا أن كروبي قادر على المساهمة في زيادة نسبة المشاركة في الانتخابات وتقليل فرص انتصار المحافظين. أما معارضوه فيشيرون إلى تماثل برنامجه الانتخابي مع ذلك الخاص بموسوي وأنه لا يقدم جديدا، ومع علمه بضعف فرصه فإنه لا يساهم إلا في تفتيت أصوات الإصلاحيين مما يقلل فرص موسوي المرشح الإصلاحي الآخر الأقوى.

من ناحيته، كان لنجاد تقييم مختلف لسياسة إيران الخارجية، وقد بدأ حملته الانتخابية بخطاب حاد انتقد فيه الغرب والتيار الإصلاحي على حد سواء، قائلا: "إن إيران لن تقبل بهيمنة القوى المتغطرسة" داعيا للعمل على بناء "إيران تلعب دورا في توجيه مستقبل العالم". وشدد على أنه استطاع أثناء ولايته الرئاسية الأولى صد الضغوط الغربية وقوى داخلية للتخلي عن البرنامج النووي. وأكد على استمرار هذه السياسة في حال فوزه في الانتخابات بقوله "هناك ثمان إلى تسع دول قادرة على تخصيب اليورانيوم في العالم وإيران واحدة منها". ووجه أحمدي نجاد انتقادا حادا لسلفه محمد خاتمي معتبرا أن سياساته المهادنة كانت السبب وراء إغلاق بعض المنشآت النووية.

وبالنسبة للتوجه الى أمريكا اللاتينية، فقد دافع عنه نجاد بقوله "إن الدول الغربية تعمل على عزل إيران وكان من الضروري الذهاب إلى الفناء الخلفي للولايات المتحدة، مضيفا: "حضورنا النشط في أمريكا اللاتينية كان حركة حكيمة جدا"، وبالفعل أعربت أكثر من دائرة أمريكية عن قلقها لنمو الحضور الإيراني في أمريكا اللاتينية.

إيران نحو خطاب أقل تصادمية

وعند استعراض البرامج الانتخابية للمرشحين، ترى كثير من الكتابات أن نجاح نجاد قد يعني استمرار مناخ الأزمة مع واشنطن وتل أبيب، وأن فوز أحد الإصلاحيين قد يعني انفراجة في تلك العلاقة واتجاه إيران داخليا وخارجيا إلى مزيد من الاعتدال، وهو توقع لابد من مراجعته، حيث تقابله عدة حقائق قد تدحضه:

أولا: أن المايسترو الحقيقي القائد للسياسات الإيرانية في الداخل والخارج هو الزعيم المرشد آية الله خامئني وأن منصب رئيس الجمهورية على أهميته ما زال المنصب الثاني الذي يلي منصب القائد، وأن حدود وأبعاد أي تغيير مستقبلي مرتبط برؤية وإرادة الزعيم، وأن مساحة حركة الرئيس لا تتعدى تحديد أسلوب ونمط تطبيق هذه السياسات: بالشد أم بالجذب، بتبني خطاب تصعيدي أم خطاب هادئ أم الاثنين معا كنوع من توزيع الأدوار. ولكن تظل السياسات واحدة مستمرة تهدف لذات الأهداف (الاستمرار في البرنامج النووي مع تخصيب اليوارنيوم والدفع بإيران كقوة إقليمية كبرى لابد أن تشارك في منظومات الأمن الإقليمي بالشكل اللائق بمكانتها والحامي لمصالحها).

ثانيا: أنه برصد خطابات نجاد في الفترة الأخيرة، يمكن توقع أنه حتى في حالة فوزه، فإن الاستعداد الإيراني للتحاور مع الولايات المتحدة سيظل قائما وإن اختلفت فقط الوتيرة وتباين الاقتراب. حيث شهد المحيط الدولي والإقليمي تغيرات فرضت نفسها على صانع القرار تدفعه للاعتدال بغض النظر عن الرئيس، أو بالأحرى تشجع المرشد على اتباع سياسة أكثر مهادنة مع الغرب.

من بين هذه التطورات: تداعيات الأزمة العالمية على توجهات السياسة الخارجية الأمريكية وانخفاض أسعار النفط على الموارد الاقتصادية الإيرانية. مضافا إلى ذلك وصول شخصية مثل أوباما إلى سدة الرئاسة الامريكية وما قد تعنيه من تشجيع مناخ الحوار والتهدئة دوليا وإقليميا. كما أن المواقف الإيرانية من كثير من القضايا الإقليمية الخلافية بينها وبين الولايات المتحدة ليست بالمواقف الدوجماتية الجامدة، بل يغلب عليها البرجماتية التي تسمح بالتوافق (كما اتضح في الآونة الأخيرة على الساحة العراقية)، والموقف الإيراني من عملية السلام ليس بالموقف الثابت (مثال ذلك: عدم التنديد بالمسار السوري الإسرائيلى للمفاوضات)، كما أن هناك مصلحة مشتركة في وجود حكومة مستقرة في العراق وأفغانستان والقضاء على تجارة المخدرات ومن المكاسب في الاستثمار في قطاع الطاقة.

وقد بدأت تظهر بعض بوادر الانفراجة في مقتطفات مختصرة ولكن ذات دلالة في خطابات نجاد الأخيرة. فبعد إعلان واشنطن عن تبني إستراتيجيات جديدة للتعامل مع الملف النووي الإيراني، أشار الرئيس الإيراني إلى أن إيران تريد علاقات أفضل مع الولايات المتحدة. وواصلت إيران سياسة الشد والجذب من خلال الحكم بسجن الصحفية الأمريكية الإيرانية ثم إطلاق سراحها في الاستئناف.

كما بدأ نجاد في تغيير لهجته نسبيا متحدثا عن مقترحات إيرانية جديدة لكسر الطريق المسدود مع الغرب حول الملف النووي، حيث صرح "إن الأمة الإيرانية أمة كريمة، قد تنسى الماضى وتبدأ مرحلة جديدة، ولكن عندما تتحدث أي دولة على أساس الأنانية سوف تحصل على نفس رد الأمة الإيرانية المعطى لمستر بوش"، وهو ما اعتبره الخبراء مؤشرا على رغبة نجاد في الدخول في حوار مع إدارة أوباما. وفى مناسبة أخرى، وفي إشارة إلى تداعيات انتخاب أوباما، صرح نجاد أن "الظروف تغيرت"، تاركا الباب مفتوحا أمام تطورات إيجابية ممكنة في المستقبل.

وقد بدى جليا أن فكرة الحوار مع أوباما اكثر من الحوار مع الولايات المتحدة هي التي تتمثل بوضوح في ذهنية جميع المرشحين، ومن بينهم نجاد بدرجة متفاوتة. بل إن أحمدي نجاد صرح بأنه في حالة فوزه سيطالب بمناظرة أو حوار مع الرئيس الأمريكي أوباما في الجمعية العامة بالأمم المتحدة لبحث "المسائل الدولية والطريق إلى السلام".

ولا يقتصر الأمر على التحولات على المستوى الدولي، وفي الداخل الأمريكي، لإحداث تغيير في السياسة الخارجية الإيرانية، بل لابد من توافر تطورات مماثلة في الداخل الإيرانى، من أهمها موقف مرشد الثورة؛ فما زال خطاب خامئني متحفظا، حيث رفض دعوة أوباما للحوار بقوله إنه "لم يرى تغييرا في السياسات الأمريكية"، داعيا لحدوث "تغييرات حقيقية" حتى تتغير العلاقات بين الدولتين، ومطالبا الولايات المتحدة بإيقاف عدائها لإيران وتدخلها في شئونها الداخلية. وأشار إلى أنه كيف يهنئ أوباما الإيرانيين بالعام الجديد ويتهم إيران بالإرهاب والسعي للحصول على الأسلحة النووية في نفس الرسالة.
 
وفقا لما سبق، فالتغيير القادم ربما سينحصر في تبني إيران خطابا أقل تصادمية وأكثر انفتاحا على الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة، وينطبق ذلك في حالة فوز أي من المرشحين الأربع، وإن كانت فرص نجاد ما زالت كبيرة في الاستمرار كرئيس، يليه في استطلاعات الرأى موسوي، فالنقلة ستحدث على مستوى الخطاب الإعلامي مع بقاء الطموحات الإيرانية ثابتة تتمسك بالخيار النووي وتسلك مسلك القوة الإقليمية الكبرى. إلا أنه لا يجب التقليل من دلالة مثل هذا التغيير، فبالنسبة لإيران مجرد تغيير اللهجة له تأثير كبير على علاقاتها بالعالم الخارجي، ويمكن أن يُحدث نقلة نوعية في طبيعة علاقاتها مع الغرب. وبامتلاك مصادر للقوة الحقيقية والأهم توافر الإرادة لاستخدامها عند الضرورة يصبح للخطاب الرسمي ثقله وأهميته وللهجة الزعماء تداعياتها المسموعة، وهذه هي إيران في المرحلة الحالية.


مدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات