|
| البرلمان الأوروبي |
لا يختلف موقع المجلس النيابي الأوروبي من المنظومة السياسية للاتحاد الأوروبي اختلافا كبيرا عن موقع المجلس النيابي الكويتي، فمع وجود صلاحيات له تنامت تدريجيا ويراد زيادتها عبر معاهدة لشبونة التي تنتظر استكمال التصديق عليها بعد الإخفاق في التصديق على دستور مشترك، يبقى أن صناعة القرارات من صلاحيات مجلس رؤساء الحكومات ومجالس الوزراء الأوروبيين، ومعظمها وفق نظام التصويت بالإجماع، ويبقى للمجلس النيابي أن يؤثر على بعضها بصورة غير مباشرة أو أن يعترض على بعضها الآخر دون التمكن من إلغائها إلا نادرا.
مجلس واحد و27 حكومة
تعتبر نتائج الانتخابات النيابية الأوروبية لعام 2009 مرآة عاكسة لعلاقة الناخبين المتعددة الوجوه بالأجهزة المشتركة للاتحاد الأوروبي، وبالحكومات الوطنية القائمة في 27 دولة عضوا، وبالأوضاع الاقتصادية الآنية في الدرجة الأولى. وأبرز ما يمكن استخلاصه على هذا الصعيد:
1- ضعف صلاحيات المجلس النيابي الأوروبي يساهم في العزوف عن التصويت، وهذا ما جعل نسبة المشاركة في حدود 43 في المائة، وهي أدنى نسبة مشاركة منذ قيام الاتحاد الأوروبي.
2- النكسات التي واجهتها المسيرة الأوروبية، لا سيما على صعيد العجز عن تثبيت دستور مشترك، ثم العقبة الأيرلندية في وجه اختتام التصديق على معاهدة لشبونة البديلة عن الدستور، إذ ساهمت في استمرار تركيز الاهتمام على السياسات الوطنية أكثر من السياسات الأوروبية المشتركة وأجهزتها.
3- غلبة عنصر المصالح القومية للبلدان الأعضاء في التعامل مع الأزمة الرأسمالية العالمية جعلت الانتخابات الأوروبية مناسبة لتعامل الناخبين مع حكوماتهم الوطنية وسياساتها أكثر من التعامل مع اختيار الأصلح لممارسة سياسة أوروبية عبر مجلس نيابي منتخب.
4- الضغوط الاقتصادية الإضافية الناجمة عن الأزمة العالمية بعد الضغوط السابقة الناجمة عن مسيرة ما سمي الرأسمالية المتشددة في أعقاب الحرب الباردة، أعطت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وليس المصالح السياسية الأوروبية المشتركة مكانة الصدارة في عملية الاقتراع.
ازدياد قوة اليمين أوروبيا
تختلف تشكيلة الكتل في المجلس النيابي الأوروبي عن التشكيلة التقليدية في كل دولة على حدة، ومثال ذلك أن ما يوصف بكتلة اليمين أو كتلة المحافظين لا تضم جميع أحزاب اليمين على المستويات الوطنية، كالمحافظين في بريطانيا، وإن جمعت معظم أحزاب المحافظين والمسيحيين. وتعتبر أحزاب "الأحرار" بمعنى "الليبراليين" أحزابا يمينية بالمقارنة مع المحافظين والمسيحيين، إلا أنها تشكل كتلة قائمة بذاتها. ورغم أن أحزاب الديمقراطيين الاشتراكيين والأحزاب الاشتراكية تشكل كتلة مشتركة، إلا أن وصفها باليسار أصبح مجازيا، بعد أن مالت سياسات معظمها منذ نهاية الحرب الباردة إلى الوسط ويمين الوسط. ولم تعد كتلة أحزاب الخضر كما كانت قبل عشرين عاما تمثل أحزاب البيئة وحركة السلام، وإن بقيت أقرب إلى اليسار بصورة عامة.
ويحدد هذا الإطار العام ما يعنيه فوز اليمين التقليدي بموقع الكتلة الأكبر عددا في المجلس النيابي الأوروبي، ولا يعود هذا الفوز إلى زيادة أصوات ناخبيه، بقدر ما يعود إلى انخفاض نسبة المشاركة من جهة وتناقص أصوات ناخبي اليسار التقليدي من الاشتراكيين والديمقراطيين الاشتراكيين من جهة أخرى.
من العوامل الحاسمة على هذا الصعيد، أن خيار الناخب سواء بمنظور أوروبي أو منظور وطني، بات محصورا ما بين اليسار الذي تراجع عن ممارسة سياسات اقتصادية يسارية إلى حد لا بأس به، وبين اليمين الذي كان يمارس السياسات الاقتصادية اليمينية من الأصل، مما يدفع الناخب اليساري إلى الامتناع عن التصويت أو للتحول إلى أحزاب يسارية صغيرة نسبيا، ويدفع الناخب اليميني في الأصل إلى التصويت لصالح حزب يميني "أصلي" وليس لصالح حزب يساري يرتدي اللباس اليميني حديثا.
وكما ينعكس ذلك في كثير من الدورات الانتخابية الوطنية، انعكس الآن في نتائج الانتخابات الأوروبية؛ فكانت الخسارة من نصيب اليسار وهو في السلطة وطنيا أو مشاركا فيها كما في أسبانيا وألمانيا والبرتغال والمجر وبريطانيا، وكذلك في المعارضة، كما في فرنسا، وشذ عن ذلك اليسار المعارض في اليونان فقط.
نجاح الأحزاب الأصغر والمتطرفة
العزوف عن التصويت يصب دوما في صالح الأحزاب الأصغر عموما بغض النظر عن اتجاهها، فأغلبية الممتنعين هم من ناخبي الأحزاب الكبيرة المعترضين على سياساتها، بينما يبقى حرص مؤيدي الأحزاب الصغيرة حرصا كبيرا على المشاركة لدعمها من جهة وبتأثير الخشية من اضمحلالها أصلا.
ولئن برز ذلك في وصول كتلة الأحرار (الليبراليين) إلى المركز الثالث بحصولهم على 81 مقعدا في المجلس النيابي، رغم انخفاض نسبة تأييدهم بما يناهز 2 في المائة، فقد برز بصورة أقوى في ازدياد نسبة تأييد كتلة الخضر بمعدل واحد ونصف في المائة فأصبحوا في المرتبة الرابعة بحصولهم على 51 مقعدا، بينما استطاعت كتلة أحزاب اليسار من شيوعيين واشتراكيين الحصول على 33 مقعدا.
ورغم الحديث عن ازدياد تمثيل الأحزاب اليمينية المتطرفة في المجلس النيابي الأوروبي فلا يغيب عن الأنظار أنه حديث "نسبي"؛ فمجموع مقاعدها ومقاعد الأحزاب الصغيرة التي لا ترتبط بكتلة نيابية ولا تعتبر من اليمين المتطرف لا يتعدى 82 مقعدا من أصل 763 مقعدا.
وليس للأحزاب اليمينية المتطرفة في الدول الأوروبية الأكبر سكانا، كألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأسبانيا نصيب كبير من ذلك، إنما برز النجاح النسبي للمتطرفين يمينا في الدول الأصغر سكانا، وفي مقدمتها هولندا بنسبة 17 في المائة محليا، فالمجر بنسبة ناهزت 15 في المائة محليا، فالنمسا بنسبة 13 في المائة.
رغم ذلك لا ينتظر أن يكون لليمين المتطرف على المستوى الأوروبي المشترك أثر يتجاوز حدود المشاركة في التعبير عن المواقف عبر المجلس النيابي الأوروبي، إلا أن النتائج المذكورة تثير المخاوف من ازدياد ظاهرة التطرف اليميني على السياسات الوطنية، وهي مخاوف مبالغ فيها في كثير من الأحيان، فعند التأمل في تفاصيل الأرقام المتعلقة بنتائج الانتخابات الأوروبية، عبر مثال النمسا، إذ لم يرتفع "عدد" مؤيدي التطرف اليميني، بل لعبت العوامل المذكورة في البداية -لا سيما العزوف عن التصويت- دورها في النتيجة النهائية، ولا يعني أنها تؤثر في اتجاه مماثل عند إجراء انتخابات على المستويات الوطنية.
فقد الحزب الاشتراكي في النمسا نتيجة العزوف عن التصويت 18 في المائة من "ناخبيه التقليديين" فلم يشاركوا في الاقتراع أصلا، بينما كانت نسبة المشاركة على صعيد الناخبين التقليديين للحزب اليمني المتطرف في حدود 82 في المائة، ومنهم 52 في المائة ممن لم يشاركوا في الانتخابات السابقة عام 2004. أي أن الحزب نجح في الحفاظ على "حرص" ناخبيه التقليديين على التصويت، وفي "دفع الممتنعين منهم سابقا" إلى المشاركة في الجولة الأخيرة، بينما خسرت الاحزاب اليسارية أصوات ناخبيها التقليديين الممتنعين عن التصويت دون إمكانية التعويض عنهم.
الخلاصة من تحليل هذه الأرقام تقول، ليس في الانتخابات الأوروبية ما يشير إلى اتساع أفقي عددي في نطاق تأييد اليمين المتطرف أوروبيا، إنما يبرز تأييده نتيجة ظاهرة العزوف عن التصويت من جهة، ونتيجة التركيز عليه أكثر من سواه، رغم أن نسبة تأييده منخفضة عموما.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|