English

 

الاثنين. يونيو. 8, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » لبنان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

هكذا أهدى العماد عون الفوز لقوى 14 آذار!

إبراهيم غالي

قوى الأغلبية تعلن فوزها
قوى الأغلبية تعلن فوزها

لم يكن يتوقع أحد أن يمر يوم الانتخابات النيابية اللبنانية أمس الأحد بهدوء وسلاسة بالغة دون توترات أمنية أو انتهاكات كبرى تؤثر على سير العملية الانتخابية بعد ذلك الصراع السياسي المرير الذي استمر لأكثر من ثلاثة أعوام بين الأكثرية والمعارضة؛ ليتأكد أن لبنان يمكنه أن يشكل بالفعل نموذجا حضاريا ديمقراطيا في المنطقة إذا ما أحسن زعماء طوائفه الاستثمار السياسي المربح للبنان لا للطائفة فحسب.

مرت الانتخابات كسحابة صيف في يوم غير عاصف سياسيا وأمنيا.. وبخطاب مسئول وعقلاني يدعو للشراكة الوطنية خرج زعيم تيار المستقبل "سعد الحريري" ليثبت أنه رجل علمته تجارب الأربعة أعوام الماضية.. وباعتراف لا يشوبه خجل من الخسارة أكد بعض أركان فريق المعارضة خسارتهم في انتخابات 7 يونيو 2009.

هي إذن ممارسة سياسية راقية، ستزداد رقيا إذا ما ابتعد الخاسرون عن التشنج وغادر الغرور المنتصرين، وإذا ما كانت الاحتفالات الشعبية على قدر الحدث وعلى مقدار الهامش الضئيل الذي لا يسمح إلا بالتوافق الذي هو سمة لبنان "الطائفي".

وسيعلو شأن لبنان "الديمقراطي التصالحي" إذا ما تم الاحتكام في تشكيلة الحكومة الجديدة إلى طبيعة التوازنات القائمة بالبلد، وتكوين حكومة (دستورية وميثاقية) من كل الأطياف، وإذا ما تجنبت قوى المعارضة الحديث عن الثلث الضامن باعتباره نوعا من تأكيد عم استئثار الآخرين بالسلطة؛ لأنها ستحصل عليه في كل حال إذا ما تم تشكيل الحكومة على أساس وطني خالص.

صباح يوم الثامن من يونيو 2009 لابد أن يكون يوما لدعم خيار الشراكة الوطنية على أسس جديدة تضع لبنان أمام مرحلة مختلفة في كيفية إدارة الحكم والتعاطي مع الملفات التي يختلف عليها الفريقان المركزيان بالدولة؛ لأن الحصيلة الأخيرة للانتخابات لن تسهم بأي حال في تغيير وجه النظام اللبناني، أو تخل بتوازناته الداخلية ونمط سياساته الخارجية، أو تحد من تدخلات الخارج في لبنان، أو النظر إليه باعتباره المرآة المصغرة التي تعكس مجمل الوضع الإقليمي في منطقة يعتبر أطرافها الفاعلون لبنان "أرضا لحروبهم".

تلك أمنيات بأن تكون الأيام القادمة انعكاسا لما حدث من رقي حضاري في يوم الانتخابات، وهي مقدمة كذلك؛ لأن تراجع قوى 14 آذار (الأكثرية النيابية منذ انتخابات عام 2005) قبل قوى 8 آذار (المعارضة الحالية) دروس الأعوام الأربع السابقة، وأن يعقد الجميع العزم على إعادة التآلف داخل هذا البلد الذي يعكس وجه الحضارة والتسامح في الشرق.

وصحيح أن الخلاف بين الفريقين كبير، والجرح عميق، والسياسات متباعدة إلى قدر قد يصعب معه الالتقاء.. إنما بالتمعن وإعمال الحكمة يكشف عن أن الهوة ليست سحيقة لحد الاستعصاء على الحل، ونقاط التقارب عديدة ويمكن البناء عليها، وعلى سبيل المثال ثمة إجماع داخلي في لبنان على أن إسرائيل هي العدو الأول.. وإجماع على أن انتماء لبنان عروبي، وعلى ضرورة قيام علاقات طبيعية مع الشقيقة سوريا، وإجماع على إدارة البلد بالتوافق والشراكة؛ لأن ما سواها درب من الخيال، وإجماع على علاج الملف الاقتصادي وتحسين حياة المواطن، وبالتالي يجوز البناء على ذلك استخلاصا لعبر السنوات الماضية وبناء لبنان الجديد الذي لم يعرف كيف يدير شئونه وحده منذ بداية الحرب الأهلية في عام 1975.

الهدوء سمة.. لماذا؟

ولكن لماذا طبع الهدوء لبنان خلال إجراء انتخابات وصفت بالمصيرية؟

يمكن القول إن ثمة عوامل عديدة أدت إلى تلك الانتخابات الهادئة، ويلحظ المتابع لسير هذه الانتخابات منذ توقيع اتفاق الدوحة الذي أسس لها باعتماد قانون العام 1960 أنها قد بدأت مشتعلة ونارية ومصيرية، وكلما مر الوقت -وعلى عكس سير العملية الانتخابية في بلدان كثيرة وفي انتخابات لبنانية سابقة- كان وميض هذا الاشتعال يخفت شيئا فشئيا كلما اقترب موعد الانتخاب.

ويعزي هذا الأمر لمجموعة من العوامل الضاغطة، أولها قدِم من عموم الهدوء الذي يلامس الإقليم في مجموعه وانكشاف عورة سياسة المحاور العربية والإقليمية.. خفت صوت محور "الممانعين" إلى حد كبير في انتظار تلقف الإشارات الإيجابية الصادرة عن الإدارة الأمريكية الجديدة، وتدفع برجماتية هذا المحور سوريا وإيران إلى التهدئة النسبية كسبا لمزيد من الوقت واستفادة بتشعب الملفات المطروحة أمام إدارة أوباما.. وعاد صوت محور "المعتدلين" بقوة سيما بعد الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة ليؤكد حضوره بالإقليم مجددا بعد نكسات في فلسطين ولبنان في العامين الأخيرين.

ولئن كانت السيولة والضبابية هي عنوان المشهد الإقليمي والدولي في منطقة الشرق الأوسط على الأقل حتى نهاية هذا العام بانتظار صفقات أو صفعات قادمة تدور معظمها حول إيران، ولا تدع بقية المنطقة بمنأى عنها، فإن لبنان قد استفاد بالطبع من هذه الضبابية، وذلك على نقيض فترة الصراع الإقليمي المفتوح الذي عنون المنطقة منذ حرب لبنان 2006 وحتى رحيل إدارة بوش.

ولذا ربما كانت انتخابات لبنان هذه المرة أقل الانتخابات عرضة للتدخلات الخارجية الفظة أو الفعلية؛ فقد اقتصر التدخل إما على الدعم اللفظي أو المالي فقط دون أن يمتد إلى العبث بالتوازنات السياسية أو تطبيق قانون انتخابي بعينه، كما حدث في انتخابات عام 2005 التي تمت تحت ضغط أمريكي مكشوف، أو انتخابات الأعوام الخمسة عشر الماضية التي كانت تتم وفق إرادة سورية لا لبنانية.

والعامل الآخر الذي ساعد على هذا الهدوء أن فرقاء لبنان في اتفاق الدوحة هم -لا سواهم- قد اختاروا القانون الانتخابي الذي تمت على أساسه تلك الانتخابات.

وبطغيان الطائفية على الوطنية -كما هو معتاد- كان كل فريق قد ضمن 50 صوتا على الأقل، لتنحصر المنافسة في حوالي 28 مقعدا فقط، واختار الفرقاء السنة والشيعة أن يبتعدان عن نقاط التماس الحادة في الدوائر الأكثر اختلاطا بين الطائفتين؛ فحسما من البداية أن لا معركة سنية - شيعية، كما أنه لا عودة للتحالف الرباعي في انتخابات العام 2005، وفضلا ترك تحديد الأكثرية لدائرة الصراع المركزية، أي داخل الطائفة المسيحية، والتي تعاظم الخلاف بين أركانها واستحالت كل محاولات الحل بين العماد ميشيل عون (التيار الوطني الحر)، وحليفه سليمان فرنجية (تيار المردة)، وبين كل من سمير جعجع (القوات اللبنانية)ن والرئيس أمين الجميل (حزب الكتائب)، وصار مسيحيو لبنان موزعين، كما يصف مراقبون لبنانيون، بين مسيحية - سنية، وأخرى مسيحية - شيعية (بالتعبير السياسي).

إذن دخل كل فريق الانتخابات (وخاصة السنة والشيعة)، وفي حوزته ما يريد من مقاعد، تجنبا للصدام، كما أن صعوبة تحديد وجهة سير المعركة الانتخابية داخل الأوساط المسيحية كانت تستلزم من كتلتي 14 و8 آذار عدم التصعيد كلما اقترب موعد الانتخابات حتى لا تصيب ناخبيها بسقف توقعات مرتفع من جانب، وحتى لا تتهم بمحاولة الاستئثار بالسلطة إذا فازت، بل وكي تضمن المشاركة في الحكم (كل على طريقته) في حالة الخسارة.

دلالات النتائج

وحتى كتابة هذه السطور كان قد تأكد من النتائج غير الرسمية فوز قوى 14 آذار ب- 70 مقعدا مقابل 55 مقعدا لقوى 8 آذار (يتبقى ثلاثة مقاعد في المتن الشمالي)، وحتى بافتراض حصول 8 آذار على المقاعد الثلاثة المتبقية، تكون النتيجة الأخيرة (70 للموالاة و58 للمعارضة)، بنسبة (54.6% ل- 14 آذار مقابل 45.4% ل- 8 آذار)، وهي نتيجة تسمح لكتلة الأكثرية الحالية بتكليف رئيس جديد للحكومة الجديدة، استمرارا لما هو عليه الوضع منذ عام 2005.

وحول دلالة هذه النتيجة يمكن رصد التالي:-

أولا: فاقت نسبة المشاركة الشعبية في هذه الانتخابات كافة الانتخابات التي أجريت في العشرين عاما الأخيرة، بنسبة 54.8%. وتعد هذه النسبة بحد ذاتها ضئيلة جدا، لكنها تعود إلى حسم أكثر من ثلاثة أرباع المقاعد النيابية منذ البداية.

ونتصور لو أن بلدا مثل لبنان تخلى عن الطائفية السياسية كما نص اتفاق الطائف، واتجه لانتخابات على أساس التمثيل النسبي في ظل وجود أحزاب سياسية قوية (غير طائفية) ربما اقتربت نسبة المشاركة من 90%.

وبطبيعة الحال كانت نسب المشاركة أعلى في الدوائر الساخنة (خاصة ذات الأغلبية المسيحية)، والتي تحسم النتيجة النهائية للانتخابات ويراهن عليها كل فريق، وحسب النتائج الأولية، فإن محافظة جبل لبنان كانت الأعلى مشاركة بين المحافظات الست بنسبة 61.5%، مقابل 38.66% فقط لدوائر بيروت الثلاث، والجنوب 56.25%، والبقاع 55%، والشمال 55%، والنبطية 48.66%.

ثانيا: لأن المعركة الانتخابية منذ البداية كانت مسيحية - مسيحية بالأساس، إذ لا معركة سنية - سنية رغم محاولات خجولة من بعض القوى الإسلامية لإثبات الوجود، وتجريب الانتخاب ضد تيار المستقبل، ولا معركة شيعية - شيعية في ضوء التوافق بين حزب الله وحركة أمل على توزيع الأدوار، واحتفاظ الرئيس بري برئاسة البرلمان؛ فإن هذه الانتخابات قد تمت واقعيا في أقضية محددة أبرزها زحلة (محافظة البقاع) وكسروان وجبيل والمتن والكورة والشوف (جبل لبنان) والبترون والكورة (الشمال)، وهي ذات المناطق التي شكلت تاريخيا النزاع داخل الجبل بين طوائفه، وهي التي كان من أجلها يأتي الأجنبي لنصرة هذا الطرف أو ذاك.

وشهدت هذه الأقضية، إلى جوار قضاء صيدا بالجنوب، النسبة الأعلى للمشاركة (زحلة 56%، والمتن 65%، والشوف 57%، وكسروان 70%، وجبيل 65%، والبترون 60%، والكورة 53%).

ثالثا: إن فارق المقاعد بين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار يعود بالأساس إلى تصويت الكتلة المسيحية المترددة إلى قوى 14 آذار، وحسم النتيجة مبكرا لصالح 14 آذار كل من: قضاء زحلة (7 للأكثرية وصفر للمعارضة) والكورة (2/صفر) وبيروت الأولى (5/صفر).

وفي تحليل ذلك، يمكن التوقف أمام العوامل التالية:-

1 - اتجه مزاج الناخبين المسيحيين بوجه عام إلى تيار 14 آذار في الآونة الأخيرة؛ فهو التيار الأقرب إلى وجهة نظرهم في لبنان، والأميل بطبيعته إلى النمط الغربي والأكثر حساسية تجاه تزايد النفوذ الإسلامي المتشدد، سنيا كان أم شيعيا.

2 - لأنه كان من غير الممكن، بناء على القانون الانتخابي وتوزيع المقاعد سلفا، أن تنعكس أحداث العامين الأخيرين في تصويت السنة والشيعة؛ فإن التصويت المسيحي لصالح 14 آذار ربما جاء ليعكس تعبيرا مباشرا عن أحداث يوم 7 مايو الماضي حينما سيطر حزب الله وحلفاؤه، وبمباركة من العماد عون، على بيروت وبعض مناطق الجبل.

3 - كان الناخب المسيحي ينظر سابقا للعماد عون على أنه الطرف الأقرب نظريا، وربما عمليا، لتمثيل المسيحيين، فإذ بحصاد أحداث 7 مايو تنقلب على عون، وبالتالي على تيار 8 آذار، وربما أضحى عون برأي الناخب المتردد أقرب لطرف يدعم ويتحالف مع حزب الله الذي لم يتردد في غزو بيروت، بعد أن كان الناخب المسيحي ينظر بعين الحذر لزعامات مسيحية كانت ميليشيا في الماضي (حزب القوات اللبنانية)، وإذ بها تتحول -من وجهة نظرهم- لحزب سياسي يندمج في تيار يدعو لبناء دول الاستقلال (14 آذار).

4 - يجوز القول إن العماد عون قد أهدى الفوز لقوى 14 آذار على طبق من ذهب؛ لأنه بدلا من تخفيض حدة خطابه عشية الانتخابات وإرسال إشارات تهدئة للناخبين المسيحيين في مجموعهم؛ فهو:

أولا: خسر حليفه النائب ميشيل المر (كانا يستحوذان عشية الانتخابات على مقاعد المتن الثمانية) لتباعد مواقفهما حول الاستحقاق الرئاسي قبل التوقيع على اتفاق الدوحة.

وثانيا: دخل عون في معركة مع رئيس الجمهورية ميشيل سليمان واتهامه بمحاولة إقصاء مرشحين للتيار الوطني الحر لصالح كتلة نيابية لرئيس الجمهورية، وذلك على الرغم أن سليمان بعد عام من حكمه قد تمكن من إثبات أنه توافقي يدير صراع التوازنات السياسية لا طرفا فيها، فضلا عن أن الناخب المسيحي ينظر إليه على أنه "منقذ لبنان".

وثالثا: تغافل عون، ومعه سليمان فرنجية، دور البطريركية المارونية وتأثيرها في الناخب المسيحي، ولم يتصالحا بشكل كامل مع البطريرك نصر الله بطرس صفير، والذي كانت كلمته قبل الانتخابات بيومين توحي بتوجيه الناخب الماروني للتصويت لقوى 14 آذار.

وهكذا يمكن القول إن عون، المفاوض الصلد في الأزمات الكبرى، ظن أن الانتخابات واحدة من تلك الأزمات، ففاوض بصلابة أيضا ولم يسع لتخفيف حدة التوتر التي تكتنف الناخب المسيحي.

رابعا: يعود الفضل لفوز قوى 14 آذار إلى تيار المستقبل بالأساس ورئيسه النائب سعد الحريري، وذلك لعدة أسباب منها: أن الحريري تعامل بحنكة سياسية مع مجمل الأحداث التي عصفت بالبلد؛ فوأد الفتنة الطائفية في أكثر من مناسبة أبرزها أحداث 7 مايو، وحافظ على تماسك قوى 14 آذار، وتجنيب خروج أي من حلفائه الرئيسيين منها، خاصة النائب وليد جنبلاط صاحب المعادلات السياسية التي تقاس بميزان حساس ومرجح الصوت الدرزي في أكثر منطقة، كما أدار الحريري المعركة الانتخابية بخطاب "تطميني" توافقي كأنه يكرر تجربة والده الشهيد، وفي ذلك أيضا أعاد تحالفات المستقبل في الشمال وصيدا ليضمن استحواذ تياره على نحو 24 مقعدا من ال- 27 المخصصة للطائفة السنية.

خامسا: بدت قوى 14 آذار أكثر تماسكا وتمسكا بمشروعها السياسي للبلد، تجلى ذلك في طرح هذه القوى رؤية ووثيقة مشتركة وبرنامج انتخابي واحد لا يمنع الاختلاف بين الحلفاء، على عكس قوى 8 آذار التي فشلت في أكثر من مرة في الخروج بوثيقة مشتركة بين قواها المتعددة، أو بالأحرى الفشل في تعميم وثيقة التفاهم بين التيار الوطني وحزب الله على سائر قوى المعارضة الأخرى، ومنها حركة أمل حليف حزب الله.

وماذا بعد؟

وإذا كان ما يحدث في لبنان لا ينفصل عن المشهد الإقليمي، أو كما يقال (إذا أردت أن تعرف أين تتجه بوصلة الإقليم يكفيك إلقاء نظرة من أعلى إلى لبنان)؛ فإن لهذه النتائج دلالاتها الإقليمية أيضا، لاسيما أنه من المعروف أن فوز قوى 8 آذار كان سيمثل انتصارا لسوريا وإيران، كما أن فوز 14 آذار سيمثل انتصارا لأمريكا وفرنسا وكثير من الدول العربية وعلى رأسها السعودية ومصر، في بلد لا يخفي المتدخلون بشئونه حجم وطبيعة الإغراء اللبناني منذ القدم.

وهنا يبرز التساؤل: هل فوز قوى 14 آذار مقدمة لتعزيز محور الاعتدال؟.. وهل يسقط أحمدي نجاد في إيران بعد خمسة أيام ليترك الرئاسة للأقل تشددا؟.. وهل تفضي حوارات القاهرة الفلسطينية إلى تقوية شوكة حركة فتح على حساب حركة حماس؟.. وماذا عن إدارة أمريكية تبدو معتدلة مقارنة بسابقتها؟.. أليس هناك ربط بين ذلك كله وبين أن تكون إسرائيل الاستثناء الوحيد الذي بزغ فيه اليمين المتطرف في عام الانتخابات بالمنطقة وبأكبر دولة بالعالم؟

ربما هذه الأسئلة تؤكد الخيوط الضبابية والمساحات الرمادية التي تميز المنطقة حاليا، لكن لبنان يبقى أيضا المحك في المرحلة القادمة.. فإذا ما حدث خلاف حول تشكيل الحكومة الجديدة أو تعمدت المعارضة إفساد انتصار قوى 14 آذار بصيغ مختلفة، أو أضحى البلد أمام صراع سياسي جديد، لا شك أن مواقف الأطراف الإقليمية ستعكس ما تخفيه هذه الأطراف من أجندات؛ فتعمد الاستقرار في لبنان يعني أن الإقليم سيشهد استقرارا مماثلا، كما أن تأجيج صراع في لبنان يعني أن الأمور التفاوضية "السرية" حتى الآن هي للمماطلة واختبار النيات لا أكثر ولا أقل تمهيدا لصراع إقليمي ربما ينال الجميع.

ولا شك أن هذا بذاته يرتبط بما سيتفق عليه أطراف لبنان حول إدارة مرحلة ما بعد الانتخابات، وربما يكون فوز قوى 14 آذار قد وفر قسطا كبيرا من متاعب عديدة ربما كانت ستحدث لو فازت قوى 8 آذار؛ حيث النائب سعد الحريري ربما يكون الأقرب لتأليف الحكومة الجديدة، بل إنه حتى إذا كانت 8 آذار قد فازت بالأكثرية، فكان لابد أن تستشير الحريري حول رئيس الحكومة المقبل؛ لأنها إذا ما أرادت تسيير شئون البلد؛ فعليها اختيار شخصية شعبية مقبولة داخل عموم الوسط السني.

وكان بعض فرقاء 14 آذار، وفي مقدمتهم الحريري، قد فضل عدم المشاركة في حكومة تنبثق عن أكثرية ل- 8 آذار، مفضلين ترك مقاعدهم الوزارية لحصة رئيس الجمهورية، أي إعطاءه هو لا غيره الثلث الضامن.

ولا شك أن هذا الطرح على ديمقراطيته ووجاهته، إلا أنه كان سيضع رئيس الجمهورية وجها لوجه أمام قوى 8 آذار، خاصة العماد عون، وربما كان الخلاف هو الأقرب بينهما.

ويرى هؤلاء الفرقاء أيضا أنه في حال استمرارهم كأكثرية نيابية، فهم يفضلون حجب الثلث الضامن في الحكومة الجديدة عن المعارضة، مع ترجيح إعطاء صوت وازن أو مرجح لرئيس الجمهورية.

وعلى أي حال سيبقى الحكم للأيام المقبلة على مواقف كل من الأكثرية والمعارضة من اختبار تجربة الشراكة على أسس جديدة، إذ لا يمكن للفريق الرابح أن يحكم بأكثريته القانونية، ولا يمكن تهميش الخاسر خارج الحكم، خاصة بعد أن جرب الفريقان استحالة ذلك بعد أن أسقط كلاهما حكومة للآخر في الشارع بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري، فقد أسقطت قوى المعارضة آنذاك (14 آذار حاليا) حكومة عمر كرامي في 28 فبراير 2005، وأسقطت المعارضة الحالية (8 آذار) حكومة فؤاد السنيورة الأولى إثر أحداث 7 مايو 2008، وفي المرتين عرف الفريقان قدرة الآخر على تعطيل الحياة السياسية وشل المؤسسات الدستورية، فهل اتعظ فرقاء لبنان من فاز منهم في الانتخابات ومن خسر؟!.


كاتب وباحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات