|
| مؤتمر باريس 3 |
لا يغيب الاقتصاد اللبناني عن المعركة الانتخابية الدائرة حاليا بين الموالاة والمعارضة في لبنان، وذلك في ضوء الارتباط الحيوي بين الاقتصاد اللبناني والاقتصادات الغربية، والتصريحات التي أدلى بها جوزيف بايدن، نائب الرئيس الأمريكي، أثناء زيارته في لبنان والتي أشار فيها إلى أن المعونات الأمريكية للبنان سترتبط بطبيعة الحكومة القادمة، وهي رسالة تحذير مبطنة قد يمتد أثرها إلى الاستثمارات وإلى السياحة بل وحتى التجارة مع لبنان.
فقد شهد لبنان ارتفاعا في حجم الديون الداخلية والخارجية منذ انتهاء الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عاما، وتم إنفاق الكثير الأموال من أجل إعادة الإعمار. وتستقطب فوائد وأقساط تلك الديون قدرا كبيرا من إنفاق الموازنة اللبنانية؛ ما أدى لاستمرار العجز بها، وهو ما يعنى اقتراضا جديدا لسد ذلك العجز وارتفاعا لقيمة الديون، إذ يتم تمويل ذلك العجز من خلال إصدار السندات التي يتم شراء جانب منها بالخارج، وهو ما ربط سداد العجز بالبيع لتلك الأوراق المالية بالخارج.
وجاءت حرب يوليو 2006 لتزيد من الحاجة لعمليات إعادة الإعمار، وهنا عقدت الدول الغربية وحلفاؤها عدة مؤتمرات، أسفرت عن تعهدات، في مؤتمر باريس (3)، بتقديم أموال قيمتها 7.5 مليار دولار، منها 1.278 مليار من بنك الاستثمار الأوروبي و1.1 مليار دولار من السعودية و975 مليون من البنك الدولي و890 مليون من الولايات المتحدة و750 مليون من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب تعهدات أخرى من فرنسا والإمارات وإيطاليا وأسبانيا وبريطانيا وبلجيكا وتركيا وكندا والنرويج والمفوضة الأوروبية والبنك الإسلامي للتنمية وصندوق النقد العربي.
وتم التوقيع بالفعل على مبالغ قيمتها 5 مليار و583 مليون دولار حتى مارس من العام الحالي، منها 4.2 مليار في صورة قروض إلى جانب 1.3 مليار في صورة منح، الأمر الذي يعنى ارتباط تقديم المساعدات بالدول الغربية، وزيادة حجم الدين الخارجي من ناحية أخرى، ما يعنى استمرار الدوران في فلك العجز بالموازنة.
ومن هنا تزداد أهمية تصريح نائب الرئيس الأمريكي الذي ربط فيه الاستمرار في تقديم المساعدات بنوعية الحكومة الجديدة؛ ففي حالة فوز تحالف قوى المعارضة بالأغلبية، فإن الشكوك سوف تزداد حول إمكانية الوفاء بتقديم تلك المساعدات من قبل الدول الغربية. كما ينسحب الأمر على إمكانية الاستمرار في شراء صكوك سداد الدين الحكومي اللبناني بالأسواق الغربية.
ورغم تصريح زعيم حزب الله السيد حسن نصر الله بأن إيران يمكنها تقديم مساعدات للبنان في حالة فوز قوى المعارضة بالأغلبية، فإن الأثر المتوقع لتنفيذ التهديد الأمريكي أكبر من مجرد المعونات الاقتصادية، فهناك معونات غربية أيضا للجيش اللبناني، كما أن المخاوف يمكن أن تمتد إلى الاستثمار الأجنبي الوارد إلى لبنان، وكذلك إلى السياحة الغربية القادمة إلى لبنان بل والى التجارة الغربية مع لبنان.
عجز مزمن للموازنة اللبنانية
ويعد عجز الموازنة المزمن من عوامل الضعف الرئيسية بالاقتصاد اللبناني والتي قد تضاعف من التأثير السلبي لأي خطوات أمريكية وغربية محتملة ردا على فوز المعارضة. فرغم تحسن (نسبة عجز الموازنة إلى الناتج المحلي الإجمالي) عما كانت عليه قبل سنوات حين بلغت 16 % عام 2002، إلا أن استمرار مشكلة خدمة الدين الداخلي والخارجي يدفع باتجاه استمرار العجز؛ فقد بلغت قيمة خدمة الدين خلال العام الماضي 3.3 مليار دولار، أي ما يمثل 51 % من إجمالي إيرادات الموازنة، كما يمثل نسبة 45 % من إجمالي نفقات الموازنة خلال نفس العام، الأمر الذي يضطر الحكومة لمزيد من الاقتراض لسداد العجز، وهو ما ينعكس بدوره على خدمة الدين في موازنات السنوات القادمة.
وقد بلغت قيمة الدين العام 48 مليار دولار وهو ما يعادل 166 % من الناتج المحلى الإجمالي، وهو رقم مرشح للزيادة بنهاية العام الحالي، وكانت الديون بالعملات الأجنبية قد بلغت 21.1 مليار دولار العام الماضي.
ونتيجة لمطالبة صندوق النقد الدولي لبنان بخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلى، اتجهت الحكومة إلى خصخصة شركات الهاتف الجوال، غير أن ظروف السوق الحالية ليست ملائمة للحصول على الأسعار الأفضل، ما يعنى الاعتماد على الديون لسداد العجز بالموازنة لبعض الوقت.
مؤشرات إيجابية
ورغم العجز الذي تعاني منه الموازنة، فإن هناك العديد من المؤشرات إيجابية، من أهمها:
- زيادة معدل نمو الناتج المحلى اللبناني من 7.5 % عام 2007 إلى 8.5 % في عام 2008، وذلك رغم تداعيات الأزمة العالمية.
- نمو أصول البنوك اللبنانية وودائعها حتى بلغت الودائع بالبنوك التجارية اللبنانية حوالي 79 مليار دولار بنهاية فبراير الماضي.
- زيادة الاحتياطيات من العملات الأجنبية حتى بلغت 23 مليار دولار وهو رقم غير مسبوق.
- استقرار سعر صرف العملة اللبنانية، حيث لم يتغير متوسط السعر خلال العام الماضي مما أدى لتراجع معدل "الدولرة".
- تراجع معدل التضخم إلى 2 % في أبريل الماضي بعد أن اقترب من نسبة 11 % العام الماضي.
غير أن طبيعة الاقتصاد الخدمية واعتماده على الموارد الخارجية المتمثلة في السياحة والتحويلات والمساعدات والاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر إلى جانب الصادرات السلعية، جعلته عرضة للتأثر السلبي بتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية خلال العام الحالي؛ مما دفع صندوق النقد الدولي للتنبؤ بتراجع معدل نمو الناتج إلى 3 % خلال العام الحالي، وتحسنه قليلا إلى 4 % بحلول العام القادم.
ويشير التوزيع النسبي لموارد ميزان المدفوعات اللبناني عام 2007 البالغة حوالي 33 مليار دولار، إلى استحواذ الصادرات الخدمية على نسبة 38 % من الإجمالي تليها التحويلات الخاصة والرسمية بنسبة 16 %. وفى المركز الثالث الصادرات السلعية بنسبة 12% والاستثمار الأجنبي المباشر 9% والدخل المحصل كفوائد 8 % والاستثمار الأجنبي ببورصة بيروت 5 %.
وتشكل السياحة موردا هاما، حيث بلغ عدد السياح الداخلين للبنان العام الماضي حوالي 6.6 مليون سائح، أي أكثر من عدد السكان البالغ 4 مليون شخص، وتضمن التوزيع النسبي للسياح استحواذ العرب بما فيهم اللبنانيين المقيمين بالخارج على نسبة 88 % من إجمالي عدد السياح، يليهم الأوربيون بنسبة 5 % والآسيويون أقل من 3 % ونفس النسبة للقادمين من دول الأمريكتين.
تنوع مصادر قوة الاقتصاد
وتساهم الصادرات السلعية اللبنانية بقدر من الموارد إلا أن قيمتها تقل عن الواردات السلعية، مما أدى لمأزق العجز المزمن في الميزان التجاري اللبناني. وخلال الربع الأول من العام الحالي بلغت قيمة العجز التجاري 2.2 دولار مليار في ضوء تراجع أسعار البترول والسلع الأخرى، بعد أن اقترب العجز من 13 مليار دولار العام الماضي في ضوء ارتفاع أسعار النفط الذي تستورد كامل استهلاكها منه.
وتشير خريطة اتجاه الصادرات اللبنانية خلال الربع الأخير من العام الماضي إلى أن الدول الرئيسية المستوردة من لبنان، تتمثل في: الإمارات العربية المتحدة، العراق، السعودية، إيران، الكويت، وقطر، ونيجيريا. وكلها دول بترولية تأثرت بانخفاض أسعار البترول، بالإضافة إلى خفض كميات تصديره لدى أعضاء أوبك منها.
كما يتوقع تراجع التحويلات التي ترد إلى لبنان سواء من دول الخليج العربي أو من اللبنانيين في الدول الأوربية أو الأمريكية في ظل تراجع معدلات النمو بها وتحول معظمها إلى الانكماش خلال العام الحالي مما يقلل من تحويلات اللبنانيين المقيمين بها.
ويتضح، من كل ما سبق، تنوع مصادر قوة الاقتصاد اللبناني من السياحة والتحويلات والصادرات والاستثمارات. ولهذا ورغم تداعيات الأزمة المالية، فقد حقق الميزان الكلي للمدفوعات فائضا بلغ 1.2 مليار دولار خلال الثلث الأول من العام الحالي. ولهذا فإننا لا نتوقع أن تكون الصورة قاتمة بشكل كبير في حال فوز المعارضة بالأغلبية، لأنه في تلك الحالة سيتم تبادل الأدوار مابين الأغلبية الحالية والمعارضة الحالية.
توقع استمرار المساعدات للجيش
إذا كانت إيران وسوريا قد ساعدتا حلفاءهما من المعارضة الحالية خاصة في عمليات إعمار الجنوب بعد حرب يوليو 2006، فإن الدول الغربية لن تترك حلفاءها بدون مساعدة وسوف تقف بجوارهم لتقوية مواقفهم، خاصة وأن مساعدات إيران مرشحة للزيادة في حالة فوز حلفاءها بالأغلبية. ولأن المساعدات الغربية للجيش اللبناني كانت تهدف إلى منع تهريب السلاح إلى حزب الله عبر الحدود السورية، والحيلولة دون شن الهجمات ضد إسرائيل عبر الحدود اللبنانية، فإن هذا الهدف سيظل مطلوبا، وهو ما يحفز الدول الغربية على عدم إيقاف مساعداتها للجيش اللبناني.
وفيما يخص توقع عدم إمكانية تسويق السندات اللبنانية التي تهدف لسد عجز الموازنة بدول أوروبا في حالة فوز المعارضة، فإن جانبا كبيرا من نجاح ذلك التسويق يعود إلى ارتفاع نسبة الفائدة على تلك السندات بشكل يفوق كثيرا معدلات الفائدة السائدة بالدول الأوربية، ومن هنا لا يتوقع أن يتوقف ذلك الشراء، وهو نفس المبرر لعدم توقع انسحاب ودائع الأجانب من البنوك اللبنانية في حالة فوز المعارضة، وذلك بسبب فائدتها المرتفعة مقارنة بالدول العربية والأجنبية، إلى جانب حرص كافة الفصائل اللبنانية على قوة الجهاز المصرفي وإبعاده عن التأثر بأية نزاعات سياسية داخلية.
ويعزز ذلك اتفاق كافة الفصائل على الرئيس اللبناني الذي يرعى إبعاد الجهاز المصرفي عن التأثر بأية نزاعات سياسية ويجعل الاتصال بينه وبين حاكم مصرف لبنان، محافظ البنك المركزي، مباشرا. فالجهاز المصرفي يعد من عوامل القوة بالاقتصاد اللبناني، حيث يمثل العمود الفقري للاقتصاد من خلال تمويله للقطاعين العام والخاص، بل وتقديم فوائد مدعمة لقطاعات اقتصادية مختلفة، إلى جانب مساعدة الحكومة في سد العجز في موازنتها وسداد ديونها من خلال الاكتتاب بسندات الخزينة وسندات اليوروبوند.
تأثر التجارة غير متوقع
وفيما يخص توقع تأثر الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فإن تدفق الاستثمارات الإيرانية لن يجعل الغرب وحلفائهم من العرب يتركون الساحة، فسوف يستمر جانب من تدفق الاستثمارات، خاصة في القطاع السياحي والعقاري الذي يحقق أرباحا جيدة.
وبالنسبة للسياحة فإن السياح الغربيين لم يشكلوا الأغلبية؛ فسياح أوروبا يشكلون 5 % من إجمالي عدد السياح ويمثل سياح الأمريكتين حوالي 3 %. وما زال اللبنانيون المقيمون بالخارج والسوريون يشكلون الأغلبية، وهؤلاء سيستمرون في الحضور حتى لو جاءت حكومة مختلفة، ولن يكون حصول المعارضة على الأغلبية أكثر تأثيرا من أحداث عديدة مر بها لبنان، مثل الحرب الأهلية أو الحرب مع إسرائيل، حيث عادت بعدها السياحة إلى قوتها.
وبالنسبة للصادرات اللبنانية فإنها تتجه في غالبها إلى دول عربية وكذلك إلى دول لن يضيرها تغير شكل الحكومة اللبنانية، أما الواردات والتي يأتي معظمها من أوروبا، فإنه ليس من مصلحة الدول الأوروبية استخدام سلاح الواردات خاصة مع وجود أسواق بديلة، في بلد لديه احتياطيا من العملات الأجنبية يغطى قيمة وارداتها السلعية لما يقرب من العامين.
تراجع التمويل الخارجي مؤقت
من جانب آخر، كان إجمالي المعونة الإنمائية الثنائية التي حصلت عليها لبنان عام 2007 قد بلغ 600 مليون دولار، 211 مليون دولار من الاتحاد الأوروبي، وتساهم الولايات المتحدة بنحو 91 مليون، وفرنسا 74 مليون دولار، وألمانيا 29 مليون دولار والنرويج 28 مليون دولار، وكندا 16 مليون دولار، ليصل صافي معونات التنمية الرسمية 707 مليون دولار. وهو ما يشير إلى أن حجم المعونات الغربية في الفترة السابقة لم يكن كبيرا، مقارنة بالمقررات الصادرة عن مؤتمر باريس (3). ومع ذلك استطاع الاقتصاد تحقيق معدلات نمو جيده بلغت 7.5 % عام 2007.
وإذا كان التمويل الخارجي للبنان قد انخفضت قيمته من 6 مليار دولار عام 2006 إلى 3 مليار و203 مليون عام 2008، فإن ذلك يرجع إلى تداعيات الأزمة المالية وليس إلى الثقة بالاقتصاد اللبناني، حيث عم ذلك التراجع العديد من البلدان. كما تسبب اقتصار حصة غير اللبنانيين بالسوق العقاري اللبناني على نسبة 10 % فقط في حماية سوق العقار من بيع هؤلاء عقاراتهم بأسعار متدنية تؤثر على الأسعار. كما أن ارتفاع تكاليف اليد العاملة في مجال البناء قد عوض انخفاض أسعار مواد البناء مما أبقى أسعار العقار على حالها، إلى جانب عامل أساسي تمثل في كون الطلب على الشقق السكنية هو لتلبية الحاجة للسكن في معظمه، مما جعل الطلب العقاري من أجل المضاربة محدودا، وهو ما ساعد على استقرار السوق العقاري، الأمر الذي يمكن أن يجذب أي استثمارات جديدة لذلك القطاع.
ومن هنا فإن عناصر قوة داخلية كامنة بالاقتصاد اللبناني ستمكنه من الصمود لبعض الوقت في حالة تراجع الإعانات الغربية، وفى ظل إدارة أمريكية جديدة تسعى لفتح حوار مع إيران وسوريا، وكذلك غضها الطرف لحوار دول أوروبية مع حزب الله، وهو ما يشير إلى أن رد الفعل لفوز المعارضة بالأغلبية لن يكون حادا لوقت طويل؛ فمن مصلحة الدول الغربية البقاء في لبنان على الأقل لتحقيق أغراضها والحد من تزايد النفوذ الإيراني والسوري ولحماية إسرائيل، ولهذا من المتوقع أن يتعامل الغرب خلال أشهر قليلة مع الأمر الواقع في لبنان مهما كانت درجة الاختلاف معه، خاصة وأن الدول الغربية ليست على وتيرة واحده في درجة تشددها في التعامل مع حزب الله، بما يعني أن المصالح وحدها خلال الأجل المتوسط ستكون سيدة الموقف.
رئيس القسم الاقتصادي بصحيفة الأهرام المصرية.
|