English

 

الخميس. يونيو. 4, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » لبنان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

ما بعد السابع من يونيو اللبناني!

فتحي محمود

Image
الحريري ونصر الله
تشير كافة استطلاعات الرأي إلى عدم توقع حصول كل من التحالفين الرئيسيين المتنافسين في الانتخابات البرلمانية اللبنانية على أغلبية كبيرة من مقاعد البرلمان الجديد، وغالبا لن تزيد حصة التحالف الفائز عن 66 أو 67 مقعدا من بين 128 مقعدا، أي بنسبة تتراوح بين 51 إلى 53 في المائة فقط، وهى توقعات صحيحة خاصة إذا علمنا أن هناك نحو مائة مرشح في الدوائر المغلقة على مذهب واحد معين يعلم الجميع أن نجاحهم مضمون، وأن التنافس الحقيقي يدور حول المقاعد المتبقية خاصة في الدوائر المسيحية والمختلطة.

هذه المحصلة تعني أن التحالف الفائز سواء كان الأكثرية الحالية (تيار المستقبل، والحزب الاشتراكي الديمقراطي، وحزب الكتائب، والقوات اللبنانية) أو المعارضة الحالية (حزب الله، وحركة أمل، والتيار الوطني الحر) لن يستطيع بمفرده تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، وستبدأ أزمة جديدة في لبنان حول تركيبة هذه الحكومة والسياسات التي ستعتمدها وتفاعلها مع بعض الأطراف الإقليمية والدولية المهمة. ويعتقد الكثيرين أن اللاعب الرئيسي في هذه المرحلة سيكون الرئيس ميشال سليمان الذي سيقع عليه عبء إدارة هذه الأزمة داخليا وخارجيا.

وأياً تكن نتائج الانتخابات، فإن مرحلة ما بعد 7 يونيو ستكون مختلفة عما قبلها. وستبدأ مرحلة سياسية جديدة؛ فإذا فازت المعارضة الحالية، فإن "الأقلية" الجديدة ستتركها تحكم وستكون في موقع المعارضة "كما تقضي الأصول الديمقراطية في كل بلدان العالم التي تعتمد النظام الديمقراطي البرلماني" وفق ركن بارز في الأكثرية النيابية.

وإذا فازت الأكثرية الحالية ثانية، فإن معظم أركانها سبق أن أعلنوا فشل تجربة ما سمي "الثلث الضامن" أو "المعطل" في مجلس الوزراء.. إذاً سيحاول هؤلاء تشكيل حكومة متجانسة ومن دون هذا الثلث، في حين أن المعارضة الحالية تتمسك به لها أو لغيرها "تأميناً للمشاركة وعدم الاستئثار بالقرار" وفق أركانها وأنصارهم.

وهناك من اقترح تكرارا إعطاء رئيس الجمهورية الثلث الضامن تجنباً لأزمة. وهذا الواقع يجعل التخوف من "عقدة" ما بعد الانتخابات مشروعاً.

وسط هذه الأجواء، برز اقتراح قديم عاد إلى التداول في بعض المجالس السياسية، ويقضي بتشكيل حكومة "تكنوقراط" ومن خارج التحالفات السياسية والحزبية، مستندا إلى تجارب سابقة وناجحة، أولاها كانت حكومة مطلع عهد الرئيس الراحل إلياس سركيس برئاسة سليم الحص، أواخر عام 1976، وآخرها في عهد الرئيس إميل لحود وترأسها نجيب ميقاتي عام 2005، وهناك تجربة مشابهة مطلع السبعينات، هي الحكومة الأولى في عهد الرئيس الراحل سليمان فرنجية برئاسة صائب سلام، عام 1970.

اختصاصات الحكومة

تمثل الحكومة في لبنان ائتلافاً أو تجمعاً أو لقاءً نيابياً متنوعاً، ذا طابع طائفي ـ إقطاعي ـ مالي وعائلي، وغير موحد من حيث الأفكار السياسية. وهي بالتالي تفتقر في تكوينها وعملها إلى الوحدة والتضامن والتجانس بين الوزراء. علماً بأن هذه الخصائص هي التي تتميز بها معظم الحكومات في الأنظمة البرلمانية.

وبالرغم من أن الدستور أناط السلطة التنفيذية بمجلس الوزراء مجتمعاً، إلا انه يتبين من خلال الممارسة، أن هذه السلطة يتولاها رئيس الحكومة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، وفي حال عدم الاتفاق، فإنه يتولاها وحده بمعاونة الوزراء.

كما أن الطوائف الثلاث الكبرى، تتمثل في تشكيل الحكومة بعدد من الوزراء متساوٍ في ما بينها، وهذا ما يعرف بقاعدة (المثالثة ضمن المناصفة)، وأن ما يسمى بـ "الوزارات السيادية" محصورة في الطوائف الأربع الكبرى فقط (السنة، والشيعة، والموارنة، والدروز).

إن مسألة الثلثين الواجب توافرها لاتخاذ بعض القرارات الأساسية والمهمة ليست غريبة، حتى عن الدستور اللبناني الصادر عام 1926، فانتخاب رئيس الجمهورية أو الموافقة على تعديل الدستور، يتطلب غالبية الثلثين من أعضاء مجلس النواب وذلك طبقاً للمواد 49 ـ 77 و 79، وقصد المشرع باشتراط غالبية الثلثين تأمين التوافق وتحقيق المشاركة في بعض القرارات المهمة.

وفي عام 1990، عاد المشرع الدستوري وكرس هذه المسألة، في النصاب المطلوب لانعقاد مجلس الوزراء، وفي القرارات المتعلقة بالمواضيع الأساسية وهي بحسب المادة 65، أربعة عشر موضوعاً تتعلق حصرياً بتعديل الدستور ـ إعلان حال الطوارئ ـ الموازنة العامة وتعيين موظفي الفئة الأولى وما يعادلها إلخ..، والقرار هنا يستوجب موافقة الموالاة والمعارضة معاً، وفي حال عدم التوافق، فإنه يتعذر اتخاذ أي قرار بشأنها.

وقد قصد المشرع الدستوري في لبنان، من خلال نقل السلطة الإجرائية، من يد رئيس الجمهورية، إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، تأمين مشاركة مختلف التيارات النيابية والسياسية والطائفية الرئيسية، في القرار السياسي. لكن المشكلة الجديدة التي قد تظهر عند تشكيل الحكومة اللبنانية بعد الانتخابات قد تتجاوز موضوع الثلث الضامن أو المعطل إلى اشتراط بعض القوى السياسية أن يتم تمثيلها في الحكومة وفق عدد المقاعد التي حصلت عليها في البرلمان، وهى أزمة قد تستمر عدة أشهر قبل التوصل إلى حل لها.

موقف الرئيس

في ظل الخلاف الحاد بين التيارين الأساسيين في لبنان يتوقع بروز دور أساسي للرئيس ميشال سليمان الذي مر أكثر من العام بقليل على توليه رئاسة الجمهورية اللبنانية وفقا لاتفاق الدوحة، ورغم نجاحه في إدارة الأزمة وتأمين إجراء الانتخابات في موعدها ورعاية الحوار الوطني، إلا أنه تعرض مؤخرا إلى هجوم حاد من جانب زعيم التيار الوطني الحر العماد ميشال عون وحلفائه، اعتبره البعض نتيجة لفشل عون في الوصول إلى كرسي الرئاسة ودعم سليمان غير المباشر لبعض المرشحين الموارنة في مواجهة مرشحي عون في بعض المناطق المسيحية.

ويعتبر المراقبون أن الخطاب الذي ألقاه الرئيس ميشال سليمان منذ أيام في الذكرى الأولى لتسلمه الرئاسة تضمن مواقف مبدئية تشكل مخرجاً سياسياً من الأزمة المتوقعة بعد الانتخابات النيابية؛ فقد حدد سليمان "معنى" الرئيس التوافقي بأن دور الرئيس التوافقي "التوفيقي" ليس إدارة التوازنات "بل بلورة الحلول المتوازنة وفرض التوازنات". وشدد على أن هذا الدور يقتضي "تمكين الرئيس من الفصل في أي خلاف وبتّه".

وهذه الدعوة إلى تمكين رئيس الجمهورية من فرض التوازنات ومن بلورة الحلول، إنما تعني قيام "حكومة ميثاقية ضامنة"، وهو دورٌ مرجح للرئيس بغية تمكينه من "فرض التوازنات".. التوازنات المتعلقة بـ"الحلول".. و"الحلول" المتعلقة بملفات. أي أن ما يطلبه الرئيس ليس "فرض" توازن سياسي وطني ـ لا يتشكل إلا ديمقراطياً ـ بل فرض توازن الحل في هذا الملف أو ذاك تباعاً وفي إطار توفيقي.

وفد سارعت الأكثرية (قوى 14 آذار) إلى الترحيب بما طرحه الرئيس سليمان لأن "الترجيح" لرئيس الجمهورية ورد في مبادرة أطلقها رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري في إحدى مراحل الأزمة في عام 2008، كما ورد في المبادرة العربية لحل الأزمة اللبنانية قبل اتفاق الدوحة.
 
أما فريق المعارضة (8 آذار) فقد تجاهل الخطاب وواصل عون انتقاداته لسليمان، مؤكداً فوز المعارضة في الانتخابات لتشكيل الجمهورية الثالثة بلبنان؛ مما يشير إلى أن علاقة المعارضة الحالية بالرئيس سليمان قد تتوتر أكثر بعد الانتخابات خاصة إذا فازت بالأغلبية.
 
ويشير البعض إلى أن الهجوم الذي تعرّض له الرئيس طابعه انتخابي بحت، فالمنطق والموقع الوسطي والمستقل الذي يمثله سليمان والذي أوصله إلى سدة الرئاسة هو نفسه ما عرّضه للهجمات الانتخابية التي اتخذت أحيانا منحى شخصياً؛ ففريق من المستقلين خارج التحالفات السياسية الحالية قد يزعج البعض لما قد يشكله من خطر انتخابي عليهم، كما أن الرئيس ولكي يكون الحكم ويمتلك الكلمة الفصل في الأمور الخلافية الكبرى، يجب أن يكون محاطا بقوة وزارية ونيابية.

ومن أهم السيناريوهات المتوقعة بعد الانتخابات ظهور تحالف جديد يقوده الرئيس اللبناني بنفسه ويضم رئيس حركة أمل (نبيه بري) الذي من المتوقع أن يبقى في موقعه كرئيس لمجلس النواب، بالإضافة إلى وليد جنبلاط الزعيم السياسي الدرزي الذي يتحالف حالياً مع تيار الحريري، إضافة إلى الزعيم المسيحي المستقل ميشال المر، مع التنسيق مع تيار المستقبل الذي يمثل الطائفة السنية.

ولعل هذا ما قد يفسر الحملة الشرسة التي يقودها زعيم التيار الوطني الحر ميشال عون ضد الرئيس اللبناني، فالجنرال عون يسعى لإضعاف الرئيس سليمان تمهيدا لمحاولة تقليص مدة الرئاسة حتى يتمكن عون من ترشيح نفسه رئيسا للبنان، وهو الحلم الذي يتحكم في جميع تصرفاته، بالإضافة إلى أن التحالفات الجديدة المتوقعة للرئيس سليمان تعني عدم وجود أي دور رئيسي للجنرال عون في مرحلة ما بعد الانتخابات.

ويقف عدد كبير من المسيحيين في لبنان الآن مع فكرة أن يكون هناك دور أكبر لرئيس الجمهورية في الحياة السياسية، مستشهدين بأن ذلك كان يتم طوال سنوات طويلة، فقد شكلت التقسيمات الانتخابية جوهر الصراع السياسي في لبنان، إذ عمد الرؤساء بشارة الخوري، وكميل شمعون، وفؤاد شهاب إلى تعديل قوانين الانتخاب وفقاً لمصالحهم، رغم أن شهاب حاول أن يقدم قانوناً عصرياً في حينه يلائم الفئات الطائفية، وحفلت العهود المتتالية بترشيح أقرباء الرؤساء أو حتى أبنائهم كما حصل مع فوز سليم بشارة الخوري في انتخابات عام 1947، والراحل طوني سليمان فرنجية عام 1972، وترشيح روي إلياس الهراوي عام 1996، وفوز إميل اميل لحود عام 2000.

وبالتالي، فالسوابق التاريخية ترجح أن من حق الرئيس الحالي أن تكون له كتلة نيابية كبيرة عبر تحالفات مع ممثلين لكافة الطوائف والأطياف، وأن تكون له أيضا حصة ملائمة في أي حكومة.

أبعاد إقليمية ودولية

لا تؤثر نتائج الانتخابات اللبنانية على الواقع المحلي فقط وإنما لها كذلك تداعياتها الإقليمية والدولية، وستحدد موقع لبنان في سياق الصراع المقبل في المنطقة، سواء اتجهت الأمور نحو فتح آفاق جديدة لتسوية المناطق الساخنة وبالأخص الصراع العربي- الإسرائيلي وأزمة إيران مع الغرب، أو بقيت الأمور تراوح مكانها بما هو قائم اليوم وربما ذهابها لاحقا إلى حروب في بعض المواقع.

ففوز المعارضة الحالية يعني تعزيز دور ما يسمى المحور السوري الإيراني واتجاهه نحو التشدد في الملفات الأخرى المفتوحة مع الإدارة الأمريكية، وخاصة في ظل البطء في سياسة الانفتاح والحوار للإدارة الأمريكية الجديدة تجاه كل من الدولتين (سوريا وايران)، حتى من الجانب الأكثر اعتدالاً داخل هذه الإدارة والذي يمثله الرئيس باراك أوباما وبعض المحيطين به، ومع وجود رؤية شبه موحدة داخل الإدارة الأمريكية من مسألة الحوار مع سوريا، حيث تريد هذه الإدارة بكل تياراتها اقتصار هذا الحوار على الموضوع الأمني في العراق دون القضايا الأخرى في وقت يصرّ الجانب السوري على أن يكون الحوار شاملاً من قضايا العراق إلى الملفات الإقليمية الأخرى بدءاً من القضية الفلسطينية. ولذلك يدور الحوار حتى الآن في حلقة مفرغة، وتعتقد مصادر دبلوماسية غربية أن إدارة الرئيس أوباما ترهن توسيع إطار الحوار مع سوريا بنتائج الانتخابات في لبنان.

ورغم ذلك فمن الصعوبة بمكان إحداث تغييرات كبرى في المشهد اللبناني مهما تكن نتائج الانتخابات، بل إن الوضع الداخلي سيبقى تحت هاجس الصراع بين تيارين كبيرين يمثل كل منهما اليوم فريقا المعارضة والموالاة، وهو ما ينعكس أيضا على الصعيد الإقليمي؛ حيث المنطقة ستكون في الأشهر المقبلة أمام مرحلة ضبابية، لا تتضمن أي تبدلات كبرى في وقت قريب، وسيستغل الموقع اللبناني في الحروب الإعلامية فقط، والتي قد تسيطر على الوضع الإقليمي كبديل عن الحروب العسكرية التي تحاول جميع الأطراف الهروب منها.


نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام، ومدير مكتب الأهرام السابق في لبنان.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات