|
| أوباما البرجماتي.. هل يروض نتنياهو؟ |
(أوباما قادم.. أوباما سيزور مصر والسعودية ويقدم فروض الولاء والطاعة للمسلمين والعالم الإسلامي من قلب القاهرة.. أوباما صديق العرب ومروض نتنياهو الشرس...)
قد تبدو هذه هي الصورة التي يروجها كثيرون عن زيارة الرئيس الأمريكي لمصر حيث سيلقي من هناك أول خطاب من نوعه موجه للعالم الإسلامي ينفي فيه رسميا نظرية صراع الحضارات التي روجها بعض المفكرين الأمريكيين ويؤكد علي التكامل والتعاون المشترك!
ولكن ما لا يدركه كثيرون هو أن الخطاب السياسي الأمريكي والفكر الغربي عموما يقوم على الفكر البرجماتي النفعي المصلحي، وما يفعله أوباما هو أنه يصحح المسيرة الأمريكية نحو هذا الأسلوب البرجماتي بعدما عصف أسلافه – خصوصا بوش وفريق المحافظين الجدد عموما منذ الرئيس الأسبق رونالد ريجان – بهذا الأسلوب الذي يستهدف مصلحة أمريكا قبل أي شيء، وتوجها نحو عداءات دينية من منطلقات إنجيلية متطرفة تجاه المسلمين والاسلام عموما، مما أفقدهم الكثير من المصالح في المنطقة العربية وجلب لهم العداء!
البرجماتية كما هو معروف، فلسفة عملية انبثقت من الروح المادية للقرن العشرين وهي أمريكية النشأة، رأسمالية الاتجاه، وكلمة البرجماتية في أصلها اللغوي مشتقة من كلمة يونانية تعني العمل النافع، ولذلك أطلق عليها: "المذهب العملي" أو "المذهب النفعي"، ومؤسسها "تشارلز بيرس" الذي كان أول من ابتكر كلمة البرجماتية في الفلسفة المعاصرة.
أما الفكر البرجماتي الأمريكي والغربي عموما فيقوم على فكرة البحث عن المصالح الأمريكية التي لا تأتي بدورها بدون البحث عن القواسم المشتركة مع الآخرين، والتي يمكن البناء عليها لإقامة تعاون يخدم هذه المصالح ويحميها. وهذا الفكر ظل متبعا في الفكر السياسي الأمريكي عبر رؤساء أمريكا المختلفين حتى أنه عندما وجدت الولايات المتحدة عام 1956 أنه ليس من صالحها مساندة العدوان الثلاثي على مصر الناصرية لأن مصالحها مع مصر تتطلب أن تتواجد هناك في المنطقة محل الإمبراطورية البريطانية التي بدأت تأفل، لم تتردد واشنطن وقتها في مساندة إنذار روسي لقوات الاحتلال البريطاني والفرنسي والإسرائيلي في الانسحاب من مصر ومن سيناء.
والعكس ظهر عندما ابتعدت واشنطن عن هذا الفكر خلال مرحلة تولي المحافظين المسيحيين المتطرفين الجدد في عهود بوش ومن قبله ريجان، حيث أصبح المعيار هنا هو مصالح الدولة الصهيونية لا مصالح أمريكا - بفعل الفكر التوراتي المؤثر على الممسكين بزمام البيت الأبيض – فظهرت في هذه الحالة السياسات الأمريكية المعادية للعرب والمسلمين، ومنها "وعد بوش" أو وعد بوشفور" الذي أعطاه الرئيس الأمريكي السابق – على غرار وعد بلفور – لليهود بإقامة دولة يهودية خالصة لإسرائيل واعتبار القدس عاصمتها.
أوباما يعود لفكر أمريكي قديم
على قاعدة هذا الفكر البرجماتي، بدأ أوباما وإدارته الجديدة يعود لهذا الفكر الأمريكي القديم في تعامله مع العرب والمسلمين خصوصا بعدما ظهرت الآثار الكارثية للسياسة الأمريكية المنحازة للمصالح الصهيونية حتى لو أضرت المصالح الأمريكية، بعد هجمات 11 سبتمبر والعداء المتزايد في العالم لأمريكا وانهيار أمنها الداخلي ثم تأثرها بشدة بالأزمة الاقتصادية العالمية، ما يتطلب إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية بلغة المصالح.
قد يعني هذا التقرب من الشعوب العربية والإسلامية ومحاولة التصالح معها، وهذه هي فلسفة وهدف خطاب أوباما للعالم الإسلامي من مصر، والتي سبقتها التفاتات شهيرة مثل انحناء أوباما للملك السعودي عبد الله بما يظهر الاحترام للعالم الإسلامي الذي تمثل السعودية وجهته في رعايتها للحرمين الشريفين.. وقد يعني محاولة مد اليد الأمريكية بجزرة ووردة للعالم الإسلامي في صورة مبادرة أمريكية جديدة للسلام لا يزال أوباما يبلورها ويقال إنه قد يفصح عن ملامحها في القاهرة.
بيد أن ما يجب أن نحترس منه هو هذه البرجماتية في حد ذاتها التي لا تعني رفع الظلم عنا بقدر ما تعني أنصاف الحلول(!).. أن ندرك ونتفهم معانيها ونفكر مع الأمريكيين في مصالحهم ومصالحنا بقدر الإمكان، ولا نفرح كثيرا بأن هدفهم هو مصالحنا أو أنهم حضروا إلينا في قلب العالم الإسلامي من أجل سواد عيوننا!.. أن ندرك أن أوباما تعلم الدرس الأمريكي القاسي بسبب غزوات سلفه بوش ذات النزعة الدينية التوراتية وإصباغ السياسية بالأيديولوجية الدينية المتطرفة، فلم يجد بالمقابل سوى تطرف مقابل من قبل مسلمين أو روس أو حتى أمريكيين لاتينيين؛ فبدا في العدول عن أساليب الأيديولوجية الدينية الأمريكية المتطرفة والعودة إلى لغة النفعية والبرجماتية وإعادة تشييد علاقات مع العرب والمسلمين ومع اللاتينيين وغيرهم سعيا وراء تثبيت مصالح بلاده.
اختيار العاصمة المصرية (القاهرة) نفسها من بين 50 دولة ذات أغلبية مسلمة منها 22 دولة عربية، هو اختيار برجماتي بحت وإلا لاختار أوباما تركيا مثلا أو السعودية باعتبارها مقر أبرز رمز إسلامي، بدليل أنهم عندما بحثوا عن الرمز واختاروا الأزهر عادوا عن الاختيار واختاروا جامعة القاهرة – لأسباب أمنية مصلحية بحتة- كي يلقي أوباما خطابه منها.
لا يمكن بالتالي استبعاد عامل النفع السياسي من اختيار القاهرة لتكون المنبر لمخاطبة أوباما معتنقي ثاني الأديان السماوية انتشارًا على مستوى العالم بعد الكاثوليكية، فهناك علاقات أمريكية - مصرية تمتد لأكثر من 30 عامًا، كما أن مصر هي حجر الزاوية للوصول إلى سلام شامل بين إسرائيل وجيرانها، إضافة لكونها مركز جامعة الأزهر المعهد الإسلامي الأعرق منذ القرن العاشر الذي تخرج فيه الآلاف من العلماء المسلمين وذي التأثير الساحر على مسلمي العالم في الشرق والغرب.
استمع مثلا لما قاله المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت جيبس وهو يتحدث في بيان رسمي عن غرض الزيارة وهو يقول: "سيلخص (أوباما) التزامه الشخصى بالحوار، بناء على المصالح المتبادلة، والاحترام المتبادل، وسيناقش كيف تستطيع الولايات المتحدة والمجتمعات الإسلامية حول العالم كسر بعض الاختلافات التى فرقت بينهم".. لغة (المصالح) واضحة وضوح الشمس في البيان!.
تسوية برجماتية
هذه المقدمة الطويلة استهدفت بها في النهاية أن أحذر من التفاؤل الكبير بما سيطرحه أوباما علينا نحن العرب من خطط للسلام مع صقور الدولة الصهيونية، بصرف النظر عن أنه رئيس معتدل يختلف عن سابقيه ويتميز بالبساطة وعدم التكلف، فما هو مطروح – وفقا لما تسرب عبر صحف ودوريات وتصريحات أمريكية – يستهدف به الأمريكيون الوصول إلى "تسوية برجماتية" لا ترضي كل مطالب العرب ولا تقبل كل ما يطرحه الصهاينة، ولكنها في نهاية الأمر لن تأتي للعرب وللفلسطينيين بكل ما يشتهون من عدالة وتسوية عادلة.
ما سيطرحه أوباما على العرب – في مبادرته التي لا يزال يبلورها وتسربت بعض ملامحها وقد يدشنها في خطابه المتوقع من القاهرة - هو التطبيع التدريجي مع حكومة الصقور في إسرائيل مقابل وقف الاستيطان وبدء مفاوضات تسوية لتدشين دولة فلسطينية مستقلة على الأرض مع ترحيل القضايا الكبرى كالقدس وعودة اللاجئين والتعويضات..
وما سيطرحه أوباما على العرب هو ثلاثة مطالب محددة مقابل فكرة تدشين دولة فلسطينية أبرزها التطبيع، ليس فقط بين الدول التي أقامت علاقات مع تل أبيب وإنما بين كل الدول العربية وفقا لفكرة المبادرة العربية للسلام التي قدمها العرب أنفسهم، بحيث يكون هذا التطبيع من جانب الدول التي وقعت اتفاقيات سلام، إجباري وشامل، في حين سيكون "تدريجي" من جانب باقي الدول العربية ومتزامنا مع خطوات إسرائيلية مقابلة مثل وقف الاستيطان فقط!.
وفقا للتصور الأمريكي – الذي سربته صحف أمريكية – ستسعى إدارة أوباما لحل المشكلات في صفقة واحدة تضمن أمن الدولة الصهيوني في نهاية المطاف للأبد.. أي سلام مع الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين، وستطالب واشنطن الدول العربية أن تبدأ بالسماح بزيارة السياح الإسرائيليين لأراضيها العربية، وستكون الحجة الأمريكية لدى العرب هي تقديم حوافز لحكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية لتليين مواقفها!.
الخطة الأمريكية ستتضمن أيضا – وفق ما يتسرب للصحف الأمريكية – توطين اللاجئين الفلسطينيين في بلادهم التي يعيشون فيها مقابل صرف تعويضات لهم (من صندوق عربي!) والنظر في حالات خاصة جدا بحيث تعود لإسرائيل، أما العودة الأساسية فستكون للدولة الفلسطينية التي ستنشأ في أجزاء من الضفة وغزة.
أما الأماكن المقدسة كالأقصى وكنيسة القيامة، فالتصور الأمريكي "البرجماتي" هنا يقدم أقل مما قدم في عهد الرئيس كلينتون، حيث يقدم فكرة إشراف دولي على هذه الأماكن المقدسة بعدما كان المطروح سابقا من قبل الإسرائيليين أنفسهم هو سيطرة فلسطينية على سطح الارض وسيطرة يهودية على باطن الأرض وعلى سماء المقدسات!.
احترسوا من "برجماتية أوباما" ولا تقدموا أي تنازلات، فلم يبقى ما يتنازل عنه الفلسطينيون بعدما أصبح لهم أقل من 8% من مساحة فلسطين التاريخية يتفاوضون عليها لإقامة دولتهم ويرتع الصهاينة في 92% من أرض فلسطين المحتلة عام 1948.
هذه ليست دعوة للتشاؤم من إدارة أوباما، بقدر ما هي توعية بأن هناك ضعف أمريكي وانهيار في الإمبراطورية الأمريكية يسعى أوباما وإدارته لترميمه بدون الدخول في مشكلات جديدة.. هي محاولة ترشيد للتمنيات الشعبية العربية كي لا نصدم في أوباما وكي لا نلدغ من جحر مرتين؛ فالعرب الطيبون كثيرا ما صدقوا الوعود لأنهم لا يعرفون هذه البرجماتية النفعية وتبادل المنفعة وإنما اعتادوا على الكرم وتقديم كل شيء دون انتظار مقابل، أملا في عدالة الآخرين التي غالبا لا تأتي!!.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|