|
| أوباما.. خطاب جديد بحاجة للتطبيق |
في الرابع من يونيو الجاري، يوجه الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطابا إلى العالم الإسلامي من العاصمة المصرية القاهرة، ويأتي هذا الخطاب في سياق "حملة علاقات عامة" ضخمة يقوم بها الرئيس الأمريكي لتحسين علاقة بلاده مع العالم الإسلامي، والتي تضررت كثيرا في عهد إدارة بوش الابن.
وفي هذا الإطار، يبدو من الأهمية استعراض مواقف أوباما من القضايا الكبرى التي تهم العالم الإسلامي، والتي يمكن إجمالها في:
1- الحرب على الإرهاب
أعاد أوباما النظر في مصطلح "الحرب على الإرهاب"؛ حيث أصدر تعليمات للمسئولين في البيت الأبيض بعدم استخدام هذا المصطلح. وطبقا للكثير من المراقبين، فإن مفهوم أوباما عن الحرب ضد "الإرهاب" يختلف كثيرا عن المفهوم الذي تبناه الرئيس السابق جورج بوش الابن؛ حيث تقوم مقاربة أوباما لـ"الحرب على الإرهاب" على مجموعة من الاعتبارات أهمها حصر هذه الحرب في "أولئك الأفراد المتطرفين الذين يشنون هجمات على كل من الدول الإسلامية والغربية"، والتفرقة بين "المتطرفين" وبقية العالم الإسلامي.
ومنذ توليه الرئاسة ظهر حرص أوباما الواضح على التفرقة بين الإرهاب والإسلام (وهي التفرقة التي غابت أثناء حقبة بوش الابن)، قائلا "إن علاقة أمريكا مع العالم الإسلامي لا يمكن أن تكون ولن تكون مرتكزة على العداء للقاعدة، إننا نسعى إلى شراكة عريضة مرتكزة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل"، مضيفا: "إننا نعبر عن تقديرنا العميق للدين الإسلامي، الذي قدم الكثير على مدى قرون عديدة من أجل بناء عالم أفضل، بما في ذلك بلدي ذاته".
2- معتقل جوانتانامو
تعهد أوباما منذ اليوم الثاني لتوليه الحكم بإغلاق معتقل جوانتانامو، وذلك كجزء من جهوده لتحسين صورة الولايات المتحدة في الخارج. ورغم الانتقادات التي وجهت إليه خاصة من قبل الجمهوريين، وعلى رأسهم ديك تشيني نائب الرئيس السابق، فقد أصر أوباما على إغلاق المعتقل بحلول يناير 2010؛ لأنه "أصبح خطرا على الأمن القومي للولايات المتحدة، ووسيلة لتجنيد المعادين لها، واصفا الانتقادات التي وجهها سياسيون إلى قرار إغلاق المعتقل بأنها "تهدف إلى خلق الرعب وليس لتوعية الناس".
لكن أوباما أعلن في 15 مايو 2009 أنه سيبقي المحاكم العسكرية في معتقل جوانتانامو، ولكن في نطاق "محدود" وفي ظل توفير "حماية" قانونية للمشتبه بهم، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية تراجع من أوباما و"حنثاً" بوعده السابق بإنهاء المحاكم العسكرية التي شكلتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش. وإلى جانب ذلك أعلن أوباما أن "من يشكلون خطرا على الأمن الأمريكي مثل الذين تلقوا تدريبا مكثفا في معسكرات القاعدة على صناعة المتفجرات أو الذين تولوا مهام قيادة قوات طالبان في المعارك أو عبروا عن انتمائهم لأسامة بن لادن أو قالوا إنهم يريدون قتل أمريكيين، فإن هؤلاء الأشخاص ما زالوا في حرب ضد الولايات المتحدة، ومن ثم فإنه لن يتم إطلاق سراح أي شخص يعرض الشعب الأمريكي للخطر".
3- العراق
طرح أوباما إستراتيجية للخروج من العراق، أعلن عنها في بداية مارس 2009، تضمنت ثلاثة محاور رئيسية: محور عسكري، ومحور دبلوماسي، ومحور إقليمي.
أولا: المحور القسم العسكري، ويتضمن البنود التالية:
1- انسحاب القوات المقاتلة بنهاية شهر أغسطس من العام 2010.
2- بقاء قسم "غير قتالي" من هذه القوات، بحدود 50-35 ألف لحين موعد الانسحاب النهائي للقوات من العراق في 31 ديسمبر عام 2011 حسب الاتفاقية الأمنية المبرمة بين العراق والولايات المتحدة.
3- تعديل مهمات القوات الأمريكية، بعد إعلان نهاية العمليات في 31 أغسطس 2010 حيث ستقوم هذه القوات بالمهمات التالية.
- تقديم الدعم العسكري، غير القتالي، للحكومة العراقية وقواتها الأمنية التي ستتولى المسئولية المطلقة عن الأمن، وسوف يتضمن هذا تدريبا وتسليحا وتقديم المشورة للقوات العراقية، طالما بقيت غير طائفية.
- ضرب "الخلايا الإرهابية" في العراق.
- حماية المدنيين والعسكريين الأمريكيين الموجودين في العراق.
ثانيا: المحور الدبلوماسي، ويهدف إلى ضمان قيام عراق مسالم ومزدهر بالتأكيد على أن مستقبل العراق مسئولية أبنائه، وأن على القادة العراقيين اتخاذ القرارات المصيرية المؤدية إلى تحقيق نجاح طويل الأمد. ويتضمن هذا المحور ما يلي:
1- العمل مع الأمم المتحدة من أجل دعم الانتخابات الوطنية.
2- دعم العراقيين على تطوير إداراتهم المحلية.
3- التوسط من أجل تحقيق المصالحة الوطنية.
4- دعم المؤسسات السياسية العراقية وتعزيز قدراتها من أجل حماية وسيادة القانون، ومواجهة الفساد، وتوفير الخدمات الأساسية.
5- تقديم المساعدات الإنسانية لإعادة المهجرين العراقيين، واعتبار ذلك، من بين أمور أخرى قليلة، مؤشرا على تحقق السلام الدائم.
ثالثا: المحور الإقليمي، ويعني الانحراط الأمريكي الشامل عبر المنطقة انطلاقا من أن مستقبل العراق غير منفصل عن مستقبل الشرق الأوسط بصورة عامة، وسوف تسعى الولايات المتحدة إلى جعل العراق شريكا كاملا في الحوار الإقليمي وتشجيع جيران العراق على إقامة علاقات طبيعية وكاملة معه، وسوف يشمل هذا التحرك دول المنطقة الأخرى بما في ذلك إيران وسوريا.
4- أفغانستان وباكستان
أعلن أوباما عن إستراتيجية جديدة لأفغانستان وباكستان، يوم 27 مارس 2009، تركزت أساسا على الحرب على القاعدة وإنهائها، بعيدا عن الأهداف الفضفاضة الخيالية التي حملها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش عام 2001 في تحكيم الديمقراطية، وتحقيق الحرية والرفاهية للشعب الأفغاني.
وتقضي الإستراتيجية الجديدة بإرسال 4 آلاف جندي لمهام تدريب الجيش الأفغاني، بجانب 17 ألف جندي آخرين وافق أوباما على إرسالهم إلى أفغانستان من قبل، ليصل عدد الجنود الأمريكيين في أفغانستان إلى 60 ألف جندي.
كما تركز خطط أوباما العسكرية الجديدة على استهداف معاقل تنظيم القاعدة وملاذاته الآمنة في الشريط الحدودي بين أفغانستان وباكستان، ورفع عدد وكفاءات المؤسسات الدفاعية والأمنية الأفغانية لتصبح قادرة على تولي مهام الأمن والاستقرار، وإدارة المعارك ضد طالبان مستقبلا.
وبجانب استمرار الدعم لأفغانستان، ورفع أداء المؤسسات الحكومية، ودفع عملية الإعمار إلى الأمام، تهتم الإستراتيجية الجديدة بجعل باكستان وأفغانستان مسرحا عملياتيا واحدا، وضخ 7.5 مليارات دولار إلى إسلام آباد خلال السنوات الخمس القادمة؛ لتكون باكستان الشريك الأقوى في تحقيق أهداف الإستراتيجية في الحرب على الإرهاب والخلاص من القاعدة.
وبجانب التفاصيل الأخرى، تولي الإستراتيجية الجديدة اهتماما كبيرا للبعد الإقليمي والدولي لمشكلة الإرهاب في أفغانستان وباكستان، وتسعى لإشراك القوى الإقليمية والدولية بشكل أكثر فعالية، وهو ما بدا في خطاب أوباما "التخويفي" من خطر "القاعدة" الذي يهدد ليس فقط الولايات المتحدة بل الدول الإقليمية والعالم بأسره عدا شعبي باكستان وأفغانستان، حسب تعبيره.
5- القضية الفلسطينية
لم تعلن إدارة أوباما حتى الآن عن إستراتيجية واضحة للتعامل الصراع العربي الإسرائيلي، لكن بشكل عام يمكن القول إن أوباما يتبنى موقفا أكثر توازنا من موقف الإدارة السابقة بشأن القضية الفلسطينية، وذلك استنادا على العديد من المؤشرات من بينها: تعيين جورج ميتشل (المعروف بعدم انحيازه إلى أي من طرفي الصراع) كمبعوث للسلام في الشرق الأوسط، بجانب دعم أوباما لحل الدولتين، ومطالبته بوقف المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.
فقد شدد أوباما على أن التزامات إسرائيل بموجب خطة "خارطة الطريق" للسلام في الشرق الأوسط لعام 2003 تتضمن "إيقاف بناء المستوطنات وضمان أن توجد دولة فلسطينية لها مقومات البقاء"، قائلا إنه "سيستمر في الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لفرض تجميد كامل على بناء المستوطنات، وتأييد هدف إقامة دولة فلسطينية"، وهما أمران أعلن نتنياهو مرارا رفضه لهما.
ومن المتوقع أن يعلن أوباما عن ملامح خطته للسلام في الشرق الأوسط، في الخطاب الذي سيلقيه في القاهرة في الرابع من يونيو، لكن تجدر الإشارة إلى أن كثيرا من المحللين لا يعولون على حدوث تغير جوهري في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، نظرا لكون "أمن إسرائيل" أحد ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية بغض النظر عن نوع الإدارة الأمريكية، ونتيجة أيضا للقوة التي يتمتع بها اللوبي الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة، ونفوذه الكبير داخل الكونجرس.
6- الملف النووي الإيراني
منذ حملته الانتخابية، شدد الرئيس أوباما على اعتماده نهجا مختلفا عن النهج الذي اعتمده جورج بوش في التعامل مع طهران، فهناك تحول عن سياسات إدارة بوش الابن التي كانت أكثر اعتمادا على القوة الصلدة، والتي تمثلت في التلويح بصورة مستمرة بفرض مزيد من العقوبات والتهديد بضربة عسكرية إجهاضية للمنشآت النووية الإيرانية، والتصريحات العدائية المستمرة ضد النظام الإيراني، إلى سياسة تعلي من الحوار كآلية لحل المسألة النووية الإيرانية، في إطار المزاوجة بين القوتين الناعمة والصلدة.
وفي 30 مارس 2009، وجه أوباما نداءٍ وصف بـ "التاريخي"، مسجلا على شريط فيديو إلى الشعب والقادة الإيرانيين عرض فيه "بداية جديدة لحوار دبلوماسي يطوي صفحة النزاع المستمر بين البلدين منذ ثلاثين عاما". وأعلن أوباما مقصده من الرسالة بالقول "أود أن أتحدث بشكل مباشر مع شعب الجمهورية الإسلامية في إيران وزعمائها.. إننا نسعى إلى بداية جديدة.. حكومتي ملتزمة الآن بالدبلوماسية التي تعالج كل القضايا التي تواجهنا وبمتابعة العمل من أجل روابط بناءة"، وأضاف: "هذه العملية لن تتعزز بالتهديدات.. ونحن نسعى بدلا من ذلك إلى حوار يكون خالصا ويقوم على الاحترام المتبادل".
غير أن التشديد على الحوار مع إيران، كآلية لحل القضايا الخلافية معها، لم يمنع الرئيس باراك أوباما من التلويح بـ"العصا الأمريكية"، وتجلى ذلك في أمرين رئيسيين: الأول تعيين "دينس روس"، ذو المواقف المتشددة من البرنامج النووي الإيراني والرجل الذي يتمتع بعلاقات قوية بإسرائيل وباللوبي اليهودي داخل الولايات المتحدة، كمستشار خاص لوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون لشئون الخليج ـ بما في ذلك إيران ـ وجنوب غربي آسيا. أما الأمر الثاني فكان قيام أوباما في 12 مارس الماضي بتمديد العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران منذ عام 1995 لعام آخر، مبررا ذلك بأن الأخيرة ما زالت تشكل خطرا على الأمن القومي الأمريكي.
ويرى الكثير من المراقبين أن هناك العديد من العقبات التي تعترض طريق الحوار بين واشنطن وطهران، بعضها يتعلق بالداخل الأمريكي، وتحديدا دور اللوبي الإسرائيلي، والبعض الآخر يتعلق بالحسابات الإيرانية، وما إذا كان من الممكن أن تقبل طهران بالحوار مع واشنطن.
7- السودان
لم يتغير الموقف الأمريكي من السودان كثيرا بقدوم إدارة أمريكية جديدة، فرغم تفاؤل البعض بمقدم الرئيس باراك أوباما باعتبار جذوره الإفريقية القريبة من السودان، فإن إعلان أوباما عن تشكيلة إدارته والإفصاح عن مواقفها الخاصة بأزمة دارفور، قد أزال مثل هذا التفاؤل كثيرا.
وتعتبر سوزان رايس، التي تشغل منصب المندوب الأمريكي الدائم في الأمم المتحدة، من أكثر الشخصيات المحيطة بأوباما معارضة للنظام الحالي في السودان، فهي تدعو دائما إلى استعمال القوة ضد الخرطوم لإيقاف ما تصفه دائما في تصريحاتها بـ"الإبادة الجماعية في دارفور". كما يعتقد أنها هي التي دفعت واشنطن للوقوف إلى جانب المعارضة السودانية المسلحة التي كانت تنطلق من الأراضي الإريترية لتعمل ضد الخرطوم خلال عملها في إدارة بيل كلينتون، خاصة "قوات التحالف الوطني" بقيادة العميد عبد العزيز خالد.
أما هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية، فكثيرا ما دعت إلى "واجب الولايات الأخلاقي للعمل من أجل سلامة الملايين من المدنيين في دارفور الذين ما زالوا عرضة للهجمات". كما أنها سبق أن دعت لحظر الطيران فوق دارفور لخلق غطاء على الإقليم، ولمنع "نظام البشير" من قصف القرى هناك على غرار ما حدث مع نظام صدام حسين في العراق، بل وترى ضرورة توجيه ضربة عسكرية أمريكية ضد الحكومة السودانية إذا استدعى الأمر، وتطالب بتخويل الكونجرس الأمريكي القوات الأمريكية سلطة استخدام القوة لإنهاء "الإبادة الجماعية" هناك.
ولا يختلف موقف جوزيف بايدن، نائب الرئيس أوباما، عن المواقف السابقة، فهو يطالب بتبني سياسات أمريكية أكثر تشددا تجاه السودان، وقد دعا في عام 2007 إلى حل الأزمة السودانية اعتمادا على القوة العسكرية الأمريكية لمواجهة ومكافحة العنف في دارفور، ضمن ما سمي "إعلان بايدن تدعيم مهام القوات الأمريكية.
ويدل بتعيين الجنرال المتقاعد سكوت جريتشن، كمبعوث خاص في السودان، من وجهة نظر بعض المحللين، على أن الرئيس أوباما قد انساق وراء صقور إدارته؛ فـ"الرسالة المباشرة التي يحملها هذا التعيين تتمثل في اعتبار مسألة دارفور على قائمة أولويات الإدارة الأميركية الجديدة".
ورغم كل الاعتبارات السابقة فإنه من الواضح، حسبما يذكر محللون متخصصون في الشأن السوداني، أن إدارة أوباما الجديدة لم تعقد العزم حتى الآن على إجراءات تصعيد سريعة، ضد السودان خاصة بعد إصدار الدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية الدولية أمرا باعتقال الرئيس السوداني عمر البشير، حيث لم يتطرق أوباما إلى الأزمة إلا في تصريحات محدودة حول طرد السودان لبعض منظمات الإغاثة الغربية، بينما ترك لكل من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومندوبته في مجلس الأمن سوزان رايس التلويح بمنطقة الحظر الجوي فيما يبدو تحذيرا للحكومة السودانية، بحيث يكون قابلا للتطبيق دون الذهاب في المواجهة إلى حدها الأقصى.
باحث سياسي.
|