English

 

الخميس. مايو. 21, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الموصل.. قنبلة عراقية على وشك الانفجار

رجائي فايد

Image
أثيل عبد العزيز النجيفي محافظ نينوى
في المشهد العراقي العديد من القنابل الموقوتة, كل منها يقف عند حافة الانفجار ليدمر إن حدث المشهد بأسره, ولكن غالبا ما يتهيأ له في اللحظة الأخيرة تدخلاً من قبل عقلاء محبين للعراق؛ فينجحون في نزع فتيل الأزمة وينتهى مؤقتا خطر تلك القنبلة مؤجلاً انفجارها إلى وقت لاحق, ثم تشهد الساحة قنبلة أخرى في مكان آخر مهيأة هي الأخرى للانفجار.. وهكذا قنبلة تلو أخرى.
نذكر في هذا الصدد كركوك وخانقين وغيرها, والآن جاء الدور على الموصل أو نينوى أو الحدباء أو أم الربيعين، وكلها أسماء للمدينة والمحافظة.

أصل المشكلة في نينوى

محافظة نينوى تضم في جنباتها عددا من الأقضية الداخلة ضمن ما يطلق عليه "المناطق المتنازع عليها بين بغداد وإقليم كردستان"، والتي حددت المادة 140 من الدستور العراقي الدائم خطوات التعامل معها. ولأن كركوك هي الأهم في تلك المناطق، فقد تصور البعض أن المشكلة محصورة في كركوك وحدها, في حين أن هناك مناطق أخرى في محافظات نينوى وديالي وواسط وأربيل معنية بهذه المادة من الدستور.

منذ أيام كان محافظ نينوى (أثيل النجيفي) والذي تولى منصبه مؤخرا متوجها إلى ناحية بعشيقة، وهي إحدى النواحي في سهل الموصل، والتي تدخل ضمن تلك المناطق المتنازع عليها، وعرف الأهالي بأمر تلك الزيارة؛ فقطعوا الطريق عليه ومنعوه من الوصول إلى الناحية. في نفس الوقت تأهبت قوات البيشمركة المتواجدة في المنطقة واستعدت لاحتمال حدوث صدام مسلح خصوصا وأن المحافظ كان بصحبته قوة مسلحة كبيرة.

لم تتم الزيارة وعاد المحافظ من حيث أتى. وصدر عن رئاسة إقليم كردستان بياناً استنكر فيه هذه الزيارة واعتبرها زيارة استفزازية، وكان من الممكن أن تؤدي إلى صدام مسلح بين القوات المصاحبة له وقوات البيشمركه الكردية، وهو صدام إن حدث، فإنه لا يمكن لأحد التنبؤ بنتيجته ولا بتداعياته.

لكن ما هي أصل تلك المشكلة القائمة حاليا في تلك المحافظة؟, وإلى أي درجة تصح فيها مقولة أنها قنبلة عراقية قابلة للانفجار؟..

ترجع هذه المشكلة إلى بداية العملية السياسية في العراق ومقاطعة العرب السنة لها, ولأن محافظة الموصل تضم خليطاً من قوميات عدة (عرب، وأكراد، وتركمان، وكلدان، وآشور، وأرمن)، إضافة إلى الطائفة اليزيدية والشبك, وكل من الطرفين العربي والكردي يعتبر هاتين الطائفتين من قوميته, وبسبب مقاطعة العرب السنه للعملية السياسية، فقد سيطر الأكراد على المجلس المحلي بالمدينة والمحافظة، كما حصدوا كافة المناصب بدءا من منصب المحافظ ونائبه وصولا إلى منصب قائمقام كل قضاء.

وبالتأكيد فإن هذا الوضع لم يكن موضع رضا عرب المحافظة، لكن لم يكن أمامهم في ذلك الوقت من سبيل سوى الامتثال للأمر الواقع، وفي نفس الوقت معارضته سواء كان ذلك من خلال المعارضة السلمية السياسية أو المعارضة المسلحة.

ومع سير العملية السياسية وتحول موقف العرب السنة من تلك العملية من المقاطعة الواسعة إلى المشاركة بقوة، إذ أنهم وجدوا أن المقاطعة أسفرت عن تهميشهم، وأنه من الأفضل لهم المشاركة فيها بدلا من مقاطعتها؛ لذلك فقد شاركوا في الانتخابات البرلمانية ثم انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة، والتي أسفرت في محافظة نينوى على فوز قائمة الحدباء، وهي قائمة عربية يرأسها أثيل النجيفي الذي تولى منصب المحافظ فيما بعد بالأغلبية المطلقة، إذ حازت القائمة على 19 مقعدا من أصل 35 مقعدا، في حين أتت قائمة نينوى المتآخية، وهي القائمة الكردية في المركز الثاني حيث حصلت على 12 مقعدا.

وتصرف زعماء قائمة الحدباء وفق الآلية الديمقراطية، والتي تعطي للفائز بالأغلبية المطلقة الحق في تشكيل الحكومة إذا كانت الانتخابات على مستوى الدولة أو الاستئثار بكافة المناصب إن كانت الانتخابات محلية، وبالفعل فقد استأثرت قائمة الحدباء والمتحالفين معها بكافة المناصب بالمحافظة، وهمشوا الأكراد وبالذات قائمة نينوى المتآخية بشكل كامل.

الديمقراطية وخصوصية مناطق العراق

إن طرح المسألة بهذا الشكل يعتبر صحيحا إلى حد كبير من ناحية المفهوم الكلاسيكي للمسألة الديمقراطية... لكن هناك أسئلة يجب أن تطرح في هذا الصدد: هل يصلح هذا المفهوم لبلد كالعراق بظروفه التي يعرفها الجميع؟ وهل ما يصلح لبلد من البلدان من شكل ديمقراطي لابد بالضرورة أن يكون صالحا لغيره من البلدان؟. وسؤال آخر على المستوى العراقي الداخلي: هل ما يصلح في محافظة عراقية ما يصبح صالحا لكافة المحافظات العراقية الأخرى؟..

الإجابة على تلك الأسئلة واضحة تماما.. هي النفي؛ فالشعوب التي تمرست على الديمقراطية، وأصبح للرأي الانتخابي للفرد قداسة، وهو الأهم، هذه الشعوب تختلف على وجه اليقين مع شعوب ربما يبيع بعض أفرادها إرادتهم مقابل كسرة خبز أو حفنة مال. في الأولى ضمان نجاح العملية الانتخابية وفوز من يستحق معقود في يد الشعب، أما في الثانية فلابد من ترسانة قوانين وجنود مدججين بالسلاح لضمان النجاح، وربما لضمان التزوير. لذلك فإن ما يجب أن نؤكد عليه هنا أن ما يصلح لبلد ما ربما لايصلح لبلد آخر، فلكل بلد ظروفه.

وعلى المستوى العراقي فإن ما يصلح لمحافظة ما قد لايصلح لأخرى لاختلاف المكونات بين هذه وتلك. وأمامنا مثال واضح لذلك وهو محافظة كركوك. لم يصلح قانون الانتخابات المحلية الذي شرعه البرلمان لكركوك، واتفق على تأجيل الانتخابات المحلية فيها بعد أزمة دستورية وقانونية.

ويتشابه وضع كركوك إلى حد كبير مع وضع مناطق في محافظة نينوى، ومنها بعشيقة حيث كان من الممكن أن تشتعل الشرارة منها.. في هذه المناطق تقطن أغلبية كردية صوتت لقائمة نينوى المتآخية ولم تصوت لقائمة الحدباء، واعتبرت أن هؤلاء الذين فازوا لا يمثلونها, وأن استئثار قائمة الحدباء بكافة المناصب في المحافظة وحرمانهم من أى منصب دفعهم إلى جمع توقيعات تطالب بضم مناطقهم إلى إقليم كردستان... محافظ نينوى أثيل النجيفي استنكر هذا الموقف واعتبره عصيانا مدنيا عليه وعلى سلطاته، وتلخص خطابه في أن على هؤلاء جميعا الامتثال لنتائج الانتخابات وقواعد العملية الديمقراطية التي ارتضوها, وأنه في المرحلة الماضية استأئر الأكراد بكل المناصب في المحافظة دون معارضة من أي طرف, وتغافل المحافظ مسألة أن تهميش العرب السنة في الفترة الماضية لم يكن بفعل طرف من الأطراف، ولكن بسبب مقاطعتهم للعملية السياسية... المحافظ تساءل بدهشة: كيف يمكن لموظف معين أن يعصي رئيسه الأعلى الذي جاء بارادة شعبية.. أهالي المناطق تلك قالوا: "نحن لم نختر قائمة الحدباء، وما حدث تم على غير إرادتنا"، لذلك كانت المحاولة التي قام بها أثيل النجيفي لفرض سيطرته على تلك المناطق، كانت بالفعل أشبه بحملة تأديبية ضد عصاة مارقون، واختياره لمنطقة بعشيقة لها مبرراتها، فتلك المنطقة يقطنها نسبة من المسيحيين بل بها قرى مسيحية كاملة، لذلك فقد تصور أنها من الممكن أن تكون بداية جيدة لفرض سيطرته على أساس أنها مناطق ستكون أقل مقاومة، لكن الحملة باءت بالفشل.

وهنا نسأل ثم ماذا بعد؟ هل سيظل محافظ الموصل على موقفه المتمسك بالمفهوم الكلاسيكي للديمقراطية بصرف النظر عن خصوصيات بعض المناطق الواقعة في محافظته؟ وهل سيعيد الكرة من جديد في نفس المنطقة أو منطقة أخرى ليدفع بالأزمة إلى خيار الصفر؟ أم أنه سيعمل صوت العقل ويدعو كل الأطراف إلى حوار متحضر وعقلاني في محاولة للوصول إلى أفضل الحلول لهذه الأزمة، وبالتالي ينجح في نزع فتيل قنبلة الموصل التي يمكن أن تدمر المشهد بأكمله؟!.


  كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية والتركية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات