English

 

السبت. مايو. 16, 2009

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » تركيا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

عقدة ساركوزي التركية!

د.إبراهيم البيومي غانم

Image
ساركوزي (يسار) وأردوغان.. حرب نفسية
لدى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عقدة تجاه انضمام تركيا للاتحاد الأوربي. وعقدته هذه مشدودة الوثاق بوجدانه وأحلامه، ولا تكاد تفارقه ساعة من ليل أو نهار؛ حتى إنها تجعله لا يكف عن تكرار رفضه لعضوية تركيا بمناسبة ودون مناسبة. آخر مرة كانت يوم 5 مايو الجاري في مدينة "نيم" بجنوب فرنسا، عندما قال "هناك بلدان مثل تركيا تتقاسم مع أوروبا جزءا من مصير مشترك، وهي مدعوة إلى أن تبني مع أوروبا علاقة مميزة، لكن ليس مصيرها أن تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي". ويبدو أن لدى ساركوزي "عقدة" من جهة تركيا عامة، ومن جهودها المتواصلة للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي خاصة.

لا ينفرد ساركوزي بين ساسة فرنسا بهذا الرفض لعضوية تركيا في الاتحاد الأوربي، فالرئيس الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان ـ الذي صاغ مشروع دستور أوروبا الموحدة ـ سبق وأن أكد بقوة على أن اليوم الذي سيتقرر فيه قبول تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي هو نفسه اليوم الذي سينتهي فيه هذا الاتحاد. وصحيح أيضاً أن كثيرين من الساسة الفرنسيين لا يكفون عن التحذير من عضوية تركيا بسبب "القيم الإسلامية" التي يؤمن بها الأتراك، غير أن عقدة الرئيس ساركوزي تجاه تركيا تبدو أكبر وأعوص من عقدة غيره... فما تفسير ذلك؟

لدينا ثلاث رؤى، تتكامل ولا تتناقض، في محاولتنا لفك "عقدة ساركوزي"، ومعرفة سر إصراره على رفض عضوية تركيا في النادي الأوربي.

إسرائيل سبباً

الرؤية الأولى تركز على جذور عائلته المجرية الأصل اليهودية الديانة، وأنه بالرغم من تحول أسرته للكاثوليكية، إلا أنه لم يتخل عن دعمه لإسرائيل، بل إنه لا يخفي ميوله الصهيونية (ولها التأثير الأهم في سلوكه السياسي حسب هذه الرؤية)، كما لا تقصر الدولة الصهيونية في مبادلته الود والتقدير. وقد أصدرت بمناسبة عيد ميلاده في 28 يناير 2007 طابعاً بريدياً يحمل صورته!.

هذه الأصول اليهودية والميول الصهيونية لساركوزي تجعله ـ حسب هذه الرؤية ـ ينحاز للرؤى والمواقف التي تخدم مصلحة إسرائيل، ويعارض ويرفض ما من شأنه إلحاق الضرر بها، ولو في المستقبل البعيد. وهو مثل صديقه اليهودي وزير الاقتصاد الفرنسي السابق، والمدير العام لصندوق النقد الدولي "دومينيك ستروس كان"، يتصرف وفق مقولته التي صرح بها لصحيفة "تريبون جويف" ذات مرة ودعا فيها إلى "أنه على المرء أن يتساءل عندما يستيقظ كل صباح: كيف أكون مفيداً لإسرائيل".

لو سرنا وراء هذه الرؤية، وسلمنا بصحتها؛ فسنصل إلى أن سر عقدة ساركوزي من عضوية تركيا في الاتحاد الأوربي تملكه إسرائيل؛ لأن انضمام تركيا للاتحاد ليس في مصلحة إسرائيل على طول الخط، بل يلحق بها أضراراً كبيرة بها على المدى المتوسط والمدى الطويل أيضاً. إذ من المرجح في حالة عضويتها أن تكتسب قوة تأثير في عملية السلام العربية الإسرائيلية، ومن الممكن أن تصبح "صوت أوروبا" لدى العالم الإسلامي في المبادرات الدولية المشتركة.

ومن جهة أخرى يمكن لتركيا في هذه الحالة أن تحد من الابتزاز الإسرائيلي لدول أوربا، وهو الدور الذي برعت في ممارسته طوال العقود الماضية. ومن ناحية أخرى فإن اقتدار تركيا اقتصادياً وسياسياً، والمتوقع بعد انضمامها، سوف يؤدي إلى إضعاف علاقتها الحالية مع إسرائيل؛ وذلك بافتراض أن الاتحاد الأوربي سوف يحل الكثير من المشكلات التركية، وستتراجع علاقتها العسكرية مع إسرائيل بشكل خاص. وطبقاً لهذه الرؤية يمكننا أن نفهم "سر عقدة ساركوزي" من تركيا ورفضه لمساعيها للانضمام للاتحاد الأوربي.

الإخلال بالتوازن الأوروبي

الرؤية الثانية ترى أن عقدة ساركوزي من تركيا ذات طابع "ديمغرافي/سياسي"، له صلة برؤية فرنسا لمستقبل توازنات القوى داخل أوربا الموحدة في حال انضمام تركيا. ففي حال انضمامها ستحتل المكانة الثانية مباشرة بعد ألمانيا من حيث عدد السكان (ألمانيا 82 مليونا، وتركيا حوالي 71 مليوناً حسب تعداد 2007)، أما فرنسا فتعدادها لم يتجاوز 63.8 مليونا حسب تعداد يناير 2008. وبالتالي فسوف تفقد فرنسا مكانتها لصالح تركيا، ليس فقط من حيث تعداد السكان، وإنما أيضاً من حيث ثقلها التصويتي في مؤسسات صنع القرار بالاتحاد الأوروبي، لأنها تحدد الوزن النسبي لكل دولة بحسب حجم سكانها.

ما يزعج ساركوزي ليس هذا فحسب، وإنما لكون 6% فقط من الأتراك فوق سن 65 سنة، بينما تصل نسبة نظرائهم في فرنسا إلى 15.7% (بحسب متوسط الأعمار في دول الاتحاد ككل)، و28% من سكان تركيا أقل من 14 سنة، بينما تصل نسبة نظرائهم في فرنسا إلى 17.2% فقط؛ ومعنى هذا أن تركيا سيمكنها القيام بدور أكثر فاعلية داخل الاتحاد الأوربي حال انضمامها لأنها ستكون في المستقبل أكثر شباباً وحيوية من فرنسا.
 
وهذا البعد الديمغرافي/السياسي ليس غائباً عن ساسة تركيا؛ ففي تجمع إقليمي بمناسبة الاحتفال بيوم المرأة العالمي في نوفمبر 2008 دعا رئيس الوزراء رجب أردوغان نساء تركيا إلى زيادة النسل (كل الحكومات العربية تحارب النسل في بلادنا بطرق مختلفة) قائلاً لهن: "يجب أن نحافظ على شبابنا… يجب أن يكون لكل أسرة ثلاثة أطفال على الأقل"، وأيدته وزيرة شئون الأسرة في حكومته آنذاك نعمت شوبكشي بقولها: "لابد أن تصل نسبة المواليد إلى 2.8% كي لا يحدث خلل في التركيبة السكانية، وهذه النسبة لاتتحقق إلا إذا أنجبت كل أسرة ثلاثة أطفال على الأقل".

التأثير على مكانة فرنسا

أما الرؤية الثالثة فتؤكد على أن التغيرات الجيو/سياسية التي ستحدث حال انضمام تركيا ستؤثر سلبياً على مكانة ودور فرنسا في السياسة الأوربية خاصة، والعالمية عامة، وهذا الهاجس يُعقد عُقدةَ ساركوزي أكثر وأكثر، ويجعله يتوجس من أن يحدث تقارب ألماني/تركي على حساب العلاقات الفرنسية الألمانية وتوازنات القوى داخل القارة الأوربية.

ولهذا التوجس خلفيات تدعمه من تاريخ التنافس الألماني/الفرنسي المرير للسيطرة على القارة الأوربية منذ أكثر من قرنين، وتزكيه اختيارات السياسة الألمانية في أوقات الأزمات الدولية الكبرى؛ حيث كانت تفضل ما عرف باسم "Ostpolitik" أو سياسة التوجه نحو الشرق، وخاصة باتجاه توثيق علاقاتها التعاونية إلى حد التحالف مع دول مشرقية (مثل الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ضمن دول المحور) وضد جبهة الحلفاء الغربيين.

وبالنسبة للموقف الألماني من انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الأوربي نجده ـ شعبياً وحزبياً ـ أقرب للتحفظ والرفض، ولكنه على المستوى الرسمي ليس ثابتاً، وتتقاذفه موجات الشد والجذب بين القوى السياسية المتنافسة داخل ألمانيا ذاتها من جهة، وداخل بقية دول الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، وتلعب الجالية التركية الكبيرة فيها ـ حوالي مليونين من الأتراك ـ دوراً مهماً في رسم ملامح موقف ألماني أقرب إلى تأييد انضمام تركيا منه إلى رفضها، وهذا يعقد عقدة ساركوزي أيضاً وأيضاً.

بين الاستيعاب والاستبعاد

إذا وضعنا الآن موقف ساركوزي الرافض لعضوية تركيا في الاتحاد الأوربي ضمن جملة المواقف الأوربية حول هذا الموضوع، سنكتشف بأيسر نظر أن عقدة ساركوزي تصبح مركبة، وتجعله يقف في مقدمة "معسكر الاستبعاد"، ضد "معسكر الاستيعاب"، وهما المعسكران اللذان يتجادلان بشأن الموقف من طلب انضمام تركيا لعضوية الاتحاد.

معسكر الاستبعاد الذي تقوده فرنسا وإيطاليا، ويتبنى موقفاً رافضاً، ويبرر موقفه بأن ضرر انضمام تركيا سيكون أكثر من نفعه لأوروبا، وبأنه يرغب في توسيع الاتحاد على أسس تاريخية وثقافية ودينية في آن واحد، وتؤيده أغلبية الشعوب الأوربية في ذلك حسب ما تشير إليه نتائج استطلاعات الرأي العام فيها.
 
أما معسكر الاستيعاب الذي تقوده بريطانيا وأغلبية بلدان أوربا الشرقية حديثة العضوية في الاتحاد التي تؤيد انضمام تركيا (فيما عدا دولة التشيك، ودولة المجر اللتان تتحفظان) وتشمل: بولندا وسلوفاكيا، وسلوفينيا، وإستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، ورومانيا، وبلغاريا، يتحذ هذا المعسكر موقفاً مؤيداً ـ بنسب متفاوتة ـ لعضوية تركيا، ويرى أن نفعها سيكون أكثر من ضررها للاتحاد الأوربي، وأنه من المفيد أن يكون توسيع عضوية الاتحاد على أساس الديمقراطية وحقوق الإنسان، لتخفيض حدة النزعة الدينية/الثقافية في السياسة الدولية لأوربا الموحدة. ولهذا يفضل هذا المعسكر أن يتم حسم قرار العضوية في المستويات الحكومية، وليست الشعبية نظراً لوجود نسبة كبيرة من الرأي العام رافضة لانضمام تركيا.

تأتي مواقف تركيا ذاتها من مسألة عضويتها في الاتحاد الأوربي لتزيد عقدة ساركوزي تعقيداً فوق تعقيد، فرداً على تصريحاته الأخيرة في مدينة "نيم" الفرنسية وتأكيده على رفضه عضوية تركيا، صرح المتحدث باسم الخارجية التركية بأن بلاده "تواصل تحقيق تقدم على مسار مفاوضات عضوية الاتحاد.. وأن هذه العضوية تمثل هدفاً إستراتيجيا لتركيا، وأنها ستلبي متطلبات نيل هذه العضوية عبر الاستجابة للمعايير الأوروبية في مجالات عدة كما هو مطلوب منها، ولن تلتفت إلى الدعوات المناهضة لها داخل التجمع الأوروبي".

ينام ساركوزي ويحلم بأن ينجح في عرقلة عضوية تركيا في النادي الأوربي، ولكنه قد يصحو مفزوعاً قبل سنة 2015 ـ موعد البت في طلب عضويتها ـ ليجد نفسه خارج الإليزيه إذا لم يعد انتخابه، وهذا ما سيزيد من عقدته تعقيداً فوق تعقيد، ولئن أعيد انتخابه، فالأتراك يقولون: "قد تكون أوروبا آنذاك هي الأكثر احتياجاً لنا من احتياجنا لها الآن، وقد نكون نحن غير راغبين في الانضمام إليها آنذاك"... وساعتها قد تنحل عقدة ساركوزي!.


أستاذ العلوم السياسية ورئيس قسم الرأي العام بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية - مصر.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات