|
| شبح العنف يطارد العراق مجددا |
انحسرت في الشهور الماضية موجة العنف بالعراق إلى حد كبير لدرجة أن الانتخابات المحلية أجريت في ظل ظروف آمنة، ولم تسجل حالة عنف واحدة، بل إن قائمة رئيس الوزراء الدكتور نوري المالكي (دولة سيادة القانون) حققت الأغلبية في تلك الانتخابات، وأصبح الحديث عن العراق والانتماء إليه هو السائد على الساحة، إلى الحد الذي فسره الكثير من المراقبين على أن العراق قد خطى خطوات واسعة في اتجاه رفع شأن المواطنة العراقية والتخلص من الطائفية، وأن عهدا حقيقيا من الألفة والوئام بين طوائفه قد بدأ بالتراضي وليس بالقهر، وأصبح من المؤكد أن كل الظروف مهيأة أمام الرئيس الأمريكي باراك أوباما كي يفي بوعوده الانتخابية وينسحب من العراق.
لكن، وعلى عكس سير الأحداث، عاد العنف من جديد إلى الشارع العراقي؛ فظهرت السيارات المفخخة التي تحصد الأرواح دون تفريق بين مدني وعسكري، عراقي أو أمريكي.
واستدعى هذا التطور الخطير أن تقوم وزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون" بزيارة مفاجئة إلى العراق للتباحث حول هذا المستجد الخطير، وما إذا كانت الظروف تسمح بالجلاء التدريجي للقوات الأمريكية عن العراق، أم إن العنف الذي عاد من جديد يجعل من أمر الجلاء مغامرة غير مأمونة العواقب، وبالتالي ضرورة تأجيل عملية الانسحاب من العراق إلى الوقت الذي تصبح فيه القوى الأمنية العراقية قادرة على حفظ الأمن بالعراق وحدها.
وكان السؤال الذي يتردد: إذا كان العنف قد عاد إلى العراق من جديد، وبهذه الدرجة، رغم أن القوات الأمريكية ما زالت رابضة بالعراق.. فماذا يمكن أن يصبح عليه الوضع بعد جلاء تلك القوات؟.
جهات متضررة وأخرى مستفيدة
لكن ما هي الجهات المحتمل أن تكون وراء هذا العنف؟.
مما لا شك فيه أن هناك جهات متعددة من الممكن أن تكون وراء ذلك، وأول تلك الجهات:
حزب البعث العربي الاشتراكي، والذي كان الضحية الأولى لسقوط النظام العراقي، ومن الواضح أنه نجح مؤخرا في لملمة أشلائه من جديد وبدأ ينشط على الساحة.
وحزب البعث كان يضم في صفوفه أعدادا هائلة من العراقيين على كافة الأصعدة الثقافية والعشائرية والجغرافية، بل والقومية أيضا، وبعض هؤلاء انخرطوا في صفوف الحزب عن قناعة، والبعض الآخر انخرط طمعا في ذهب المعز، أو اتقاء لشر سيفه.
وبعد سقوط النظام العراقي مباشرة كان أول قانون أصدره مجلس الحكم الانتقالي هو قانون اجتثاث هذا الحزب من التربة العراقية، والذي حسب مواده تم حرمان معظم من كانوا ينتمون لصفوفه من الانخراط في العملية السياسية، فضلا عن حرمانهم من تولي أي وظائف في الدولة، هذا بخلاف الملاحقات الأمنية التي نالت الكثير منهم, وهؤلاء سدت في وجوههم كافة السبل وبدءوا مؤخرا في تجميع أنفسهم، ومن ثم القيام بأعمال عنف مؤثرة ضد الوجود الأجنبي وضد قوى الأمن العراقية, ورجال الحكم وأتباعهم.
ورغم أنه جرت أحاديث عن اتصالات حكومية مع بعض البعثيين من الجناح السوري (انشق على صدام حسين في عام 1979)، إلا أن تلك الاتصالات لم تسفر عن شيء، فضلا عن أنها كانت مع فصيل منشق لا علاقة له بفصيل الداخل، بل ربما على حالة عداء معه، ويعيش بعيدا عن الواقع العراقي ومستجداته، وأنه ليس المعني بقانون اجتثاث البعث، وعلى كل حال فقد توقف هذا الحوار مع مولده؛ إذ احتجت عليه أطراف سياسية، وانتهى في المهد.
الجهة الثانية هي عشائر الصحوة، وكانت تلك العشائر في الماضي من أهم الجهات المعارضة للوجود الأجنبي في العراق وللعملية السياسية بأكملها؛ فهذه العشائر تقع في غرب العراق؛ حيث العرب السنة أكثر الفئات التي لحق بها الضرر من جراء سقوط النظام واحتلال العراق, واستطاعت القوات الأمريكية، ومعها الحكومة العراقية استمالة هؤلاء ليحاربوا إلى جوارها ضد تنظيم القاعدة.
وبالفعل كان لميليشيات هذه العشائر الدور الفعال في تقليص تواجد هذا التنظيم إلى درجة كبيرة ربما تصل إلى الاستئصال، وعندما أدت مهمتها بنجاح، طالبت بالثمن، والذي كان تعيين أعضائها في قوى الأمن والقوات المسلحة، لكن تلبية ذلك لم تكن بالأمر السهل؛ فالصحوة عبارة عن ميليشيات تضم من هو في عمر الصبا، ومن هو في عمر الشيوخ، ومن هو غير لائق طبيا، وهنا انقلبت تلك العشائر من جديد على الحكومة العراقية وعلى الأجنبي، وساهمت بدور واضح في هذا العنف المستجد.
وهناك افتراض لوجود طرف آخر يشارك في تلك العمليات، وهو طرف لا يمكن تشخيصه بدقة، ولكن هناك مؤشرات قد تدلنا عليه, أبرزها يرتبط بالحديث المتزايد عن الجلاء الأمريكي عن العراق.
ومما لا شك فيه أن هناك أطرافا عراقية يهمها عدم الجلاء عن أرض العراق، ربما لأن في الوجود الأجنبي ضمانا لسلامتها، والجلاء ربما سيحرمها من بعض الامتيازات التي تحصل عليها حاليا، فضلا عن حماية تلك القوات لها ولمصالحها, وهذا الطرف لا يقوم بأعمال العنف بشكل مباشر، ولكنه يشجع جماعات العنف تلك، ويخلق لها المناخ الملائم.
المشروع الوطني والانسحاب
وما جرى من تفجير على الطريق إلى العتبات المقدسة ضد الحجيج الإيرانيين، وراح ضحيته العشرات من الإيرانيين والعراقيين, ثم ما جرى بعد ذلك من تفجير هائل استهدف أحد الأسواق الشعبية المزدحمة في مدينة الصدر ذات الأغلبية الشيعية، يطرح بقوة مسألة العنف الطائفي بالعراق، ويعيد إلى الأذهان ما جرى في سامراء بتفجير القبة الذهبية للمرقد العسكري، وما أعقب ذلك من عنف طائفي واسع النطاق.. هل ما جرى في مدينة الصدر وعلى الطريق إلى العتبات المقدسة مؤشر لعودة العنف الطائفي من جديد؟.
وقد تواكب مع ذلك قيام القوات الأمريكية بقتل رجل وزوجته في مدينة الكويت بجنوب العراق، واحتج نوري المالكي على ذلك، مطالبا الجانب الأمريكي بتسليم القتلة، إلا أن الولايات المتحدة اكتفت بالاعتذار؛ لتظهر مثالب الاتفاقية الأمنية التي وقعها المالكي، وليضعه الحدث في مأزق حقيقي، وهو الذي يحاول أن يقدم نفسه إلى الشعب العراقي على أنه رجل الدولة القوي.. هذه الواقعة سينعكس أثرها حتما على أداء رجال الأمن في حماية الشارع العراقي من العنف, إضافة إلى أن قوى الأمن ذاتها مخترقة طائفيا، بل ومن بعض جماعات العنف.
إن عودة العنف إلى الشارع العراقي يطرح أمرين:
الأول: مدى إمكانية تحقيق المشروع الوطني العراقي الذي أعلنه نوري المالكي خلال انتخابات المحافظات.
والثاني: إمكانية تنفيذ الرئيس الأمريكي باراك أوباما لوعوده الانتخابية بالانسحاب من العراق، وقد ظهرت بوادر النكوص عن ذلك من خلال بعض التصريحات، ومن خلال الزيارة المفاجئة لوزيرة الخارجية الأمريكية لبغداد.
وبالنسبة للمسألة الأولى، فإن المشروع الوطني الذي يعلنه المالكي أصبح محاطا بغيوم كثيفة؛ فالعنف الذي عاد إلى الشارع، والذي لا يمكن أن يتحجج أحد بأنه عنف مستورد تقوم به جماعات من خارج العراق، فالقائمون به عراقيون.. هذا الأمر يجعل من هذا المشروع كلاما في الهواء أو حبرا على ورق، ويعيد إلى طاولة البحث مسألة مستقبل العراق ذاته.
أما بالنسبة للمسألة الثانية، فإنه من المعروف أن الوعود الانتخابية شيء، وما يمكن أن يطبق على أرض الواقع بعد الانتخابات شيء آخر؛ فالمصالح الكونية للولايات المتحدة الأمريكية تتجاوز أي رئيس مهما كانت توجهاته, لذلك فإن هناك شكا كبيرا في انسحاب تلك القوات من العراق؛ إذ سيبقى قسم منها في القواعد التي شيدت على أرض العراق؛ لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة.
وإذا أضفنا إلى ذلك حادثة الكوت، فإن الاتفاقية الأمنية تكون قد ضربت في الصميم، وبالتالي تتعرض مكانة نوري المالكي أمام الشعب العراقي إلى اهتزاز كبير، يفقده لمصداقيته ومصداقية مشروعه الوطني.
كل تلك أمور ترتبت وتترتب على ذلك العنف الذي عاد من جديد إلى العراق، ولكن هل من سبيل إلى القضاء نهائيا على هذا العنف الذي يعطل المشروع الوطني في العراق، وربما يقضي عليه نهائيا؟.
بكل تأكيد هناك أكثر من سبيل إلى ذلك، يأتي في مقدمتها أن تعترف كافة النخب السياسية بالعراق بأن العملية السياسية قد بنيت على أساس خاطئ منذ البداية، وهو مسألة المحاصصة الطائفية.
ومع الاعتراف بأنه لم يكن أمام الحاكم المدني الأمريكي للعراق حينئذ بول بريمر من وسيلة إلا تلك, لكنها أفرزت هذه التقسيمة التي نراها الآن، والتي تعرقل المشروع الوطني، مما جعلت أكثر من مكان في العراق أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، وتجعل من أمر جلاء الأجنبي عن العراق أمرا مرفوضا من بعض فئاته.
لقد بات من الضروري إعادة النظر، وبشجاعة، في الأسس التي بنيت عليها العملية السياسية، ولن يستطيع القيام بهذه المهمة سوى مجموعة من التكنوقراط، لا يعرف عن أحد منهم أي انتماءات طائفية، يتعاملون مع الجميع على قدم المساواة، ويواجهون العنف من خلال مشروعهم الوطني الحقيقي وليس الكلامي.. هنا من الممكن أن يعود من جديد العراق القوي.
كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية والتركية.
|