|
| المسجد الكبير في روما |
يعود تاريخ وجود الإسلام في إيطاليا إلى ما يزيد على 13 قرناً ماضية، ففي يونيو عام 827م وصلت قوات عربية بقيادة أسد بن الفرات إلى سواحل سيسيليا، وأعقب ذلك غزو أجزاء واسعة مما يشكل جنوب إيطاليا حالياً. وانتهت هذه الحقبة من التاريخ الإسلامي في إيطاليا خلال الفترة ما بين نهاية القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر، حيث أجبرت الثورات الشعبية وقوات النورمان وفريدريك الثاني القوات العربية على الرحيل عن المنطقة. أما الحقبة الثانية من التاريخ الإسلامي في إيطاليا فقد بدأت في عقد الثمانينيات من القرن العشرين، مع تدفق المهاجرين المسلمين بصورة غير مسبوقة على البلاد.
وتعد الهجرة ذاتها من الظواهر الجديدة على إيطاليا؛ فلم يتدفق المهاجرون إليها على امتداد العقود الثلاث اللاحقة للحرب العالمية الثانية عندما كانت غالبية الدول الأوروبية الأخرى تستقبل آلاف المهاجرين من خارج القارة. ولكن بحلول عقد السبعينات من القرن الماضي، بدأت البلاد في اجتذاب أعداد صغيرة من العمال الذين قدم معظمهم من الفلبين ودول أمريكا اللاتينية، واقتصر تواجد المسلمين على المسئولين الدبلوماسيين والقليل من رجال الأعمال والطلاب.
ومع بداية الثمانينات ازدادت أعداد أعداد المهاجرين من دول شمال وجنوب الصحراء الكبرى الإفريقية بدرجة ملفتة، واختاروا إيطاليا كمحطة أولى أو نهائية في رحلة هجرتهم إلى أوروبا. ووصلت معدلات الهجرة إلى ذروتها منذ منتصف التسعينات، وطبقاً لمكتب الإحصاء الرسمي الإيطالي، بلغ عدد المواطنين الأجانب 2.670.514 في ديسمبر 2006. ورغم عدم توافر بيانات محددة حول أعداد المسلمين في إيطاليا، تشير معظم التقديرات إلى أنها تقارب المليون نسمة، أي بنسبة حوالي 2% من إجمالي السكان.
خصوصية المجتمع المسلم في إيطاليا
وعند تحليل البيانات المتوافرة بشأن المسلمين داخل إيطاليا، تتجلى بعض الملاحظات حول هذه الجالية مقارنة بالجاليات المسلمة داخل الدول الأوروبية الأخرى، ومنها:
أولاً: تلقت غالبية الدول الأوروبية الأخرى النصيب الأكبر من المسلمين المهاجرين إليها من دول ترتبط معها بعلاقات تاريخية قوية، أما المجتمع المسلم داخل إيطاليا يتميز بدرجة بالغة من التنوع من حيث دول المنشأ، وينتمون في غالبيتهم لدول ليس لها صلات تاريخية قوية بإيطاليا. وتأتي النسبة الأكبر من المسلمين المهاجرين إلى إيطاليا من المغرب (28.5%) وألبانيا (20.5%)، بينما ينتمي غالبية المسلمين الآخرين إلى تونس والسنغال ومصر وبنجلاديش وباكستان والجزائر والبوسنة ونيجيريا. ومذهبيا، يتميز المجتمع المسلم في إيطاليا بتناغم بالغ، حيث ينتمي 98% من أبناءه إلى الطائفة السنية.
ثانياً: تتسم الجالية المسلمة في إيطاليا بارتفاع نسبة غير المواطنين والمهاجرين غير المنتظمين مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى، علاوة على وجود نسبة أعلى من الرجال. يذكر أن القوانين التي تحكم الحصول على الجنسية الإيطالية بالغة الصرامة لدرجة أن المهاجرين الذين يعيشون بالبلاد منذ عقود يجدون صعوبة في الحصول على الجنسية. وأشارت دراسة صدرت في عام 2001 إلى أن 10 آلاف مسلم فقط ممن يعيشون في إيطاليا يحملون الجنسية الإيطالية.
ونظراً لكون الهجرة إلى البلاد ظاهرة حديثة ولم يتم إقرار قوانين تسمح للمقيمين بصورة قانونية جلب أزواجهم إلى داخل البلاد إلا منذ سنوات قليلة؛ فإن الكثير من المسلمين الحاليين داخل إيطاليا يشكلون الجيل الأول من المهاجرين. ومع أن هذا الأمر ينطبق على كافة المجموعات المهاجرة الأخرى، فإن المسلمين يتميزون بارتفاع نسبة الرجال بدرجة بالغة عن النساء، ففي مقابل كل 100 امرأة يوجد 227 رجلا. ويختلف ذلك عن معظم الدول الأوروبية الأخرى، حيث يعتبر التفاوت بين النوعين داخل المجتمعات المسلمة أقل بكثير.
ثالثًا: التشتت الجغرافي سمة أخرى لتواجد المسلمين في إيطاليا لأن الهجرة المسلمة إلى إيطاليا بدأت في الثمانينيات عندما كانت فترة ما بعد الحقبة الصناعية قد بدأت الفعل ولم تعد المصانع الضخمة تستعين بآلاف العمال، ولذا لم يتركز المسلمون بمناطق بعينها مثلما الحال في غالبية الدول الأوروبية التي سبقت إيطاليا في استقبال المهاجرين المسلمين.
بناءً على ذلك، تتحكم في أوضاع المجتمع المسلم في إيطاليا عدد من العوامل: ظهوره الحديث داخل البلاد، والتنوع الكبير في دول المنشأ، وضآلة عدد المواطنين بين أفراده، وارتفاع عدد المقيمين بصورة غير قانونية، والانتشار الجغرافي على نطاق واسع داخل البلاد.
وكان من شأن كل هذه العوامل، إضافة إلى عدم وجود هيكل تنظيمي من رجال الدين يتبع المسلمون إليه، ضعف مستوى التناغم الداخلي وضآلة مستوى التنظيم، الأمر الذي انعكس على غياب قيادة موحدة قادرة على تمثيل المجتمع على نحو فاعل فيما يخص التعامل مع الدولة الإيطالية.
أبرز المنظمات المسلمة
والآن، يتسم المجتمع المسلم داخل إيطاليا بوجود الكثير من المنظمات المسلمة التي يتعذر على أي منها الادعاء بأنها تمثل سوى نسبة ضئيلة من المجتمع المسلم بالبلاد. بل غالباً ما تتسم العلاقات بين هذه المنظمات بالاختلافات الحادة، وربما الكراهية الشخصية.
ويعتبر المركز الثقافي الإسلامي في روما، التابع للمسجد الكبير في روما، أقدم المنظمات المسلمة في إيطاليا. أقيم المسجد الكبير منذ أكثر من عشرين عاماً بتمويل من حكومات العديد من الدول المسلمة، ويشارك سفراء الدول الكبرى المانحة له في مجلس إدارته، وتحتل السعودية والمغرب (أكبر دولتين مانحتين) مكانة كبرى في إدارة المسجد. ويضطلع ماريو سيالوجا، السفير الإيطالي السابق لدى السعودية، والذي اعتنق الإسلام، بدور جوهري في إدارة علاقات المسجد بالدولة الإيطالية. لكن اقتصار المسجد جغرافياً على العاصمة روما حال دون تحوله إلى منظمة تمثل المسلمين على الصعيد الوطني.
وهناك أيضاً منظمتين أصغر تطمحان إلى التعاون مع الدولة وتمثيل الجالية المسلمة بالبلاد، وهما: كوريز (منظمة المجتمع الإسلامي) والجمعية الإيطالية المسلمة. وتقر كلتا المنظمتان تفسيراً تقدمياً ومعتدلاً للإسلام، لكن عضويتهما تقتصر على عدد ضئيل من الأفراد، ينتمي الكثير منهم إلى الإيطاليين الذين اعتنقوا الإسلام حديثاً.
وثمة منظمة أخرى أصغر منهما هي الاتحاد الإيطالي المسلم، والتي غالباً ما اجتذبت اهتمام وسائل الإعلام الإيطالية بسبب التصريحات الاستفزازية المتعمدة لزعيمها الإيطالي عادل سميث، المعتنق حديثاً للإسلام.
وربما يعود تولي المتحولين للإسلام من الإيطاليين قيادة الكثير من المنظمات المسلمة إلى عدم تمتع غالبية المهاجرين المسلمين بالجنسية الإيطالية. ويشعر الكثير من المهاجرين المسلمين بأنه لا يجري تمثيلهم على نحو مناسب من قبل المتحولين إلى الإسلام، ويعتبر التمثيل المفرط للمعتنقين حديثاً للإسلام أحد أسباب افتقار غالبية المنظمات المسلمة للشرعية.
وتوجد منظمات أخرى تعمل بمختلف أرجاء البلاد، مثل الاتحاد المغربي في إيطاليا، والذي يعتمد على العنصر أكثر من الدين، كما تتمتع المنظمات الصوفية بتواجد صغير داخل البلاد.
في ظل هذا المناخ المفكك، اضطلعت منظمة إسلامية إحيائية تدعى (اتحاد المجتمعات والمنظمات الإسلامية الإيطالية) بدور رائد. واستم الاتحاد منذ تأسيسه في يناير 1990 بنشاط بالغ على الساحة السياسية، وحاول أن يصبح المتحدث الرئيس، إن لم يكن الوحيد، مع الدولة الإيطالية. ونجح الاتحاد بالفعل في تحقيق مكانة مهمة داخل المجتمع المسلم بفضل سيطرته على عدد كبير من المساجد، رغم صعوبة التحقق من صحة ادعائه بالسيطرة على 85% من إجمالي مساجد البلاد.
وكثيراً ما تعرض الاتحاد إلى اتهامات بكونه منظمة متطرفة ذات صلة بجماعة الإخوان المسلمين. وأحياناً يعترف الاتحاد بهذه الصلات بفخر، وأحياناً أخرى ينفيها. يذكر أن الإخوان المسلمين لا تعتبر منظمة إرهابية، وغير محظورة في أي دولة غربية. وعلى امتداد الأعوام الخمسين الماضية، أنشأت جماعة الإخوان المسلمين منظمات فرعية داخل العديد من الدول الأوروبية. وبفضل نشاط هذه المنظمات الفرعية وحصولها على تمويل أجنبي، تمكنت من خلق مكانة مهمة لها داخل المجتمعات الأوروبية المسلمة. وبالفعل، تمكنت منظمات إحيائية مثل المجلس المسلم البريطاني واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا من التحول إلى جهات تمثيلية فعلية للمجتمعات المسلمة في بلدانها.
والملاحظ أن غالبية هذه المنظمات قطعت كافة روابطها الرسمية بالإخوان المسلمين، والتي رأت أنها ربما تلوث سمعتها. وعند التعامل مع وسائل الإعلام والحكومات، غالباً ما تبدي هذه المنظمات وجهاً معتدلاً، وتدعم علانيةً الاندماج والديمقراطية. لكن داخل مساجدها، تتبع هذه المنظمات خطاباً مختلفاً، فلا تزال تقر أيديولوجية المنظمة الأم التي ترجع إليها جذورها.
ويرى الكثير من منتقديها أن هدفها إضفاء الصبغة الراديكالية على المجتمعات المسلمة الأوروبية. لكن الملاحظ أن المنظمات المرتبطة بالإخوان المسلمين لا تلجأ إلى أو تدعو للعنف من أجل تحقيق أهدافها، وإنما اختارت العمل داخل النظام وإطار العمل القانوني. ويعتبر اتحاد المجتمعات والمنظمات الإسلامية الإيطالية جزء من هذه الشبكة غير الرسمية الممتدة بمختلف أنحاء أوروبا. ومثلما الحال مع كافة المنظمات الأخرى المرتبطة بالإخوان المسلمين بمختلف أنحاء أوروبا، يرمي الاتحاد إلى اجتذاب المسلمين إلى تفسيره الصارم للإسلام من خلال شبكة المساجد التي يسيطر عليها.
ويبدو أن غالبية المسلمين الإيطاليين لا يشاركون اتحاد المجتمعات والمنظمات الإسلامية الإيطالية وجهة نظره ذات الطابع السياسي للإسلام، ويفضلون تفسيراً ذي طابع شخصي أكبر له. ورغم ذلك، تمكن الاتحاد من استغلال تفكك المجتمع المسلم الإيطالي، وأصبح أكثر الأصوات المنظمة والمسموعة المعبرة عن هذا المجتمع.
ويواجه الاتحاد انتقادات واسعة النطاق، خاصة داخل المجتمع المسلم. على سبيل المثال، يرى ماريو سيالوجا أن: "اتحاد التجمعات والمنظمات الإسلامية الإيطالية يتبع أجندة حركة دولية، وبالتالي لا يمثل عاملاً إيجابياً في تنمية إسلام إيطالي". بينما دعا آخرون لحظر الاتحاد بالنظر إلى مواقفه المتطرفة وتأييده العنف ضد إسرائيل.
خلفت المكانة المهيمنة التي يتمتع بها اتحاد المجتمعات والمنظمات الإسلامية الإيطالية تداعيات كبيرة على المستوى التنظيمي على العلاقة بين الدولة الإيطالية والمجتمع المسلم والاعتراف القانوني بالإسلام. تتمتع كافة الديانات داخل إيطاليا بالحق في التنظيم، وتنص المادة الثامنة من الدستور على أن علاقة هذه الديانات مع الدولة ينظمها القانون، بناءً على اتفاقات توقعها الدولة مع ممثلين عن كل جالية دينية.
وعلى امتداد الأعوام الخمس والعشرين الماضية، وقعت بالفعل الكثير من الجاليات الدينية (مثل اليهودية والبروتستانتية والبوذيين) مثل هذه الاتفاقات مع الدولة الإيطالية. ومع ذلك، لم يتم توقيعها فيما يخص الإسلام، الذي يعتبر ثاني أكبر ديانة بالبلاد من حيث عدد أتباعه، وبالتالي، لم تعترف به الدولة الإيطالية بعد كديانة، الأمر الذي يعود بصورة رئيسة إلى غياب قيادة موحدة للمجتمع المسلم الإيطالي.
لكن المشكلة التي جابهتها الدولة الإيطالية مع اتحاد المجتمعات والمنظمات الإسلامية تتمثل في العكس تماماً، فرغم تقدم هذه المنظمة بطلب لإبرام اتفاقية مع الدولة الايطالية للاعتراف بالإسلام، ومع أنها أكبر منظمة مسلمة بالبلاد من حيث عدد أتباعها وتتسم بعدد من الخصائص تجعلها أقرب المنظمات المسلمة من منظور الدولة الإيطالية من حيث فكرة تمثيل الجالية؛ فإن محتوى المقترحات التي قدمتها في طلبها حالت دون إقدام الدولة على توقيع اتفاق معها. انطوت المقترحات على طموحات بالغة، مثل الاعتراف بالأعياد المسلمة وإقرار التعليم الإسلامي بالمدارس العامة وتوسيع نطاق الحقوق القانونية لتشمل الأعراس التي يتم الاحتفال بها داخل المساجد وتوفير "مساحات إعلامية" للجمهور المسلم بالمحطات التلفزيونية العامة، علاوة على الاعتراف باتحاد المجتمعات والمنظمات الإسلامية الإيطالبة باعتباره الممثل الوحيد لمسلمي البلاد.
من ناحيتها، ساقت الدولة الإيطالية سببين لرفضها طلب اتحاد المجتمعات والمنظمات الإسلامية، أولهما: أن بعض الطلبات التي تقدمت بها مبالغ فيها. وثانياً: حال إبرام مثل هذا الاتفاق، سيصبح لدى الاتحاد سلطة مطلقة داخل الجالية المسلمة، حيث سيتمتع، على سبيل المثال، بسلطة اختيار المناهج التعليمية الإسلامية بالمدارس وتعيين الأئمة في المستشفيات والسجون والمؤسسة العسكرية. ومثل هذا الاحتكار للسلطة لن تقبله مجموعات الأقلية المسلمة (مثل الشيعة والصوفيين)، علاوة على أنه ليس جميع المسلمين السنة يدعمون التفسير المحافظ الذي ينتهجه الاتحاد للإسلام.
ومنذ عام 2001، ونظراً للاهتمام المتزايد الذي حظي به الإسلام، حاولت السلطات الإيطالية التوصل إلى حلول جديدة. ورغم أن الدولة الإيطالية رأت أنه ما زال من السابق لأوانه عقد اتفاق مع الجالية المسلمة، فإنه في عام 2004 قرر وزير الداخلية آنذاك، غيسيبي بيسانو، القيام بدور نشط تجاه خلق قيادة موحدة داخل المجتمع المسلم. وبعد شهور من المشاورات المكثفة، تم إنشاء مجلس الإسلام الإيطالي، وهو عبارة عن كيان استشاري يضم 16 عضواً من الجالية المسلمة تم اختيارهم من قبل وزارة الداخلية. ومن المفترض أن يضطلع المجلس بإجراء الأبحاث وتقديم النصح إلى وزارة الداخلية فيما يتصل بكافة القضايا المرتبطة بالجالية المسلمة بهدف تعزيز الحوار بين الدولة الإيطالية والجالية المسلمة.
ومع ذلك، يبقى الواقع المسلم في إيطاليا منقسماً ومشتتاً. ومن جانبي، أقترح ضرورة أن نتوصل إلى تفهم حقيقي للإسلام أولاً، ثم محاولة إيجاد سبيل نجعله من خلاله يعبر عن نفسه بأكبر صورة ديمقراطية ممكنة.
ورغم أن المجلس ليست لديه سلطة إصدار قرارات ملزمة، وإنما مجرد منتدى يمكن للقيادات المسلمة من خلاله مناقشة قضاياهم وحصول السلطات الإيطالية من خلاله على مقترحات، فقد أعلن معظم أعضاء المجلس أنهم ينظرون إلى المجلس باعتباره مجرد خطوة أولى نحو توقيع اتفاق مع الدولة، وما زال من المبكر الحكم على ما إذا كان سيحدث أم لا.
ولم ينج المجلس من المشكلات، حيث قرر أكثر أعضاءه اعتدالاً خوض مفاوضات منفصلة مع وزارة الداخلية الإيطالية، وأقاموا منظمة جديدة أطلقوا عليها (اتحاد الإسلام الإيطالي)
في أبريل 2008. ويبدي هذا الاتحاد معارضة علنية لاتحاد المجتمعات والمنظمات الإسلامية الإيطالية، ويرمي لأن يكون المنظمة التي ستوقع في نهاية الأمر اتفاقاً مع الدولة الإيطالية كممثل عن الإسلام في البلاد. وتلقى اتحاد الإسلام الإيطالي دعماً كبيراً من الحكومة الإيطالية، التي تخلت على ما يبدو عن فكرة العمل مع اتحاد المجتمعات والمنظمات الإسلامية الإيطالية. بيد أنه في الوقت ذاته، لا تزال هناك شكوك لدى السلطات الإيطالية حيال أعضاء اتحاد الإسلام الإيطالي الذين لا يتمتعون سوى بنفوذ محدود داخل المساجد الإيطالية.
التهديد الجهادي
لم تجتذب النشاطات الجهادية داخل إيطاليا سوى أقلية صغيرة من المسلمين في البلاد بالرغم من أن الأيديولوجية السلفية لها تاريخ طويل نسبياً في البلاد وأقرها عدد متزايد من المساجد. وأمام النتائج المتوقعة لانتشار الأيديولوجية السلفية، قامت السلطات الإيطالية على مدار الأعوام الخمسة عشر الماضية بمراقبة وتفكيك العديد من الشبكات المتورطة في النشاطات الإرهابية. وقد اقتصر معظم نشاطات خلايا هذه الشبكات على توفير الدعم اللوجستي إلى الجماعات الإرهابية العاملة بمختلف أنحاء العالم. إلا أنه على مدار الأعوام القليلة الماضية، اتضح أن بعض الشبكات التي تم تفكيكها كانت تخطط لشن هجمات داخل البلاد، ما يشير إلى تحول إيطاليا من قاعدة لشن العمليات إلى هدف محتمل.
تجدر الإشارة إلى أن مدينة ميلانو تعتبر المحرك المالي للاقتصاد الإيطالي، ومنذ السبعينات، اجتذبت المدينة أعداداً كبيرة من المهاجرين من دول متنوعة، وأصبحت المركز الرئيس للمهاجرين المصريين والمغاربة. وفي عام 1977، قامت مجموعة صغيرة من الطلاب والمهاجرين القادمين من دول شرق أوسطية وشمال إفريقية بإنشاء المركز الإسلامي في ميلانو ولومباردي.
ومع منتصف الثمانينات، اتجه العديد من أعضاء الجماعات الجهادية المصرية إلى ميلانو، وهم إما حصلوا على اللجوء السياسي أو عاشوا بصورة غير قانونية في المدينة. وسرعان ما انتاب هؤلاء الرجال، الذين كان معظمهم من أعضاء "الجماعة الإسلامية"، وهي منظمة إرهابية مصرية، السخط حيال نمط الإسلام الذي كان يجري تدريسه داخل المركز الإسلامي. عام 1988، وبمساعدة مالية من رجل الأعمال الإريتري الثري المقيم بميلانو، أحمد إدريس نصر الدين، انفصل المصريون عن المركز الإسلامي وأنشأوا مسجداً خاصاً بهم في ضواحي ميلانو. وسرعان ما تحول المسجد، الذي تم دمجه في المعهد الثقافي الإسلامي، إلى المقر الرئيس للعمليات الأوروبية "للجماعة الإسلامية". وركز المعهد أنشطته على توفير الوثائق المزيفة والملاذ الآمن والتمويل إلى المسلحين المصريين ونشر الأيديولوجية الجهادية العنيفة التي تنتهجها الجماعة.
ومن ميلانو، أبقت "الجماعة الإسلامية" على صلات وثيقة مع الراديكاليين الآخرين في الشرق الأوسط وأوروبا، بل والولايات المتحدة، حيث اتصلوا بالزعيم الروحي للجماعة الشيخ عمر عبد الرحمن. وفي عام 1992، اكتسب المعهد الثقافي الإسلامي أهمية جوهرية مع اندلاع الحرب في البوسنة، فإلى جانب مسجد الصحابة في فيينا، تحول المعهد إلى مقر رئيس للمسلمين الراغبين في القتال في البلقان. ووفر المعهد وثائق وأموال ووسائل نقل وجميع صور الدعم اللوجستي للمتطوعين العرب، بينما تحول أنور شعبان، إمام المسجد وأحد أبرز قادة الجماعة الإسلامية، إلى قائد "كتيبة المجاهدين"، وهي شبه عسكرية تألفت من مقاتلين عرب حاربوا ضد الصرب والكروات.
والواضح أن عام 1995 كان عاماً عسيراً بالنسبة للمعهد، حيث لقي شعبان حتفه خلال كمين نصبته له الشرطة الكرواتية. من جانبها، حاولت "الجماعة الإسلامية"، في إطار ما شكل أول تفجير انتحاري في أوروبا، الثأر لمقتله من خلال شن هجوم باستخدام سيارة مفخخة ضد مركز للشرطة داخل مدينة رجيكا الكرواتية (وكان الضحية الوحيدة للهجوم منفذ الهجوم الانتحاري: أحد المقيمين في ميلانو من أصول مصرية). علاوة على ذلك، أدت تطورات تحقيق روتيني كانت تجريه الشرطة بشأن إحدى الجرائم إلى لفت انتباه السلطات إلى المعهد، حيث أخبر جزار مصري السلطات بأن أشخاص على صلة بالمعهد ينفذون مخطط ابتزاز ضد المجازر التي تبيع لحم حلال بالمدينة لإجبار الجزارين المسلمين المحليين على شراء اللحم من موزع على صلة بالمعهد، ومن رفضوا ذلك تم تهديدهم بشن هجمات حارقة ضدهم. وانتهى التحقيق حول المعهد الثقافي الإسلامي، والذي سرعان ما تحول إلى تحقيق كامل معني بمكافحة "الإرهاب"، بشن غارة ضد المسجد في يونيو 1995 وإدانة 17 مسلحاً، وحصلت الشرطة داخل المعهد على مئات الوثائق المزورة والمجلات الراديكالية ومعدات لتزوير الوثائق ووثائق تثبت صلة المعهد بعناصر متطرفة بمختلف أنحاء العالم.
ورغم هذه الصفعات، استمر عمل المعهد الثقافي الإسلامي خلال التسعينات، وأنشأ الكثير من الشركات التجارية التي قدمت المال وإمكانية رعاية طلبات الحصول على فيزات للعديد من الراديكاليين الذين جرت الاستعانة بهم كموظفين. ومن حين لآخر، قام دعاة راديكاليون ذوي شهرة عالمية بزيارة المعهد، ما أبقى على صلات وثيقة بين المعهد والمساجد "المتطرفة" الأخرى بمختلف أرجاء أوروبا. وعمدت خطب أئمة المعهد والكتب المتوافرة لديه إلى نشر الأيديولوجية السلفية بين المهاجرين الذين ارتادوه. علاوة على ذلك، طور المسلحون إستراتيجية تقوم على مجموعة من الدوائر المتداخلة بهدف توسيع نطاق نفوذهم إلى ماوراء ميلانو، وركزوا أنظارهم على المساجد والمراكز الإسلامية في لومباردي وأقاليم أخرى.
وفي الوقت الذي ظلت قيادة المعهد في أيدي المصريين، بدأ مسلحون من دول أخرى في التوافد إلى هناك، الأمر الذي أدى إلى تحول المعهد الثقافي الإسلامي إلى مركز للشبكات الراديكالية التي انتشرت بمختلف أرجاء شمال إيطاليا. وفي انعكاس لتيارات الهجرة السائدة آنذاك، بحلول منتصف التسعينات، بدأت شبكات تونسية وجزائرية ومغربية في العمل داخل إيطاليا، وانجذبت بوجه عام حول المعهد الثقافي الإسلامي. وبحلول أواخر التسعينات، تحول المعهد، إلى جانب مسجده الواقع بالضواحي الجنوبية من ميلانو في موقع إستراتيجي، إلى واحد من المراكز الجوهرية للنشاطات الجهادية في أوروبا. ومما أضفى أهمية خاصة على المعهد صلاته بعالم الجريمة المؤلف من المهاجرين داخل ميلانو. وكان يجري إرسال الأموال التي جناها أعضاء الشبكات داخل ميلانو من الاتجار في المخدرات وجرائم السرقة ونشاطات إجرامية بسيطة أخرى، إضافة إلى أموال الزكاة، إلى جماعات جهادية في شمال إفريقيا وأفغانستان. ومثلما كان المعهد محوراً لنشاطات التجنيد للجهاد في البوسنة، فإنه شرع منذ أواخرالتسعينيات في إرسال متطوعين من عدة دول أوروبية إلى أفغانستان.
بين عامي 2000 و2002، قامت السلطات بتفكيك العديد من الشبكات المؤلفة من مسلحين من ميلانو. والملاحظ أن جميع المقبوض عليهم من أبناء الجيل الأول من المهاجرين من تونس والمغرب والجزائر وليبيا. وقد بدأ الكثير نشاطاتهم لدعم جماعات تقاتل في بلدانهم الأصلية، إلا أنهم في وقت لاحق حولوا اهتمامهم لدعم جهود "القاعدة" بمختلف أنحاء العالم، وتلقى الكثيرون منهم التدريب في معسكرات التنظيم في أفغانستان. ورغم ما كشفت عنه جهود التنصت على اتصالاتهم من ازدرائهم لإيطاليا، فإنهم لم يكونوا يخططون لشن هجمات داخل البلاد، وإنما اقتصرت نشاطاتهم في إيطاليا على توفير الدعم اللوجستي للشبكات العالمية "للقاعدة". لكن القبض على وإدانة العشرات من المسلحين على صلة بالمعهد الثقافي الإسلامي لم يوقف نشاط الشبكات المرتبطة بالمعهد، والتي أبدت قدرة كبيرة على استعادة نشاطها.
وقبل اندلاع حرب العراق ببضعة شهور، بدأت بقايا الشبكات القائمة في ميلانو التي عملت لسنوات على تجنيد المتطوعين لأفغانستان في إرسال متطوعين إلى العراق، حيث انضموا إلى جماعة "أنصار الإسلام" الإسلامية الكردية. وأدت موجتين من عمليات إلقاء القبض عام 2003 إلى تفكيك جزء من هذه الشبكات على الأقل. وتقدر السلطات الإيطالية أن هذه الشبكات جندت ما لا يقل عن 200 شخص من مختلف أنحاء إيطاليا، منهم 70 من إيطاليا. وقد تم العثور على وثائق إيطالية مزورة مع مقاتلين أجانب في العراق، بل ومن المعتقد أن مسلمين تم تجنيدهم من شمال إيطاليا نفذوا عمليات انتحارية في العراق.
بحلول عام 2004، دفعت موجات عمليات إلقاء القبض المستمرة وإدراك أن المعهد الثقافي الإسلامي يخضع لرقابة صارمة الكثير من المسلحين لنقل نشاطاتهم بعيداً عن المعهد. كما أدى "تسليم" أبو عمر، الإمام المصري للمسجد التابع للمعهد، والذي اختطفته وكالة الاستخبارات المركزية أثناء سيره بالقرب من المعهد في فبراير 2003، إلى تحلي قيادة المعهد بمظهر معتدل. إلا أنه حتى الآن، ما يزال المعهد يعمل علانية على نشر أيديولوجية سلفية صارمة. ورغم أن المعهد ما يزال محور جذب للعديد من الشبكات الجهادية المتنوعة، فقد غير بصورة جزئية من أساليب التجنيد وغالبية النشاطات الجنائية التي ينتهجها؛ فبعد أن كانت تجري معظمها داخل المعهد بموافقة قيادة المعهد، تم نقل غالبيتها إلى مساجد أخرى أو منازل خاصة.
والملاحظ وجود الكثير من المساجد والشبكات في إقليم لومباردي، الذي يتسم بوجود أكبر عدد من المهاجرين المسلمين داخل إيطاليا، عملت على سد الفجوة التي تركها انحسار دور المعهد الثقافي الإسلامي في الفترة الأخيرة. في الواقع، تضم غالبية الأقاليم الشمالية الإيطالية مساجد وشبكات راديكالية، وإن كان بدرجة أقل من لومباردي. وعلى سبيل المثال، شهدت منطقة تورين وجود شبكات سلفية. وفي مطلع التسعينات، أقام مسلحون جزائريون على صلة بالجماعة الإسلامية المسلحة قاعدة لهم في تورين، مستغلين قربها من الحدود الفرنسية، وإن كان غالبية المسلحين المتواجدين في تورين ينتمون إلى المغرب ويرتبطون بمساجد منطقة بورتا بالازو.
إلى جانب ذلك، شهدت العديد من مدن إيميليا وماجنا وجود شبكات جهادية. كما يتضح نفوذ المعهد الثقافي الإسلامي بقوة في إقليم توسكانيا، حيث سيطر على معظم المساجد الراديكالية بالمنطقة أئمة على صلة بالمعهد. وشكلت نابولي مركزاً مهماً للنشاطات الراديكالية في إيطاليا. في مطلع التسعينيات، أقام عدد من كبار قادة جماعة جبهة الإنقاذ الإسلامية الجزائرية فرعاً للجنة التنفيذية الخاصة بالمنظمة في نابولي. ومنذ ذلك الحين، تحولت المدينة الإيطالية الجنوبية إلى نقطة التقاء محورية بالنسبة للشبكة اللوجستية الأوروبية لكافة الجماعات الجزائرية. إضافة إلى ذلك، تعمل شبكات راديكالية في جينوا وروما والعديد من مدن إقليم فينيتو.
والملاحظ أن إيطاليا لم تشهد بعد ظهور شبكات محلية على غرار ما حدث في غالبية الدول الأوروبية الأخرى التي ينتمي معظم أعضاء الجماعات بها إلى أبناء الجيل الثاني من المهاجرين والمعتنقين حديثاً للإسلام، بينما تنتمي الغالبية العظمى ممن ألقي القبض عليهم في إيطاليا على امتداد السنوات القليلة الماضية إلى الجيل الأول من المهاجرين من دول المغرب العربي.
وقد كشفت العمليات الشرطية التي أجريت مؤخراً، أنه وعلى خلاف الحال فيما مضى، ثمة أعداد متزايدة من الخلايا تعمل على نحو مستقل عن أي جماعة. وعلى خلاف الحال مع سابقيهم، أبدت هذه الشبكات عزمها تنفيذ هجمات داخل إيطاليا. من بين الأمثلة النموذجية على هذا التوجه الجديد الخلية المستقلة التي فككتها السلطات بالقرب من بيروجيا في صيف 2007، والتي جمعت مواد كيماوية لشن هجموم محتمل داخل البلاد.
وبصورة عامة، أحرزت السلطات الإيطالية نجاحاً في تفكيك شبكات جهادية عاملة داخل البلاد، وتم الكشف عن قرابة 12 منها منذ 11 سبتمبر 2001، إلا أن نشاط غالبية هذه الشبكات اقتصر على دعم الجماعات العاملة في دول أخرى (الجزائر بصورة خاصة، إلى جانب تونس والمغرب).
ومن الضروري التنويه بأن عدداً من المنظمات الأخرى، التي لا تقر علانية العنف أو ترتبط به على نحو مباشر، تخضع للرقابة من قبل السلطات الإيطالية لما تتسم به من توجهات راديكالية. يذكر أن منظمة "حزب التحرير" لها وجود بالفعل داخل إيطاليا، وإن كان ليس بذات الدرجة من النشاط التي عليها الحال بدول أوروبية أخرى. وتشعر السلطات الإيطالية بقلق أكبر حيال "جماعة التبليغ"، وهي جماعة إسلامية تبشيرية مسالمة تشتبه وكالات الاستخبارات بمختلف أنحاء العالم أنها تعرضت للاختراق من جانب عناصر راديكالية. كما تتمتع "منظمة العدل والإحسان" المغربية بنفوذ كبير داخل العديد من المساجد بشمال إيطاليا، وتخشى السلطات من تاثير تعاليمها الراديكالية على السكان المحليين.
وأخيراً، اجتذبت منظمتين شيعيتين، هما "أهل البيت" ومقرها نابولي، و"الإمام المهدي" في روما، اهتمام السلطات بسبب مواقفهما الراديكالية، خاصة وأن الكثير من أعضاءهما من الإيطاليين الذين تحولوا إلى الإسلام سبقت لهم المشاركة في جماعات يمينية مسلحة.
بوجه عام، يمكن القول بأن إمكانات وقوع هجوم إرهابي داخل إيطاليا، رغم أنها لا تزال مرتفعة، فقد تراجعت خلال العامين الماضيين. وينبغي التنويه بأن إيطاليا حليف وثيق للولايات المتحدة، ورغم سحبها قواتها من العراق، فما تزال تحتفظ بحوالي 200 جندي في أفغانستان. علاوة على ذلك، فإن الجذور المسيحية العميقة للبلاد وما تحمله من قيمة رمزية ليست غائبة عن أعين الجهاديين. على سبيل المثال، أكد الزعيم الجهادي أبو قتادة أن: "روما هي الصليب".
ومع ذلك، تبقى مسألة الحيلولة دون وقوع هجمات إرهابية، رغم أهميتها البالغة، مجرد واحدة من عدة قضايا ينبغي للسلطات تناولها عند مواجهة الإسلام الراديكالي. أما القضية الأكثر صعوبة فهي التصدي لانتشار التوجهات السلفية والتفسيرات الأخرى المتطرفة للإسلام.
كبير باحثين بمعهد فليتشر للقانون والدبلوماسية بالولايات المتحدة الأمريكية، ومحاضر متخصص في شئون "الإرهاب" بجامعة توفتس الأمريكية. مؤلف كتاب "القاعدة في أوروبا.. الأرضية الجديدة لمعركة الجهاد الدولي".
*موجز لدراسة نشرت تحت عنوان (الإسلام والإسلاميون والجهاديون في إيطاليا)، دورية توجهات راهنة في الأيديولوجية الإسلامية Current Trends in Islamic Ideology، الإصدار رقم 7 (2008)، والتي تصدر عن مركز الإسلام والديمقراطية ومستقبل العالم الإسلامي التابع لمعهد هادسون بواشنطن، والذي يعرف نفسه بأنه مؤسسة فكرية وبحثية تهتم بقضايا الأمن العالمي والرفاه والحريات، ويقدم توجهات إستراتيجية للتحولات المستقبلية في دراسات الدفاع والعلاقات الدولية والاقتصاد والثقافة والقانون والتكنولوجيا والعلوم.
|