|
| جانب من ورشة العمل |
اتفق خبراء مصريون على أن الإعلام يلعب دورًا مزدوجًا فيما يتعلق بقضية المواطنة، أو هو بالأحرى سلاح ذو حدين؛ فبوسع وسائل الإعلام أن تعزز من قيم المواطنة عبر التناول الموضوعي والمهني للقضايا، مستندة في ذلك على قدرتها في الوصول إلى ملايين المواطنين، وهو عدد تعجز أي أجهزة أخرى عن الوصول إليه، وبوسعها أيضا تقويض هذه القيم من خلال السعي وراء التأجيج والإثارة، أو ما يمكن أن يطلق عليه "الخبطات الصحفية".
جاء ذلك في ورشة عمل نظمتها مؤسسة "مواطنون من أجل التنمية"، التي يرأسها الكاتب المصري سامح فوزي، تحت عنوان "أي صورة يرسمها الإعلام للمواطنين؟" عقدت في الفترة من 22-24 أبريل الجاري، حيث اتفق المشاركون على أن الإعلام لا يعمل في فراغ بل في ظل نظام سياسي معين، واتفقوا على ضرورة اتخاذ المزيد من الخطوات من أجل خلق إعلام مهني وطني يبتعد عن أخذ الأمور بمنطق الطائفية.
الإعلام وليد النظام السياسي
في كلمته، أكد السيد ياسين، خبير الإجتماع السياسي ومستشار مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، على أنه لا يمكن الحديث عن الإعلام دون نسبته إلى نظام سياسي معين، حيث إن كل نظام سياسي يفرز إعلامه الخاص، وعلاقته الخاصة مع مواطنيه.
وبناءً على ذلك يقسم ياسين النظم السياسية إلى ثلاثة أنواع:
1- النظام الشمولي: والذي يحكم فيه حزب وحيد، ومثال ذلكالاتحاد السوفيتي السابق. في هذا النظام لا صوت يعلو على صوت الحزب، ولا توجد مبادرات فردية أو حرية للصحافة. واستشهد ياسين بالمراسيم التي أصدرها الزعيم السوفيتي لينين، مثل مرسوم مصادرة الملكية الفردية، ومرسوم مصادرة حرية الصحافة، وهو "إجراء مؤقت استمر لمدة 70 عاما".
ولم تعط هذه البنية الشمولية، من وجهة نظر ياسين، للإعلام الفرصة ليعبر عن مشكلات المواطن، حيث لا يوجد في هذا النظام إعلام حر، بل صورة مزيفة عن الإنجازات، وتغطية على السلبيات ومنع ممارسة النقد.
2- النظام السلطوي: ومثاله مصر في عهد الرئيس عبد الناصر، وهو نظام وسط بين الشمولية والليبرالية؛ إذ برغم وجود حرية نسبية لبعض المؤسسات؛ فإنالوعي الموجود بين المواطنين هو "وعي محاصر"، كما أنه لا يسمح بالنقد العلني للنظام.
3- النظام الليبرالي: وهو نظام يسمح، على المستوى النظري، بحرية التعبير والتعددية السياسية، أما في التطبيق، حسبما يشير ياسين، فقد توجد بعض المشكلات، إذ يمكن للدولة الليبرالية أن تخلق "وعيا زائفا" بشرعيتها لدى المواطنين، ويضرب على ذلك مثالا بالولايات المتحدة بعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حيث اعتبر أي معارض لحرب بوش ضد الإرهاب "غير وطني"، كما تم رفض نشر بعض الكتب مثل كتاب "حروب دائمة من أجل سلام دائم"، والذي يلخص شعار الإمبراطورية الأمريكية.
مزيج من التسلطية والليبرالية
ويخلص خبير الاجتماع السياسي من هذا التصنيف إلى التطبيق على الواقع المصري في اللحظة الراهنة، حيث يراه مجتمعاً سلطويًّا يحاول أن يتحول إلى الليبرالية، وهو مجتمع ورث السلطوية منذ عام 1952 على عكس الفترة من 1923-1952 والتي شهدت مصر فيها نوعًا من الليبرالية، لكنها كانت منقوصة بحكم وجود الاحتلال الإنجليزي وبحكم تأثير القصر وتدخله لإسقاط الوفد، حزب الأغلبية، والذي لم يحكم سوى 8 سنوات فقط طوال تلك الفترة، وحكمت بدلا منه أحزاب أقلية.
واعتبر "ياسين" أن الفترة ما بين 1950-1952 شهدت إرهاصات انهيار النظام القديم، وتولد الإحساس العام بأن مصر في حاجة إلى مشروع وطني جديد، ومن ثم ظهرت كتابات جديدة في هذا الصدد، مثل كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" للشيخ سيد قطب، والذي كان بمثابة قراءة يسارية للإسلام، وكذلك كتاب "من هنا نبدأ" للكاتب الإسلامي خالد محمد خالد، والذي كان هو الآخر بمثابة قراءة ليبرالية للإسلام.
ونتيجة لهذه الكتابات وغيرها، تبلور مشروع وطني، تلقفه في ذلك الوقت الضباط الأحرار، ولم تكن هناك خطوة قام بها الضباط الأحرار (كتأميم قناة السويس وتكوين جيش قوي على سبيل المثال) إلا ولها أساس في هذا المشروع الوطني، لكن الثورة نفذت المشروع على طريقتها الخاصة.
ويشير ياسين إلى أن المجتمع ما زال مجتمعًا سلطويًّا، وإن كان يمر بمرحلة تحول ديمقراطي وانتقال من السلطوية إلى الليبرالية، حيث تعد مؤسسة الرئاسة أقوى مؤسسات المجتمع، فضلاً عن تدخل الرئيس في كثير من الأحيان لحل مشكلات يعجز الكثيرون عن حلها، وهذا ما يجعل المجتمع يطبق صورة مشوهة عن الليبرالية؛ فالدولة قد استقالت من وظائفها التنموية، وهو أمر له عواقبه الوخيمة، حيث ترك كل من حرية السوق والتراكم الرأسمالي ملايين الناس في فقر مدقع، علاوة على هبوط طبقات عديدة إلى خط الفقر، كما أن حرية السوق مذهب ثبت فساده عالميا، خاصة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة التي أظهرت التناقض الجوهري الكامن في الرأسمالية، وقد عبر عن هذا التناقض المفكر الاقتصادي الشهير "شومبيتر" في كتاب له صدر عام 1963، بالقول: "إن الرأسمالية تعاني من تناقض رئيس يتمثل في جماعية الإنتاج وفردية الاستحواذ على الفائض".
ويلخص ياسين المشهد الراهن في مصر بأنه "منتجعات هنا وعشوائيات هناك"، فمصر "دولة مجنونة" اجتاحها هوس استهلاكي مستورد من الرأسمالية، والنظام السياسي سلطوي يقاوم التحول الديمقراطي الحقيقي القائم على الشفافية والرقابة على الأداء الحكومي وضرب أصحاب المصالح.
وبعد حديثه عن طبيعة المجتمع المصري في اللحظة الراهنة، انتقل "ياسين" إلى قضية المواطنة، واعتبر أن الحديث المتزايد عن هذه القضية في الآونة الأخيرة ما هو إلا "موضة"، لأن المواطنة أقرت منذ دستور 1923.
وبتحليل ثقافي للمجتمع المصري فيما يتعلق بقضية المواطنة، يشير "ياسين" إلى أن هناك رؤى متعددة ومتناقضة للعالم (النظرة للكون والمجتمع والإنسان) داخل المجتمع المصري، فهناك رؤية دينية مغلقة وهي رؤية منتشرة نتيجة شيوع الأمية ونقص التعليم، كما أنها تنظر للآخر بتعصب وعدم تسامح، ومن ثم تخلق مناخًا ثقافيًّا متخلفًا في المجتمع، وهناك رؤية ليبرالية علمانية منفتحة، لكنها مشتتة ولا تمتلك خطابًا متماسكًا يجذب الجماهير.
لكن "ياسين" لا ينفي مسئولية النظام والحكومة عن عدم شيوع قيم المواطنة، فهناك أعراف بيروقراطية راسخة تمنع تحقيق المواطنة، حيث لا تعمل البيروقراطية قواعد المواطنة إعمالا حقيقيا، فلا يوجد على سبيل المثال رئيس جامعة أو عميد كلية قبطي، فضلا عن وجود تحيزات مجتمعية.
وحول موقف الإعلام من قضية المواطنة، صنف "ياسين" الإعلام إلى إعلام ديني متحيز على الجانبين، وإعلام الصحف القومية الذي يعمل على "التغطية على أحداث التوترات الدينية"، وصحف مستقلة تنفخ في الفتنة من باب الإثارة، حيث تطغى "شهوات السبق الصحفي" على "التناول الموضوعي للأشياء".
وللارتقاء بقضية المواطنة وتعامل الإعلام معها، يؤكد "ياسين" على ضرورة أن يرقى الإعلام لمستوى المسئولية الاجتماعية في موضوع المواطنة، كما أن المجتمع بحاجة إلى إصلاحات متعددة، ثقافية وسياسية واقتصادية، منتقدا التركيز فقط على الإصلاح السياسي، مع أن الثقافة السياسية خربة في هذه البلاد.
خطاب إعلامي مرتبك
ومتفقًا مع ما طرحه السيد ياسين، أكد الكاتب الصحفي سعد هجرس أن الإعلام ما هو إلا "نظام فرعي" لا يمكن تناوله دون معرفة طبيعة النظام السياسي والاقتصادي والثقافة السائدة في المجتمع، وعلى سبيل المثال لن توجد حرية للصحافة في مجتمع غير ديمقراطي.
وأشار هجرس إلى أن الخطاب الإعلامي المصري الراهن يعاني من حالة من الارتباك الشديد بخصوص قضايا مجتمعية مفصلية، ويفتقد البوصلة والاتجاه وغياب الرؤية المستقبلية، ولا توجد إجابات واضحة ومحددة على تساؤلات من قبيل ما هي هوية مصر؟.. هل هي دولة وطنية مصرية أم عربية أم إسلامية أم شرق أوسطية؟ ومن هم أعداء مصر ومن هم أصدقاؤها؟ الإسرائيليون أم حزب الله أم حماس وما سوى ذلك؟ وهل نعيش في دولة مدنية حديثة أو دولة دينية بالمعنى الحرفي للكلمة؟ هل معروف من يخلف الرئيس مبارك؟.
الإجابات عن هذه التساؤلات، طبقا لهجرس، إما غائبة أو غائمة؛ مما يشير إلى حالة من فقدان اليقين على المستويات الكبرى؛ فالنغمة السائدة في الإعلام هي "مكايدات أو مناكفات" بين الأقلام المختلفة، بل يرتكب الإعلام "جرائم" فيما يتعلق بقضية المواطنة وغيرها.
ويدلل هجرس على ذلك بمثالين: الأول هو قضية قرية الشورانية، التابعة لمحافظة سوهاج، والتي قام فيها سكان القرية بإحراق منازل للبهائيين، متهمًا الإعلام وباقي أجهزة الدولة بالتورط في هذا الأمر، وتأجيج المشاعر ضد البهائيين.
أما المثال الثاني فهو أزمة مصر وحزب الله الأخيرة، فرغم تأكيد هجرس على أنه من المنادين بفصل الدين عن السياسة، علاوة على أنه ليس من أنصار أي حزب ديني؛ فإنه يصف الخطاب الإعلامي الخاص بالقضية، بأنه "بالغ الانحطاط والتفاهة"، وهناك خلط واضح بين الرأي والخبر.
وبناءً على ذلك تحدث "هجرس" عن مجموعة من التحديات تواجه الإعلام المصري، ومن أهمها:
1 ـ عدم وجود قانون ديمقراطي يكفل حرية تداول المعلومات، بالرغم من أن هناك أكثر من 140 دولة في العالم (منها 11 دولة إفريقية) لديها قانون بهذا الشأن، وبدون هذا القانون سيظل من الصعب الحديث عن ثقافة متقدمة، حيث سيكون هناك سيادة للروايات المجهلة والتكهنات، ويضرب هجرس على ذلك مثالاً بالأزمة المالية الأخيرة؛ فإسرائيل كان لديها أرقام محددة عن الخسائر والأضرار منذ بداية الأزمة، أما في مصر فكان هناك صعوبة شديدة في الحصول على المعلومات.
2 ـ حرية إصدار الصحف، إذ على الرغم من وجود عدد كبير من الصحف، فإن هذه الحرية "عرفية"، أي يمكن سحبها في أي لحظة، خاصة أنه ما زالت هناك تشريعات بالية تقيد حرية الإعلام والصحافة، وقوانين تجيز الحبس.
3 ـ تفعيل ميثاق الشرف الصحفي، فلا حرية بدون مسئولية، ومن ثم لابد من تفعيل ميثاق الشرف الصحفي.
ومع أن الإعلام يعتبر جزءًا من المشكلة، فلابد أن يكون أيضا جزءًا من الحل، حسبما يشير هجرس، وهنا لابد من مواجهة التمييز الديني بكل نزاهة وموضوعية عبر إصدار قانون مناهض للتمييز الديني يتضمن نقاطا أساسية من بينها: معاقبة الموظف الحكومي الذي يمارس التمييز ضد المواطنين على أساس ديني من خلال العزل من منصبه أو السجن، إضافة إلى إلغاء الخط الهمايوني وإصدار قانون موحد لدور العبادة.
ويرى هجرس أنه يجب على الإعلام تبني "خطاب الأمل"، وهو ليس مجرد تمنيات ورغبات ذاتية، بل هو عبارة عن رؤية مستقبلية حول وضع مصر في السنوات القادمة، ويقترح في سبيل تحقيق ذلك مبادرة تتخذها الجماعة الوطنية المصرية بكافة مرجعياتها، سواء المشروع الديني أو الليبرالي أو القومي أو اليساري، حيث ثبت أنه لا يوجد مشروع واحد يمتلك العصا السحرية، كما أنه لا يوجد مشروع يحتكر الساحة، ومن ثم لا بد من البحث عن مشتركات من أجل تعزيز السلم الأهلي.
محددات للتغطية الإعلامية
من جانبه استعرض هشام جعفر، رئيس تحرير شبكة إسلام أون لاين.نت، خبرة الموقع في التعامل مع العلاقات الإسلامية المسيحية في مصر، وذلك في ظل بيئة تتسم بالاحتقان الشديد على المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، مشيرًا إلى أن مصر تفتقد لإعلام مسئول يبحث عما يمكن أن يطلق عليه "صالح الوطن العام".
وقدم "جعفر" مجموعة من المحددات والمبادئ التي حكمت تغطية إسلام أون لاين للتوترات التي تحدث بين الطرفين، يتمثل أهمها في:
ـ توفير معلومات تفسر الحدث في سياقاته، ففي أحيان كثيرة يتم تصوير الحوادث التي تحدث بين الطرفين باعتبارها إسلاما ضد مسيحية أو مسيحيين ضد مسلمين أو العكس، في حين أن الأمر قد يكون له أبعاد اقتصادية وثقافية ومجتمعية، ولا علاقة له بالدين.
ـ محاصرة الأصوات الراديكالية والمتطرفة على الجانبين، دون استبعاد هذه الأصوات أو إقصائها لأنها جزء من الظاهرة، ولكن عبر استدعاء الأصوات المعتدلة من الطرفين. ويستشهد على ذلك بتغطية الموقع لقضية "الحملة ضد الشركات القبطية".
ـ عدم التعامل مع المسميات بوصفها كتلاً مصمتة، بمعنى التعامل مع المسلمين ككتلة واحدة أو الأقباط كذلك أو الشيعة أو غيرهم، فداخل كل كتلة هناك تمايزات عديدة، وهذا من شأنه أيضا ألا يتم التعامل مع المسألة بمنطق الطائفية التي تؤجج الملف؛ فالأقباط يتوزعون على الأحزاب والتيارات السياسية والطبقات الاجتماعية المختلفة.
ـ التأكيد على مبدأ "التعارف" بين الطرفين، من خلال تعريف كل طرف بالطرف الآخر، ومن ثم يسهل إقامة أرضية مشتركة بين الجانبين.
ـ التفرقة بين المسيحية في الغرب والمسيحية في الشرق؛ لأن الخلط بينهما يحدث الكثير من المشكلات.
|