|
| هل يجوز خرق السيادة لمساعدة المقاومة؟ |
أثارت قضية تهريب حزب الله معدات "لوجستية" وسلاحا للمقاومة الفلسطينية في غزة إشكالية أعرض الكثيرون عن الخوض فيها لحساسيتها من جانب، ولاختلاف الطرح بشأنها وفقا لسياسات كل دولة عربية من جانب آخر، وهي إشكالية "المقاومة" و"سيادة الدولة" خصوصا حينما يتعارضان.
يقول أنصار (المقاومة) إنهم لا يعترفون بالحدود أو يعولون كثيرا عليها، ويعتبرون أن دعم المقاومة ليس له قانون، أو حدود، أو ضوابط؛ لأن المقاومة هدف نبيل؛ فهي تدافع عن الأرض المحتلة، وتحارب المغتصب.
وبالمقابل، فإن أنصار (سيادة الدولة)، وحتى من يؤيد منهم المقاومة، يرون أن سيادة الدول وأسوارها وأمنها الداخلي خط أحمر، وهم يفكرون في السيادة بمنطق "الدولة الأمة" التي لا يجوز خرق سيادتها، وخصوصا في دولة مثل مصر، ويرى غالبية هؤلاء بالتالي أن أي خرق لهذه الحدود بدون موافقة الدولة -ولو كان هدفه نبيلا لمساندة المقاومة الشرعية- يشكل عدوانا على الدولة ذات السيادة.
ووفقا للمنطق الثاني، كان الهجوم المصري حادا على حزب الله الذي لم يحترم سيادة وحدود مصر مع فلسطين، وسعى للقيام بعمل لوجستي فوق الأراضي المصرية دون علم الدولة المصرية، أي أنه سعى لخرق حدودها عبر مخطط لنقل أسلحة أو معدات بطرق غير مشروعة للمقاومة الفلسطينية، وضمن ذلك أيضا كان نقد معظم القوى السياسية المصرية، الرسمية والمعارضة على السواء وفيها نواب جماعة الإخوان المسلمين، لحزب الله، واعتبار أن ما فعله حزب الله خطأ.
ومع ذلك تظهر معضلة منتقدي حزب الله، بسبب مساعدته الفلسطينيين، في أمرين أولهما: أنهم سبقوا وانتقدوا الحزب بسبب صمته عمليا خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وثانيهما: أن نقد ما قام به الحزب في مصر قد يعني رفض مساندة المقاومة في فلسطين، ورفض مدها بالسلاح والدعم اللوجستي اللازم؛ وهو ما يعتبره الجميع أمرا واجبا.
وربما كانت هذه المعضلة بين تأييد المقاومة من جهة، ورفض نقل السلاح لها عبر حدود مصر من جهة أخرى (في قضية حزب الله) أحد أسباب تركيز الإعلام المصري على جانب آخر من التحقيقات، بخلاف مد المقاومة في غزة بالسلاح؛ وهو أن "خلية" حزب الله استهدفت أمن مصر، وسعت لتنفيذ عمليات على أرض مصر ضد منشآت، وضد سياح إسرائيليين في سيناء ربما للانتقام من قتل الصهاينة لقائد حزب الله العسكري "عماد مغنية".
أما حزب الله، ومن يؤيدون موقفه، فيستغربون هذه الضجة حول تهريب سلاح للمقاومة، ولهم فهمهم الخاص لمفهوم الدولة، بمعنى أن دعم المقاومة لا يتعارض مع سيادة الدولة، ولذا فتهريب السلاح إلى غزة مصدر عزة وفخر لا مصدر خجل؛ وبهذا المنطق ربما يعتقدون بتقديم المقاومة على مفهوم سيادة الدولة، ويذكرون أن مصر ذاتها ساندت المقاومة في الجزائر، ونفذت عملية المدمرة إيلات عبر الأراضي الأردنية.
ومن ثم يمكن القول إن إشكالية العلاقة بين المقاومة وسيادة الدولة، وتحديد رؤية المقاومة للدولة وسيادتها من جهة، ورؤية الدولة للمقاومة من جهة ثانية، أمور تستدعي إعادة النظر في عالمنا العربي، لاسيما أن ثمة اختلافا في مفاهيم أساسية وفقا لكل دولة عربية وكل نظام، بل وأيضا وفقا لاختلاف المشارب الفكرية لدى كل فريق، وانطلاق كل طرف في طرح رأيه من خلفيات تاريخية وفكرية مرتبطة جغرافيا ببلاده وتاريخها.
وللوقوف على هذه الأبعاد توجهت شبكة "إسلام أون لاين.نت" لبعض الخبراء في مجالات دراسية مختلفة، قانونية، وسياسية، وفكرية؛ لمحاولة بحث إشكالية العلاقة بين "سيادة الدولة" وحدودها، وبين "المقاومة" وحدودها.
السياسات تحدد السيادة
المستشار (طارق البشري) المفكر المصري المعروف ونائب رئيس مجلس الدولة السابق، يرى أن العبرة فيما يخص هذه الإشكالية تكمن في "القرار السياسي"، بمعنى: هل تخضع الدولة وأراضيها لقرارات سياسية لحكومة هذه الدولة؟ وهل هذه السياسة تتضارب مع سياسات أخرى لأطراف أخرى؟
بهذا المعنى من الصعب التخلي عن السيادة بهذا المفهوم؛ لأن الدولة تخضع لسياسة حكومتها، وعندما تختلف "السياسات" المقررة من الدولة أو الحكومات مع السياسات الأخرى تبدأ المشكلة، وهي هنا التعارض بين السيادة والمقاومة.
ويوضح البشري ذلك بقوله: "المقاومة تصف ما تفعله بأنه كفاح مسلح، وترى ضرورة مد غزة بالسلاح مثلا؛ باعتبار أن هذا جزء من حركة المقاومة ضد العدوان الصهيوني، ولكن مقابل هذا فإن سياسة الدولة المصرية لا تعترف بهذا الوضع، وتتبع سياسات أخرى، وتغلق المعابر، وهذا قرار سياسي مختلف عن مفهوم المقاومة.
المشكلة كما يراها البشري إذن هي صراع بين السياسات لا صراع على السيادة، ولو كان لدولة ما سياسة مختلفة مؤيدة للمقاومة مثلا، ما كانت تعتبر هذا تنازلا في سيادتها، ومن ثم فالاختلاف مرتبط باختلاف السياسات، وهذا الاختلاف هو الذي أدى لهذا التضارب بين الرؤية المصرية التي تعتبر ما حدث خرقا لسيادتها؛ لأن سياستها ليست مع المقاومة، وبين رؤية حزب الله التي لا تعتبر ما حدث خرقا لسيادة مصر ما دام أن الهدف نبيل وهو مساندة المقاومة الفلسطينية التي يؤيدها حزب الله.
وفي حالة الجزائر التي يحتج بها حزب الله في مواجهة مصر، أي دعم مصر لثورة الجزائر، كانت السياسات (المصرية) مختلفة وقتذاك بالنسبة للدولة، في حين أن سياسة الدولة المصرية الحالية هي عدم مساعدة المقاومة، وغلق المعابر، ووقف تهريب السلاح لغزة.
خلاف قانوني
ومن وجهة نظر القانوني الدولي، يرى الدكتور (السيد أحمد أبو الخير) الخبير في القانون الدولي، أنه لا تعارض بين السيادة وبين المقاومة، وأن مساندة ومساعدة الدول والشعوب -معا- لحركات التحرر والمقاومة أمر واجب "ملزم" نصت عليه العديد من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ويقول أبو الخير: إن قانون "واجبات الدول" بالأمم المتحدة يوجب على الدول مساعدة حركات التحرر أو المقاومة مهما كان البعد الجغرافي بينهما، وبدون أن يتناقض هذا مع سيادة هذه الدول التي تمد الحركات التي تدافع عن أرضها بالسلاح.
ويقول أيضا: "إن القرارات الدولية أعطت هذا الحق، أي مساندة المقاومة، للدول والشعوب؛ مما يجعل الأمر ينطبق على حزب الله، وألزمت الدول بتهريب السلاح لحركات المقاومة الشرعية التي تدافع عن أرضها"، ويضيف قائلا: "مصر نفسها ساعدت في الحرب في أفغانستان ضد الاحتلال السوفيتي".
ويخلص "أبو الخير" بالتالي إلى أن من واجب الدول والشعوب مساندة المقاومة وفقا للأمم المتحدة، وأن هذا لا يتعارض مع السيادة، بل هو تكريس للسيادة وليس انتهاكا لها.
ولكن الدكتور (محمد شوقي) أستاذ القانوني الدولي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، يخالف الرأي القانوني السابق، ويرى أنه على الرغم من إلزام القانون الدولي للدول والشعوب مساندة حركات المقاومة، فإن هذا لا يعني خرق آخرين لسيادة الدول بحجة مساندة المقاومة.
ويوضح شوقي بالقول: "مصر مثلا عليها التزام وفق القانون الدولي بمساندة المقاومة في فلسطين كجار محتل خصوصا لو تعذر السبيل لتوصيل السلاح لهذه المقاومة سوى عن طريق مصر، ولكن بشرط أن تقوم "الدولة المصرية" نفسها بذلك لا أن يقوم به غيرها -مثل حزب الله- ولو لم تفعل هي ذلك فهي حرة، وعليها أن تتحمل المسئولية الدولية عن ذلك أمام العالم.
ويشير إلى أن السماح لحزب الله مثلا بتوريد هذا السلاح لغزة عبر أراضي مصر، وبدون التنسيق مع الدولة المصرية، يعتبر خرقا لسيادتها، ولو تم التغاضي عنه فسيفتح هذا الباب للآخرين خرق هذه السيادة، فقد يقول آخرون -مثل أمريكا- إن من حقهم مساندة إسرائيل مثلا من خلال العمل من الحدود المصرية!.
وينوه شوقي إلى أن "معيار القياس بين ما فعله حزب الله في مصر وما فعلته "مصر ثورة يوليو" -أثناء ثورة الجزائر- مختلف تماما؛ فما فعلته مصر كان إزاء "المحتل" الفرنسي، وليس إزاء "الدولة الجزائرية" نفسها، وفي حالة الأردن وإيلات كانت مصر تقاوم محتلا.. أما ما فعله حزب الله فهو شيء طيب من الناحية الشعبية، ولكنه كان إزاء "الدولة المصرية" لا المحتل الإسرائيلي.
ومن ناحية القانون الدولي كان يجب أن يتم هذا الأمر بالتنسيق مع مصر، وإلا فهو هنا انتهاك لسيادة الدولة المصرية.. وهذا خطأ وقع فيه حزب الله".
خصوصية مصرية لم يستوعبها حزب الله
وهناك تفسير آخر يتصل بخصوصية "الدولة الأم" المصرية فيما يخص إشكالية العلاقة بين المقاومة وسيادة الدولة، يطرحه نبيل عبد الفتاح، الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، ملخصه أن هذه الإشكالية ما كانت تظهر لو كانت في حالة دولة أخرى غير مصر؛ بسبب خصوصية الحالة المصرية.
ويشرح عبد الفتاح هذا قائلا: "إن مفهوم الدولة القومية بمعاييرها المستقلة تختلف عن مفهوم المقاومة بالمعنى الذي يحاول البعض في العالم العربي ترويجه خصوصا حزب الله، وحماس، والحركات الجهادية، وسوريا".
ويرجع هذا "التناقض"، في رأيه، إلى اختلاف الخبرة والتقاليد السياسية بين الحالة المصرية وجميع الحالات العربية الأخرى، باستثناء المغرب؛ ففي مصر هناك "دولة أمة" بالمعنى والدلالة الاصطلاحية والمفهومية والسياسية لهذا المصطلح، تشكلت منذ مشروع محمد علي باشا، وإسماعيل باشا، مرورا بالمراحل شبه الليبرالية وحتى الدولة التسلطية التي أسست بعد ثورة يوليو 1952، بحسب تعبيره.
ويضيف عبد الفتاح أن "هناك اندماجا بين أمة حديثة، لا تعتمد على الرابطة الدينية فقط، وإنما على نسيج اجتماعي ثقافي لغوي سياسي قيمي وعرقي هو الذي صاغ هذا المفهوم، بحيث أصبحت مصر حالة استثنائية في العالم لا يمكن مقارنتها لا بإيران، ولا تركيا، ولا إسرائيل".
ومن هنا يؤكد عبد الفتاح أنه داخل ذلك تشكلت خبرات وأطر مرجعية لدى المصريين إزاء أي محاولة للمساس بسيادتهم كدولة حديثة ومعاصرة وقديمة عرفت أشكال الدولة منذ بدايتها أيام الدولة الفرعونية، وتوحيد الوجهين البحري والقبلي.
ويقول: "هذه الخبرة والحساسية تختلف عن المنطقة التي نعيش فيها في العالم العربي؛ ففي السودان مثلا، هناك "إطار جغرافي" حامل لعدد من العرقيات والقبائل والعشائر والأديان وأكثر من 500 لهجة محلية غير اللغة العربية، وتعددية دينية، وأعداد كبيرة مما يطلق عليه في التقاليد السودانية «كريم المعتقدات».. ولو ذهبت لسوريا فستجد مجتمعا لا يزال مجزأ يعتمد على الطائفية السياسية والدينية والمذهبية، وهكذا في لبنان والعراق وفي الخليج واليمن؛ فالنمط السائد فيها جميعا هو القبلية".
هذه التعددية تعني أننا أمام مجتمعات دون الدولة الأم باستثناء المغرب، وبالتالي فالولاءات الأولية أكبر وأهم وأشد رسوخا هناك من الكيان الأكبر وهو دولة الاستقلال، وهذا يفسر الفجوة بين هذه الدول وبين مصر؛ حيث لم يتكون مفهوم الدولة في العديد من هذه البلدان.. فهناك قبائل ترفع أعلام دول، وهناك تحالفات طائفية هي التي تشكل الدول، وبالتالي فمفهوم الدولة الحديثة الآن لا يوجد في هذه البلدان.
ومن هنا يرى عبد الفتاح أن "الفجوة جاءت بين جماعة حماس وحزب الله وباقي الحركات الجهادية وبين الدولة والشعب المصري، أي أننا أمام عدم إدراك لحساسية وعمق الفجوة بين التركيبة المصرية وعمق الفجوة مع التركيبة اللبنانية والفلسطينية.. لا توجد أمة فلسطينية ولكن يوجد شعب فلسطيني، وبالمقابل يوجد شعب مصري وأمة مصرية".
وبرأي عبد الفتاح، هذا هو ما يفسر سر الحساسية لدى الكتلة الغالبة من المصريين حيال أي مساس ولو شفهي، أو لفظي، أو خطابي لرموز السيادة المصرية؛ فالمصريون ينتقدون الرئيس أشد النقد وأقساه، لكنهم حينما يسمعون أي مساس من قريب أو بعيد بالسيادة ينتفضون، ويردون على هذه الانتقادات، وبناء عليه يقول: "إن حزب الله تصور مصر بلدا على المثال السوري أو اللبناني والإيراني، ذات تعددية طائفية دينية قبلية، ولم يدرك أن مصر حالة منفردة وخاصة، تشكل دولة أمة منصهرة ترفع من شأن السيادة على أي مفهوم آخر ولو كان المقاومة".
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|