هل توجد خطة سودانية للتعامل مع أزمة الحصار الغربي على السودان وآخر حلقاتها قرار المحكمة الجنائية الدولية باعتقال الرئيس البشير؟ أم تكتفي الخرطوم بالمظاهرات والمظاهر العاطفية وتحدي البشير لأوكامبو بالسفر للخارج؟ ما هي قصة منظمات الإغاثة الأجنبية وهل صحيح أنها واجهات استخبارية للغرب أم أن الخرطوم طردتها لأنها تفضح جرائم دارفور؟
وما هي طبيعة العلاقات السودانية مع مصر ومع أمريكا؟ وما مستقبل الانتخابات السودانية التي كانت مقررة في يوليو المقبل وتأجلت حتى عام 2010؟ وما مستقبل العلاقة مع الشريك الآخر في الحكم (الحركة الشعبية)؟
هذه الأسئلة وغيرها كانت محور حلقة نقاشية نظمها قسم "الأخبار والتحليلات" مع السفير إدريس سليمان، السفير المناوب في سفارة السودان ونائب رئيس البعثة بالقاهرة، حيث أجاب سيادته على مجموعة من الأسئلة التي تدور في معظمها حول مستقبل السودان وموقف الحكومة أمام الأزمات المختلفة التي تواجهها الآن.
وفيما يلي موجز لهذه الحلقة النقاشية.
هل هناك خطوات سودانية محددة وواضحة لمواجهة قرار الجنائية الدولية توقيف الرئيس البشير؟
لقد عكف مجلس الوزراء ومؤسسة الرئاسة وخبراء الحكومة السودانية على إعداد خطة متكاملة، تشمل عدة مراحل، لمواجهة هذا القرار. وفي كل مرحلة من هذه المراحل هناك عدة محاور تعتمد على العمل السياسي والعمل القانوني والعمل الدبلوماسي والعمل الإعلامي.
وتعتمد الخطوة الأولى أساسا على إعلان موقف السودان بكل الوسائل الممكنة، وهو أنه لا يعترف بالمحكمة الجنائية الدولية، ولا يعترف بهذا القرار، ولا يعترف بولاية هذه المحكمة عليه، كما لا يعترف باختصاصها، وهذا على أساس قانوني واضح جدًا، لأن قرار مجلس الأمن بإحالة قضية دارفور للمحكمة الجنائية فيه خرق واضح جدًا للقانون الدولي في أكثر من قاعدة، وأكثر من حكم، وأكثر من مبدأ، منها إن هذا القرار لا أساس قانوني له؛ فالإجراءات والقرارات التي اعتمدتها المحكمة الدولية لا أساس قانوني لها، والقرار يخالف اتفاقية "فينا" للمعاهدات الخاصة بعام 1969، التي تنص بوضوح على أنه لا يمكن إلزام دولة غير عضو في معاهدة بأحكام معاهدة هي غير عضو فيها، ولا يمكن إلزام السودان بقرار المحكمة الدولية، ولا حتى بقرار مجلس الأمن.
المسألة الأخرى المتصلة بهذا الجانب، اتفاقية فينا للحصانات والامتيازات الدبلوماسية الخاصة بعام 1961 التي تنص على حصانة الرؤساء، ونحن حريصون على حصانة رئيسنا ولا نتخلى عنها أبداً، بعكس المشاركين في اتفاقية روما الذين اتفقوا أن يتخلوا عن حصانات رؤسائهم، وهذه تلزمهم فقط، ولكن لا تلزم السودان بأي حال من الأحوال.
أمر آخر أن هذه المحاكمة مخالفة لمبدأ دولي معروف هو مبدأ عدم التمييز، الآن هذه القرارات (قرارت الجنائية) فيها تمييز بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين السودان، فهناك حالة العراق وحالة غزة التي جري تمييزها عن حالة السودان.
وهل هذا الجانب القانوني كاف لوقوف دول العالم بجوار السودان ومساندته؟
موقف السودان القانوني صلب جداً الآن، وعلى نفس موقفنا الاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية، ودول عدم الانحياز، ودول المنظمة الإفريقية الباسيفيكية الكاريبية، ومجموعة الـ77 التي تمثل 130 دولة، والسودان الآن يترأس هذه المجموعة، ومعنا أيضا روسيا والصين. وكل هذه الدول تمثل80 أو90% من الجمعية العمومية للأمم المتحدة وتقف مع موقف السودان.
ولكن هناك مخاوف من أن تتخلى الصين وروسيا عن السودان في أي لحظة.. فهل ثمة ضمانات تجعلهما لا يتخليان عن السودان؟
لا يمكن.. لأن السودان يمثل للدولتين قضية إستراتيجية وموضع قدم إستراتيجي.. البعض يفسر الموقف الصيني -والموقف الروسي أيضا- بأن لها بعض استثمارات في السودان تخشى عليها.. هذا الكلام غير صحيح. وروسيا ليس لها عندنا أي مصالح، لكن هي الآن من أحرص الدول أن تقف معنا لأنها تدافع بذلك عن نفسها هي، وتكرس وجودها في إفريقيا. الآن روسيا تريد أن تدخل إفريقيا بأي ثمن، وتريد أن تستعيد النفوذ الذي كان للاتحاد السوفيتي السابق على معظم إفريقيا، كما أن الروس لن يرضوا بأن يخترق القانون الدولي لأنه لو اخترق اليوم ضد السودان، غدا سيخترق ضدهم هم أنفسهم، وهم الذين تبرعوا واتصلوا بنا لمساندتنا وأرسلوا مبعوثا لأول مرة في تاريخ روسيا للسودان (بعده أرسلت أمريكا مبعوثها!).
ولاحظوا أنه عندما تحركت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة في مجلس الأمن لعقاب السودان على طرد منظمات الإغاثة انبرت روسيا والصين ضد القرار وما خرج بالفعل.
ولكن ماذا أسفر هذا الدعم من ثلاثة أرباع دول العالم للسودان في المحافل الدولية؟
هذه التكتلات الإقليمية قدمت مذكرة مكتوبة إلى رئيس مجلس الأمن، وإلى الأمين العام للأمم المتحدة، وإلى رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، يطالبون فيها بعقد اجتماعات لمجلس الأمن لتجميد قرار الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية. ولا تزال الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي يعملان وفق خطة أبعد، وأرسلا وفدا في النصف الثاني من شهر مارس الماضي إلى نيويورك لتحريك هذه المذكرة، لكي يجمد المجلس قرار الجنائية.
ورغما عن ذلك، أقول إن موقف السودان ازداد قوة، ونحن لا نطالب بالتجميد؛ فالتجميد كان مسألة مقبولة عندما كان الحديث يجري عن إجراءات ضد البشير، ولكن الآن نقول إنه لابد من إلغاء القرار وليس التجميد أو الإيقاف لمدة سنة، باستخدام البند أو المادة 16 من ميثاق روما.
ولأن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا يهددون باستخدام الفيتو لمنع تجميد القرار، فإن خطوتنا التالية في حال اعترضوا على مسألة التجميد وطالبوا المجلس بتنفيذ القرار، ستكون "تشغيل الأغلبية الميكانيكية" في المجلس لرفض أي إجراء يتم في حق السودان، وإذا استدعى الأمر سيأتي الفيتو الصيني والفيتو الروسي.
ما هو سقف الحكومة السودانية الأخير في حل مشكلة دارفور؟
ليست المشكلة الآن في الحكومة السودانية أو سقف ما تريده الحكومة، فهي تعمل للحل بكل الوسائل، إنما المشكلة لدي حركات التمرد، ومن يقف خلفهم. مثلا عبد الواحد محمد نور ندعوه للتفاوض لكي يقول أي طلبات عنده ونأخذ ونعطي معه في ما يخص مطالب حركته إلى أن نصل إلى حل، ولكن هو يقول لا.. هو يريد الجلوس في باريس ولا يرغب المشاركة في أي تفاوض، وسقفه الآن مبايعة إسرائيل، هو يتحدث عن السودان على أساس أنه زعيم سوداني سيأتي لحكم السودان كله، وعندما يحكم تفتح سفارة إسرائيل في الخرطوم، وكأن مشكلة دارفور كله أن نفتح سفارة لإسرائيل في الخرطوم!
موقف الحركة الشعبية في الجنوب يتسم بالضبابية في أزمة دارفور.. أحيانا نسمع تصريحات قادة يدعمون موقف الخرطوم، وأحيانا أخرى تصريحات تؤيد التعامل مع المحكمة الجنائية..
كانت هنالك ضبابية حقيقةً، ولكن الحركة الشعبية بعد فترة قليلة من تصعيد الأزمة حسمت موقفها، واتخذ الأخوة بالحركة قرارا بالإجماع في مسألة موضوع الرئيس البشير، وهو عدم تسليمه، وعدم الاعتراف بالقرار، وعدم التعامل مع المحكمة، وهذا أصبح قرار من الجمعية الوطنية.
وأعلنت كل القوى السياسية في المعارضة موقفها. محمد عثمان المرغني والصادق المهدي ضد تسليم الرئيس للمحكمة الجنائية الدولية وعدم الاعتراف بقراراتها. لكن هذه القوى كلها عندها أهدافها السياسية، يعني لو رأت أن تضعف بها المؤتمر الوطني ستفعل.. هناك قوى سياسية سودانية تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلع البشير، وبعضهم حاول التخلص منه عن طريق العمل المسلح ولم يستطيعوا، وعن طريق الانقلابات لم يستطيعوا، وعن طريق الاستقواء بالغرب ولم يستطيعوا. ولم يعد لديهم إلا أن تنشق الأرض وتبتلعه لأن الانتخابات القادمة طبعا حسمت لصالح البشير، والذي كان يمكن أن تنافسه بقوة أحزاب أخرى قبل قرار المحكمة. أما اليوم أعتقد أن التجاوب والتعاطف الشعبي الكبير مع البشير في الشارع السوداني لن يوجد له منافسا أصلا من أحزاب المعارضة مجتمعة.
ألم يكن هناك حل لمشكلة منظمات الاغاثة الأجنبية في دارفور سوى الطرد وإثارة الموقف الدولي؟
هذه المنظمات لابد أن تطرد من السودان لما تقوم به من أعمال.. ونحن نلاحظها منذ فترة، ولكن كنا نغض الطرف عنها، لأننا كنا نخطب ود الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وهذه المسألة لم تجد، بل أصبحت هذه المنظمات "إسفين" في أزمة دارفور؛ فهي أحد أسباب الأزمة الأساسية، هي تروج الأكاذيب وتضخم الأمور، لأنها تريد أن تستدر عطف المانحين، وهي جيوش تربح من وراء الأزمة. هناك 17 ألف موظف يتبعون 258 منظمة أصبحوا يقتاتوا ويعيشوا على أزمة دارفور، وبالتالي يقومون بتضخيم الجوانب الإنسانية فيها، وتلفيق الأكاذيب أصبح مسألة أساسية من أجل بقاء القائمين على هذه المنظمات، هذا إضافة للأجندة السياسية الخفية، والعمل المخابراتي التي تقوم به، فهي موئل المخابرات الأجنبية، وهناك جيش من الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين في دارفور (أكثر 3 آلاف أمريكي وبريطاني وفرنسي موجودين هناك).
ولكن هذه المنظمات أصبحت قوى تؤثر في القرار الدولي ولها سلطتها وسطوتها في العالم والمجتمع الدولي؟
هي بالضبط فاعل دولي، ولأنها مؤثرة جدًا في الأزمة؛ فبقاؤها في دارفور لن يؤدي لحل الأزمة، إذ أصبحت جزء منها إن لم تكن أصبحت هي الأزمة نفسها لأن بعضها يعاون المتمردين ويوفر لهم دعما إعلاميا وغيره.
واحدة من المنظمات المطرودة بلغت بها الجرأة توقيع مذكرة تفاهم مع المحكمة الجنائية لتمدها بالمعلومات وشهود الزور وأشياء أخرى. وأعدت بعض المنظمات تقارير كاذبة عن 200 جريمة اغتصاب.. وشكلنا لجنة مشتركة من هذه المنظمة والاتحاد الإفريقي ومنظمات أخرى، وقمنا بعمل تحقيق شفاف ونزيه لنعرف أسماء هؤلاء الضحايا ونحقق في الأمر، وقلنا لهم (اعطونا أسماء هؤلاء النساء ومن اغتصبهم لنتخذ الإجراءات الواجبة ضد المجرمين)، لكن لم توجد حتى حالة واحدة موجودة ضمن الـ 200 اسما لأنها كانت جيمعها أسماء وهمية والتفاصيل مفبركة ووهمية.
ولكن كنا نتمنى أن يتحرك القضاء السوداني قبل هذا كله..
القضاء السوداني تحرك منذ أوائل العام 2004، وقام بتعيين محكمة برئاسة قاض في المحكمة العليا، وأرسلته الحكومة إلى دارفور، وأرسلت معه شرطة ونيابة لغرض التحقيق في كل هذه الجرائم. وحقق في كل جريمة استطاع التحقيق فيها وأصدر فيها حكما، لكن هذا لم يهتم به الغرب لأن عندهم أشخاص محددين يريدون أن نحاكمهم بدون جريرة.. يقولون نريد محاكمة أحمد هارون رغم أن أحدا لم يشتكيه، ولا هم ذاتهم جاءوا واشتكوه.. قالوا لنا نحاكم الرئيس رغم عدم إحضارهم أدلة على اتهمامه.
وقد قمنا بعمل اتفاقيات مع الأمم المتحدة وسمحنا بقدوم كل تلك المنظمات الـ 258 إلى دارفور، فيما هي تعيث فسادا في الأرض، وتعمل كيفما تشاء وتدخل وتخرج وقتما تشاء، وفاموا بعمل دولة داخل الدولة. والحكومة لم تكن تتأخر في أي شيء، فقد أعفيناهم (المنظمات الأجنبية ) من 350 مليون دولار جمارك، والجزء الكبير من ميزانية الحكومة اشترت به ذرة ومواد غذائية تم صرفها على دارفور في معسكرات للعاطلين الجالسين بدون إنتاج، وقمنا بإنفاق أموال عليهم، وقلنا إننا مستعدين لتعويض أي فرد يثبت أنه تضرر من هذه الحرب.
وأذكر بأن هذه الحكومة أكثر من اشتغل بموضوع التنمية في دارفور، التعليم فقط ضاعفته 300 مرة، الصحة ضاعفتها، والمياه والآبار، وكل الخدمات.. واليوم نحتاج أكثر من 8 بليون دولار لنعيد دارفور إلى ما كانت عليه عام 2003 وإصلاح ما فعله المتمرودن.
ونسأل: من يعطي هؤلاء المتمردين السلاح؟ حركة العدل والمساواة يبلغ عدد مقاتليها بين 1500 و 2000 مقالت، والحملة على أم درمان تكلفت 300 مليون دولار، واستخدموا بها 300 عربة كاملة التسليح.. فمن الذي مولهم؟
الذي يمول هو المستفيد.. الوضع في دارفور مفتعل ومصطنع وبتمويل ضخم جدًا، وبعمل آلية إعلامية ضخمة جدًا، وبنفوذ دولي ضخم جدًا، والسودان يقاوم كأنه يسبح ضد التيار، وكل ما نعمل شيء يأتي المتمردون المدعومون من الخارج ليحطموه، وعقدنا مفاوضات سلام معهم ووقعنا اتفاقيات صاغها الأمريكيون وليس نحن، وهم يرفضون السلام لأن خلفهم من يريدون استمرار الأزمة وإدخال السودان في أزمات تلو الأخرى.
هل الصراع في دارفور هو صراع بين القوى الكبرى على الموارد النفطية والمعدنية؟
هنالك حرب على الموارد، وهذه الحرب لا على دارفور ولا السودان، هنالك حرب طاحنة على الموارد بين المارد الصيني والدول الغربية، وحرب على هذه الموارد بين الدول الغربية نفسها بين فرنسا وأمريكا، ودارفور غلالة دخان للتغطية على التنافس والحرب بين فرنسا والولايات المتحدة.
الولايات المتحدة تخطط أن تجعل بترول غرب إفريقيا -ومنها دارفور- ورواندا والجابون ونيجيريا وأنجولا وكينيا مصدرا رئيسيا، وهي تنشأ الآن أنابيب نفط تصل من هذه المناطق حتى المحيط الأطلسي مباشرة، ليصل النفط في خمسة عشر يوم عبر الناقلات إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهم يقومون بعمل ذلك تحسبا لحدوث مشكلات ما في الشرق الأوسط في مضيق هرمز بسبب مشكلة إيران، أو في منطقة باب المندب بسبب القراصنة مثلا، أو في قناة السويس بسبب حرب إسرائيلية عربية، أو في مضيق جبل طارق بسبب جماعة إرهابية.
ومعروف أن بترول غرب إفريقيا يسهم بنسبة 22% من استهلاك الولايات المتحدة، وهذه خطة إستراتيجية أمريكية لإزاحة النفوذ الفرنسي والنفوذ الصيني.
إذا هو سباق نفوذ واستعمار جديد في المنطقة؟
بالضبط، إنه صراع موارد وثروة نفطية؛ فموارد إفريقيا ضخمة جدًا، والسودان في قلب إفريقيا، وبه نحو 6% من احتياط البترول في العالم، وهو ثالث بلد فيه احتياطي يورانيوم، وفيه أيضا الطاقة الشمسية.. ولا يوجد بلد في الدنيا فيها شمس بحرارة السودان على مثل هذه المساحة الكبيرة (600 مليون فدان) حيث يمكن، وفقا لدراسات غربية، أن تعمل فيها خلايا شمسية رهيبة، وتقول تقارير أوروبي، وأخرى صادرة عن منظمات دولية منها ما هو تابع للأمم المتحدة أن السودان معبر للطاقة الكهرومائية من إفريقيا، من المساقط المائية التي تولد 300 ألف ميجاوات من الكهرباء، إلى أوروبا، ويمكن تصدير الـ 300 ألف ميجاوات إليها كطاقة نظيفة ورخيصة عبر السودان ومصر.
أيضا نحن المورد الوحيد في العالم المستقل من حيث إمكانياته الزراعية، فإمكانياتنا الزراعية بقدر إمكانيات أمريكا، وأمريكا الآن تعاني من شح مياه، واستراليا فيها جفاف له عشر سنوات، وكندا انخفض فيها إنتاج القمح السنة الماضية، وهذه المشاكل لا توجد في السودان.
السودان فيه 600 مليون فدان، وكنا نقول منذ زمن إن ثلث السودان فقط صالح للزراعة، لكن الآن نقول بكل جدارة السودان كله صالح للزراعة.. السودان موارده هائلة جدًا، ولو استغلت موارده الطبيعة ممكن أن يطعم ربع سكان العالم وهذه دراسات علمية لمنظمة الفاو.
هذا الموقع الإستراتيجي للسودان تطمع أمريكا في السيطرة عليه، وتريد أن تجد موطئ قدم لها. ونحن دولة ترتبط بأربعة أحزمة للأزمات، فيها فعل إستراتيجي، وهي أحزمة تتصل بالنفوذ والوجود في العالم، والسودان يقع في مركزها.
(أولا) حزام الأزمات في البحيرات العظمى المتصل مباشرة بالسودان ونهر النيل وكل البحيرات العظمى.
(ثانيا) حزام القرن الإفريقي (الصومال وأثيوبيا وإريتريا) التي بها مشاكل عديدة والسودان جزء من هذا الحزام أيضا ولديه حدود مباشرة مع دوله.
(ثالثا) نحن جزء من حزام الشرق الأوسط، ونحن جزء من البلاد العربية، وواقعين تحت أكبر قوى عربية (مصر)، وأي إضعاف لمصر يعني تمكين إسرائيل من البقاء، وهذا هو سبب قيامهم بعمل مشاكل لنا في أقاليم السودان المختلفة ورغبتهم في تفتيت السودان؛ فإضعافنا وتفتيتنا وعمل مشاكل لنا يخدم دولة ثالثة موجودة في هذا الحزام هي إسرائيل.
(رابعا) حزام غرب إفريقيا، ويدخل فيه شريط وسط إفريقيا الذي يسمى الساحل والصحراء، ويسمى كذلك بـ "حزام السافانا"، الذي اسمه الحقيقي (الحزام السوداني) لأن هذه المناطق كلها كان اسمها (السودان الإنجليزي)، ومالي وتشاد كان اسمها (السودان الفرنسي).
وتشكل منطقة غرب إفريقيا موردا بتروليا هائلا، تريد الولايات المتحدة الأمريكية السيطرة عليه، وإبعاد الصين وفرنسا عنه.
هل ترون تغييرا في سياسة أمريكا تجاه السودان بعد تولي باراك أوباما الرئاسة؟
أعتقد أنه سيكون هنالك تغيير لسبب واحد هو أن موضوع دارفور أكبر من أوباما بكثير، موضوع دارفور يسيره تحالف إنقاذ دافور، الذي يضم 180 منظمة، وأصله منظمات يهودية لديها مصالح إستراتيجية في أزمة دارفور، وبالتالي هذه المنظمات لا تجعل أوباما ولا غيره يصرف نظر عن مسألة التدخل في دارفور.
ولكن الفشل الأمريكي الأمريكي في العراق، والخسارة التي تسببت في أزمة مالية عالمية، سوف تمنع أمريكا من دخول حرب أخرى في إفريقيا مهما حرض اللوبي الصهيوني على ذلك.. يعني عمليًا لا تستطيع أمريكا فعل شيء، ولذلك أرسل أوباما مبعوثه للسلام ليقف على أرض الواقع ويسعى لخطب ود الخرطوم والتعامل مع الواقع بعيدا عن قرارات المحكمة الجنائية. الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تستثمر في السودان وغاضبة جدا لأن الصين تستحوذ على السوق السودانية.. وما جلست مع دبلوماسي أمريكي ولا بريطاني ولا فرنسي إلا وذكر لي الصين!.
ويعود هذا الغضب إلى سببين أساسيين، (الأول) أن البترول الذي في السودان اكتشفته الولايات المتحدة الأمريكية من خلال شركة "شيفرون" في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، وفي عام 1983 خسرت "شيفرون" بليون دولار لاكتشاف البترول السوداني لأن البترول وقتها كان رخيص جدًا، ثلاثة وأربعة دولار للبرميل، ولو استخرجته لن يكون مربحا لها، ولذلا أغلقت آبار البترول بالأسمنت بحيث تبقى مصدرا مستقبليا من جانب، ولكي لا يستخرجه غيرها من جانب آخر في انتظار ارتفاع سعر النفط، ونقلت الشركة إشاعات عن أن البترول السوداني كميته بسيطة وغير تجارية، وبه بعض المواد الشمعية التي تجعله غير نقي.
وعندما جاءت ثورة الإنقاذ سنة 1989 كان اول شيء فكر فيه البشير هو استثمار البترول السوداني، وانتظرنا فعليا حتى انتهى تفويض شركة "شيفرون" وسقط حقها في التنقيب في هذه الآبار، ثم اتجهت الحكومة تجاه الشرق، لماليزيا والصين والهند وإندونيسيا، وجاء الصينيون وعملوا تحالفا صناعيا مع السودانيين والماليزيين وبدءوا إنتاج البترول؛ مما أغضب أمريكا بشدة لأنها تعتبر هذا بترولها لا بترول السودان ولا الصين!.
أهذا وحده سر كل هذا الغضب الأمريكي عليكم؟
نحن في نظر أمريكا خلقنا نموذجا سيئا جداً وغير مقبول بالنسبة للغربيين في إفريقيا، ويخشون أن تكرره باقي الدول الإفريقية وتخرج عن سيطرتهم.. هم يتهموننا بأننا أحضرنا المارد الصيني لمناطق نفوذ الغرب القديمة في إفريقيا، وهو ما لم يغفره الأمريكان لنا, ويرون أننا صنعنا نموذجا اقتصاديا ناجحا للاعتماد على الذات وعلى غير الغرب.. نموذج رفع السودان في ظل خمس أو ست سنوات، من دولة فقيرة بائسة لدولة اقتصادها ينمو بين 11 و13 % بدون أن يكون له صلة بالاقتصاد الغربي أصلا، نحن لا نعقد اتفاقات ولا نقترض من البنك الدولي، ولا من صندوق النقد الدولي، ولا من الدول الغربية ولا من الاتحاد الأوروبي، ولا نقترض أصلا أي مليم.
الأمريكيون يرون أن دولة كهذه تنمو بسرعة رغم أنها لم تستغل سوى 1% من إمكانياتها ستكون خطرا مستقبلا.. الآن ميزانيتنا 16 بليون دولار، ولو قمنا باستغلال مواردنا الزراعية ستكون 500 بليون دولار، يعني يمكننا تصدير صادرات زراعية بـ500 بليون دولار.. فما بالك لو قمنا باستغلال إمكانياتنا البترولية.. ولذلك خلقوا لنا مشكلة دارفور، وحقوق الإنسان، لعرقلة تنميتنا. نحن إذا اعترفنا بإسرائيل وفتحنا سفارة إسرائيلية في السودان سنغير المسار كله، ولو غيرنا البشير الآن وأحضرنا أحد من المقربين لأمريكا سوف تنتهي المشكلة كلها، ولكن هذه الشروط لا نقبلها على أنفسنا.
ننتقل لموضوع داخلي.. لماذا تأخر التعداد في السودان وما هي نسبة الجنوبيين الحقيقية ؟
نحن نقدر عدد الجنوبيين بأنهم يمثلون نسبة 20% من سكان السودان (أي حوالي 7 مليون من 40 مليون سوداني)، وأكثر من نصفهم (حوالي 4 مليون) يعيش في الشمال، وثلاثة ملايين في الجنوب، على الرغم من أن الجنوب أكثر من ثلث مساحة السودان.
ولأن الجنوب خال من السكان؛ فهذا يغري الغربيين بدفع الأوغنديين والكينيين والكونغوليين للعيش في الجنوب، لأنها دول مكتظة بالسكان، أوغندا فيها ثلاثين مليونا، كينيا فيها ثلاثين مليونا، الكونغو فيها ستين أو سبعين مليونا، والجنوب حالياً أغنى من هذه الدول بكثير لوجود البترول والموادر الأخرى.
كيف سيؤثر التعداد على تمثيل الجنوبيين السياسي؟
لو أجريت الانتخابات الآن لن يحصل الجنوبيون من الحركة الشعبية في الجنوب سوى على 10% في البرلمان لأن الـ20% من الجنوبيين ليسوا على قلب رجل واحد، وبينهم خلافات سياسية وقبلية. ووفقا لاتفاق السلام، الجنوبيون الآن في الحكومة المركزية يستحوذون على 40% من الحكومة، ولكن 28% منهم من الحركة الشعبية و6% من الأحزاب السياسية الجنوبية المعارضة للحركة الشعبية و6% من الجنوبيين موالين لحزب المؤتمر الوطني الحاكم.
وهناك تكهنات بأن الحركة الشعبية قد لا تفوز بنسبة كبيرة لأن تجربة الجنوب الاقتصادية بها شوائب عديدة؛ فالحكومة الجنوبية استلمت 6 بليون دولار من أموال النفط من الحكومة المركزية في الخرطوم، كان من المفروض أن تصرفها على التنمية في الجنوب، لكنها صرفت الـ 6 بليون دولار أو 90% منها بالضبط على الجيش وكبار المسئولين.
وعلى سبيل المثال يتم علاج الجنوبيين في جنوب إفريقيا رغم التكلفة الكبيرة لذلك، فعندنا أكثر من 100 ألف جنوبي يتداوى في جنوب إفريقيا، وهو ما أرهق ميزانية الجنوب. مثال آخر قدرت صفقة الأسلحة الأوكرانية بنحو 200 مليون دولار، كما اتفق الجنوبيون مع شركة "بلاك ووتر" بـ400 أو 500 مليون دولار لتدريب الجيش الشعبي... وهذه كلها أمور أرهقت الميزانية وأخرت تنمية الجنوب. ولذلك وارد جداً أن الحركة الشعبية تسقط حتى في دوائرها في الجنوب إذا اجتمعت أحزاب المعارضة الجنوبية الأخرى -وهي أحزاب كثيرة- وأسست جبهة موحدة ضد الحركة الشعبية، وهناك تجارب سودانية سابقة لذلك مثل تجربة جوزيف لاجو الذي فاز عليه "أبالير".
هل ممكن أن ينفصل الجنوب في استفتاء 2011؟
هذه احتمالات ضعيفة جدًا، طبعا النخبة العامة تساوم، وتبتز وتضغط من أجل الانفصال، لكن عامة الشعب الجنوبي ضد الانفصال. وهذا التقييم قائم على استطلاعات الرأي، وقراءات قد تصيب وقد تخطئ، لكن لو حدث الانفصال نحن شرحنا للجنوبيين أنهم لو انفصلوا سيكونون دولة أخرى، وبالتالي سيكون لهم جنسية أخرى غير سودانية وهويات وجواز سفر وسيخضعون للحصول على تأشيرات لدخول السودان، وهذه ستكون مشكلة كبيره خصوصا لو علمنا أنه حتى حكام الأقاليم الجنوبية يعيشون في الشمال ويقيمون في الخرطوم حيث الخدمات أفضل.
وهناك شماليون يؤيدون هذا الانفصال لإنهاء مشكلة الجنوب وضغطه على الشمال، وهؤلاء لديهم منبر اسمه (منبر السلام العادل)، وتعبر عنهم جريدة "الانتباه" التي يرأسها خال الرئيس البشير وهذا ليس رأي الرئيس بالطبع، ولكنها الديمقراطية والانتخابات.. والاستفتاء وحده هو ما سوف يحسم كل هذه القضايا.
|