English

 

الجمعة. أبريل. 10, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

القاعدة في العراق.. مستقبل يحدده الآخرون

أكرم خميس

Image
شعار "دولة العراق الإسلامية"
وضع قرار الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالتبكير بسحب قوات بلاده من العراق، "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" في اختبار مصيري ستكشف نتيجته مدى قدرة هذا التنظيم، الذي نشأ وتقوى في وجود الاحتلال، على البقاء في أرض لم تكن قبل ست سنوات من بين ساحات عمله.

والأهم من ذلك أن نتيجة هذا الاختبار ستساهم إلى حد كبير في رسم ملامح مستقبل العراق، وبالذات على صعيد العلاقة بين طوائفه الكبرى، ومن ثم قدرة هذه الطوائف على تجاوز ما أفرزته سنوات الاحتلال من تقسيم رأسي وأفقي وصل ذروته في الانتخابات المحلية الأخيرة التي منحت دعاة الفيدرالية قوة إضافية، خصوصا في المحافظات الجنوبية ومناطق الحكم الذاتي الكردي.

وعلى الرغم من التراجع الملحوظ في قوة تنظيم القاعدة ونفوذه خلال العامين الأخيرين، فإن ذلك لا يعني تلاشي تأثيره وقدرته على إحداث مفاجآت قد تشكل بدورها اختبارا للقوى المناوئة له، ومنها الحكومة العراقية والمرجعيات والتنظيمات الشيعية والأحزاب السنية المشاركة في العملية السياسية، فضلا عن مجالس الصحوات العشائرية التي اكتسبت شهرة كبيرة نتيجة نجاحها في التصدي لمقاتلي التنظيم في مناطق تمركزهم الكبرى.
 
وفي حين تبدي كل هذه القوى تفاؤلا متباين الدرجات بقرار أوباما، تظهر القاعدة رفضا قطعيا له، وتصر على أنه "مجرد خدعة" تستدعي مزيدا من اليقظة، وتفرض على مقاومي المشروع الأمريكي مواصلة الأعمال المسلحة، "حتى لا يتمكن الأمريكيون والإيرانيون وعملاؤهم من تحقيق أهدافهم في العراق، وأولها كسب الوقت للالتفاف على ما سجلته المقاومة من انتصار".

ومع أن القاعدة تغلف موقفها الرافض للخطة الأمريكية بدواعي الخوف على مصير العراق، وما تسميه فهمها لألاعيب السياسة الأمريكية التي "تسعى لإبعاد جيشها عن ساحة المعركة لتجنيبه المزيد من الخسائر، ولتوفير النفقات الباهظة التي تتكبدها الخزانة الأمريكية جراء البقاء في العراق"؛ فإن ذلك لا يمثل سوى الجانب الأيديولوجي في رؤية القاعدة، والتي تتضمن جانبا برجماتيا غير معلن يتمثل في يقينها بأن التوجهات الأمريكية الجديدة ستؤثر على مستقبلها –كتنظيم وأفكار– في أوساط العراقيين، خاصة أولئك الذين وجدوا فيها درعا قادرا على حمايتهم من القوى الطائفية المدعومة من إيران.

وعي القاعدة ورهانها

حسب ما جاء في تسجيل صوتي منسوب لـ "أبو عمر القرشي البغدادي"، زعيم دولة العراق الإسلامية (والتي تتشكل من تحالف تقوده القاعدة ويضم جماعات تدور في فلكها)، فإن خطة أوباما وإن كانت تمثل اعترافا بالهزيمة العسكرية التي منيت بها قوات الاحتلال، إلا أنها تمثل "طريقة ماكرة" تهدف إلى إقناع" البلهاء السذج" باستمرار الاحتلال لمدة ثلاث سنين قادمة"، وهو ما يستدعي –حسب قول البغدادي– حتمية الاستمرار في "مقاتلة الحكومة العراقية وعملائها"، مع استنفار أهل السنة للوقوف في وجه ما أسماه "التحالف الصليبي المجوسي"، أما الهدف المباشر لذلك، فهو التصدي لمحاولة "بيع بغداد بثمن بخس لمجوس إيران وعملائهم".

ومع أن هذا الموقف يتسق، من حيث المبدأ، مع أيديولوجية القاعدة المعروفة، إلا أن نوعية المفردات التي استخدمها البغدادي في خطابه، معطوفة على رؤيته الواضحة لعلاقة المصالح القائمة بين الولايات المتحدة وإيران من جهة، وبين إيران وحكومة نوري المالكي من الجهة الثانية، والتي تكشف أن التنظيم يتخوف ليس فقط من خضوع العراق بشكل كامل للسيطرة الإيرانية، وإنما أيضا من احتمال دخول قوى المقاومة السنية في عملية مصالحة مع الحكومة الحالية، وبالتالي تزويدها بغطاء شرعية يطيل في عمرها، ويضفي على تبعيتها لواشنطن وطهران طابع الديمومة.

وتظهر المفردات التي استخدمها زعيم القاعدة في وصف الخطوة الأمريكية أن نظرية المؤامرة التقليدية ما زالت تشكل المحدد الرئيسي لوعي التنظيم بما يحدث على الساحة العراقية في المرحلة الراهنة. فالرجل لا يعترف بالفروق التي يتحدث عنها العالم بين الرئيس الأمريكي الجديد وسلفه جورج بوش، فكلاهما -في تقديره- يعبر عن قوة صليبية تسعى لفرض هيمنتها على بلاد الإسلام، وهو يضع القوى السياسية الشيعية العراقية، بجملتها، في تصنيف واحد عنوانه "العمالة لإيران وتنفيذ سياستها"، أما من تفاعلوا إيجابيا مع الخطوة الأمريكية فهم "بلهاء وسذج".

والتمعن في خطاب "زعيم دولة العراق الإسلامية" يؤكد أن القاعدة تقرأ التطورات العراقية الأخيرة بوعيها الخاص، انطلاقا من رؤية ذاتية متقوقعة في قالب أيديولوجي شديد الانغلاق. هذا مثلا ما يظهره الإلحاح على أن الآخرين (الأمريكيين وغير السنة) يسعون-متحالفين- لتحقيق هدف واحد، رغم عدم وجود دليل مادي على ذلك، ناهيك عن عدم معقوليته من الناحية النظرية.

وأكثر من ذلك يمكن القول إن القاعدة قرأت أيضا – وبذات المستوى من الوعي– سيناريوهات المستقبل؛ فوجدت أنها ستفقد –في كل الأحوال- الأرض التي كسبتها خلال السنوات الماضية، بل إنها قد تتحول إلى هدف للقوى التي تحالفت أو تعاونت معها ضد المحتل.
 
هنا يمكن القول إن القاعدة تعرف يقينا أن العراقيين الذين تحالفوا معها في بعض المراحل، وكذا الذين دعموها خلال السنوات السابقة كانوا مدفوعين بظروف وجود الاحتلال، ومن ثم فإن غياب هذه الظروف –حتى لو كان بأساليب احتيالية- سيفقدها هذه البيئة الحاضنة، خصوصا إذا شملت المصالحة العراقية المتوقع إجراؤها الجماعات السنية المسلحة.

مثل هذا الوعي يجعل القاعدة تتمنى استمرار الوضع الراهن، ففي ظل الفوضى الأمنية، والاستقطاب الطائفي، وتشابك الوضعيين الدولي والإقليمي، يمكن للتنظيم البقاء فاعلا على الساحة العراقية، تماما كما كان الغزو الأمريكي السبب الرئيس في وجوده، بل وفي تنامي حضوره السياسي والعسكري خلال السنوات الست السابقة.

وتوقن القاعدة أن تمنياتها ستذهب أدراج الرياح إن لم تتحرك بجدية للتصدي لـ "الخدعة الأمريكية"، وفي هذا السياق قد يكون لنصائح قيل إن الرجل الثاني في التنظيم الرئيس (أيمن الظواهري) أسداها لزعيم التنظيم في العراق أبو حمزة المهاجر، دور في تحديد خطوات هذا التحرك، والذي يتوقع البعض أن يشمل عقد تحالفات جديدة مع قوى عراقية فاعلة، وتكثيف الهجمات على القوات الأمريكية، بحيث يثبت التنظيم أنه شريك كبير في انتصار المقاومة العراقية.

رهان الآخرين وتوقعاتهم

من بين مجموعة السيناريوهات التي طرحها البعض لمستقبل العراق بعد الانسحاب الأمريكي، تم تصنيف سيناريو سيطرة القاعدة وحلفائها من الجماعات السنية على بغداد، وقيام نظام راديكالي إسلامي كآخر احتمال يمكن توقعه، ومع ذلك يبدو أن القوى الخائفة من مثل هذا السيناريو تريد القضاء عليه حتى وهو مجرد فكرة.

من جانب الولايات المتحدة، يلفت النظر أن أوباما شدد في خطته للتبكير بالانسحاب على أن القوات الأمريكية ستتحول خلال الفترة الانتقالية من القتال إلى دعم الحكومة العراقية وقواتها الأمنية، على أن تلتزم هذه القوات بالقيام بمهام محددة لمكافحة "الإرهاب" وحماية الجهود المدنية والعسكرية في العراق.

كما أشار بوضوح إلى أن بلاده ستساعد على تدعيم قدرات المؤسسات العراقية على حماية حكم القانون ومواجهة الفساد وتقديم الخدمات الأساسية للعراقيين، وهذا معناه أن واشنطن ستعمل على ضمان استمرارية سيناريو الوضع الراهن، وأنها لن تترك الحكومة العراقية القائمة تواجه القاعدة بمفردها.

من جهة ثانية، أشار أوباما إلى أن الولايات المتحدة ستعمل كوسيط أمين في مساعي التوصل إلى اتفاقيات عادلة ومتماسكة حول القضايا التي قسمت الزعامات العراقية، وهو التزام يدل على أن واشنطن ستلقي بثقلها لإنجاح المصالحة العراقية، حتى لو اضطرت للقبول بعودة قيادات من النظام السابق للعمل السياسي.

ومثل هذه المصالحة ستؤدي إلى تعميق عزلة القاعدة التي ينظر إليها كتنظيم دخيل على الساحة العراقية، بينما يُعتبر قادته والكثير من كوادره "أجانب" بالمعنى السياسي والقانوني للكلمة.

في هذا السياق يلاحظ أن المؤسسات الأمريكية، والتي طالما ضخمت من قوة القاعدة وتغلغلها في الأوساط السنية خلال وجود الرئيس جورج بوش في السلطة، هي نفسها التي تتحدث في الوقت الراهن عن هامشية دور التنظيم وافتقاده للتأييد الشعبي، بل ومحدودية عدد المنتمين له؛ ما يعني أن فرص حدوث السيناريو الأسوأ شبه مستبعدة في ظل التزامات أوباما المشار إليها.

لا يعني ذلك بالطبع أن الولايات المتحدة تتجاهل خطر القاعدة؛ فالحاصل أنها ما زالت تتحسب لدور مقبل للتنظيم، ولكن في نطاق بعينه، وهو تفجير الأوضاع الأمنية في مناطق التماس الطائفي الهشة، خصوصا في محافظة ديالي.
 
أما على مستوى الحكومة العراقية، فالوضع مختلف نسبيا، ففي ظل خضوع رئيس الحكومة لضغوط المجلس الإسلامي الأعلى بزعامة عبد العزيز الحكيم، والذي يمثل القوة الشيعية الرئيسية في البلاد، ستظل المصالحة الوطنية الشاملة محض شعار.

الحكيم يرفض بعناد أي مصالحة مع البعثيين ورموز النظام السابق، وهو متهم بشكل مباشر بالمسئولية السياسية عن عمليات تهجير طائفي نفذتها جماعات مسلحة موالية له، فضلا عن عمليات قتل على الهوية، وتعذيب منهجي نفذه منتمون لفيلق بدر بحق السنة.

في المقابل ترفض قوى المقاومة السنية الدخول في مصالحة مع النظام الحالي في ظل تركيبته التي يسيطر عليها الموالون لإيران، وتعتبر أن المصالحة الحقيقية لن تتم إلا إذا تم تطهير أجهزة الدولة ممن تتهمهم بالولاء للخارج، سواء كان المقصود بذلك القوى التي استظلت بالاحتلال، أو المرتبطة بطهران.

وفي المجمل تكشف قراءة مواقف القوى الرئيسية في العراق صعوبة التوصل إلى مصالحة حقيقية، وهذا يعني أن البيئة السياسية العراقية، وليس فقط الأوضاع الميدانية، لن تبخل على القاعدة بحلفاء أقوياء، حتى من داخل أطياف سياسية تبدو من الناحية النظرية مناقضة لها.

خبرة التاريخ وقوانينه

ومع التأكيد على أن العراق يملك خصوصية حضارية واجتماعية تمنحه فرصا كبيرة للخروج من المحنة التي صنعها الاحتلال، خصوصا أن سوابق التاريخ تشهد على ذلك وتدعمه (ثورة العشرين مثلا)، تظل المقارنة مع التجارب المماثلة أمرا مفيدا لمن يحاولون رؤية الصورة بشكل أكثر شمولا.

وبما أن الحديث عن مستقبل القاعدة يرتبط عضويا بمستقبل العراق نفسه، فإن مثل هذه المقارنة ينبغي أن تأخذ في اعتبارها أن هذا التنظيم -ومهما كانت المآخذ على منهجه العام ومواقفه تجاه الآخرين- يعد شريكا في المعركة التي شهدتها الساحة العراقية طوال سنوات الاحتلال، ومن ثم لا يمكن لمنصف أن يتجاهله في حسابات المستقبل المنظور.

في هذا الإطار يمكن الإشارة إلى تجربتين أساسيتين:

الأولى: هي التجربة الأفغانية خلال الجهاد ضد السوفيت وبعده.

أما الثانية: فهي التجربة الصومالية خلال فترة سيطرة المحاكم الإسلامية على مقديشو وبعدها.

لقد كانت المقاومة الأفغانية، تماما كالعراقية، تضم خليطا من الفصائل والقوى التي نجحت في الحفاظ على تماسكها ووحدة هدفها حتى تمكنت من فرض شروطها كاملة على المحتل السوفيتي، ولم تظهر الخلافات بين هذه الفصائل إلا بعد تحقيقها لهدفها الرئيسي، وكان ذلك طبيعيا باعتبار أن المجاهدين صاروا سياسيين يعبرون عن تنوع اجتماعي ومذهبي قائم على أرض الواقع.

أما في الصومال، والتي تختلف عن العراق من حيث انسجامها الديني والمذهبي والعرقي فحدث العكس؛ حيث تسبب التناحر القبلي في شيوع الفوضى والفقر، قبل أن تتمكن "المحاكم الإسلامية" من إعادة الاعتبار لفكرة السلطة الوطنية وبالذات في العاصمة مقديشو.

نجحت المحاكم في فرض حالة استقرار غير مسبوقة منذ انهيار نظام سياد بري في مطلع التسعينيات، لكن ذلك لم يرق لقوى دولية وإقليمية تدخلت لإنهاء تلك التجربة قبل أن تعود لاحقا وتحاول إعادة إنتاجها، ولكن بطريقة أفقدتها مزاياها الأساسية.

في العراق، لا يمكن للقاعدة أن تراهن على القبلية – كظهير شعبي- لكونها تصادمت بالفعل مع العشائر الكبرى في العديد من المواقع الرئيسية، كما أنها لن تلجأ للبعد القومي، حتى لو كان من بين الأساليب المتاحة لمواجهة إيران.

ومعنى هذا أنها ستبقى حبيسة الدائرة السنية، القابلة أصلا للاحتواء من جانب أطراف أخرى قادرة على تمثيل أبنائها سياسيا.

يتطلب هذا الاحتواء توافر مجموعة من الشروط التي يأتي على رأسها الخروج النهائي للاحتلال، ومن ثم حصول العراق على استقلال كامل، وتحرره من كل أشكال التدخل الخارجي، على أن يبقى البلد موحدا وقادرا على احتضان جميع قواه دون شروط، كتلك التي تصر عليها الحكومة الحالية.

أما إذا لم تتوفر هذه الشروط، فالبديل الأسوأ للسنة هو نجاح مشروع الفيدرالية، وهنا يتوقع أن يكون لدى القاعدة مجال حركة واسع، قد يمكنها في ظل انعدام الموارد المتاحة لمنطقة الحكم الذاتي السني وتماسه مع مناطق الالتهاب الطائفي، من تعميق وجودها ليس فقط كبديل عن سلطة مركزية تعود عليه العراقيون لآلاف السنين، وإنما كقوة تعويض مذهبي، وكطرف قادر على إبقاء أبناء الطائفة التي حكمت العراق منذ استقلاله في دائرة الأفعال، حتى لو كانت محصورة بين ما هو رمزي وما هو دموي.. وهنا بالضبط يكمن الخطر.


صحفي وباحث.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات