|
| أوباما في مؤتمر صحفي مع عبد الله جول |
القيمة الحقيقية لما سعى أوباما لتحقيقه عبر زيارته لتركيا وما طرحه أثناءها، مرتبطة برؤية ذلك في إطار أوسع يشمل ما ظهر من "ملامح تغيير" في التعامل الأمريكي مع المنطقة الإسلامية عموما، والذي قد يتخذ تدريجيا صيغة "إستراتيجية" أمريكية جديدة شاملة تجاه العالم الإسلامي، لا يتراجع فيها البعد العسكري كثيرا عما كان عليه، بل قد يحظى بتركيز أكبر ينفتح له المجال بقدر ما يتحقق من تخفيف معدلات تصادم المصالح مع القوى الدولية الأخرى.
إن لهجة الخطاب السياسي الأمريكي تجاه العالم الإسلامي والمسلمين والإسلام هي التي تبدلت مع حلول أوباما مكان بوش الابن، أما الخطوات العملية التي اتخذها حتى الآن فبقيت أقل من "جزئية"، ناهيك عن أن تكون كافية لإحداث تغيير حقيقي في العلاقات، أو إيجاد ما يسمح بالاطمئنان إلى مستقبل السياسة الأمريكية عموما.
وإن قيل بوجوب الانتظار زمنا كافيا لرؤية ما سيصنعه أوباما من تغيير سياسي إذا كان يريده حقا، وجبت ملاحظة أن ما قال به -وليس ما يصنعه فقط- أقل مما ينبغي، ويظهر عند التمعن فيه أنه في حدود الاستعداد للتراجع عن مواقع خاسرة، مع التمسك بأخرى، ومحاولة تجنب الخسارة فيها، وربما التركيز على جبهات جديدة نسبيا.
هذا علاوة على أن ما صنعته الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن قد سبب من الضحايا والخسائر على الجانب الإسلامي ما لا يمحوه أسلوب "عفا الله عما سلف"، دون أن يقترن بإقرار صريح، وحساب دقيق للمسئولين الأمريكيين، وتعويضات يغيب الحديث عنها، وهي لو قدمت فعلا، فمهما بلغ حجمها لا توازي شيئا يذكر من قيمة لا تقدر بثمن، لما سُفك من دماء طاهرة، وأُزهق من أرواح بريئة، ودُمّر من أسباب مادية لبناء المستقبل.
الخطاب الانتخابي لا يصنع تغييرا
حرص الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلال زيارته الأخيرة لتركيا، وفي بعض مناسبات سابقة، على تأكيد أنه يمد يده إلى العالم الإسلامي لبدء صفحة جديدة، تنهي حقبة ثماني سنوات مضت في عهد سلفه بوش الابن، ويوحي هذا الحرص بصدق النية، ولكن ينبغي ألاّ يغيب عن الأذهان أن عمر السياسات الأمريكية المعادية للمنطقة الإسلامية لا يقتصر إطلاقا على تلك السنوات الأشد إجراما من سواها، فليس المطلوب مجرد العودة إلى ما كانت عليه السياسة الأمريكية في عهد كلينتون أو من سبقه مثلا، بل المطلوب أن تتغير من الجذور، فتنزع عن نفسها صفة العداء على كل صعيد.
ولا يمثل العالم الإسلامي جمهورا في جولة انتخابية، ليتحقق كسب ود الشعوب من خلال القدرة على الخطابة وحسن اختيار العبارة، وهذا ما يتقنه أوباما دون ريب، إنما يمثل العالم الإسلامي قضايا مصيرية، وبلدانا استهدفت وما تزال بنشر الفوضى الهدامة، وصراعات ساهمت السياسات الأمريكية -في عهد بوش الابن ومن قبله- في إشعالها أو تعزيزها، وقد جعلت من بعض تلك البلدان ساحة حروب عسكرية إجرامية، ومن بعضها الآخر ساحة استغلال اقتصادي رهيب، ولا تزال الجيوش الأمريكية تقاتل، ولا تزال القواعد العسكرية الأمريكية قائمة، ولا تزال مواطن الاستغلال تفعل فعلها المدمّر، بدءا بما يسمى الشركات الأمنية انتهاء بالشركات العملاقة، فتعيث في البلدان الإسلامية فسادا، حتى أصبح ثالوث الهيمنة الأجنبية والاستبداد الداخلي والفساد المشترك أخطر حاجز في وجه تحقيق الأهداف الشعبية المشروعة، في التقدم والنهوض، وفي العدالة القائمة على حقوق ثابتة، وفي قيام أنظمة حكم تراعي إنسانية الإنسان وحريته وكرامته.
إن الإمساك بيد أوباما الممدودة يفرض عليه هو إصلاح ما مضى، أي يفرض "التغيير" على حد تعبيره، وليس مجرد الامتناع عن متابعة "بعض" ما مضى، لاسيما أنه يركز في ذلك على الميادين التي ظهرت فيها استحالة المضي على النهج السابق، كما في العراق، بينما لا يسري ذلك على ميادين أخرى، كما في قضية فلسطين.
ملامح المسئولية الأمريكية
لا مجال لحديث مفصل عن ميادين التغيير الواجب، إنما يمكن تحديد ملامح عامة على ضوء ما ظهر حتى الآن من "أقوال" على لسان أوباما، وبعض الخطوات العملية التي رافقتها، لرؤية بعض جوانب الدور التركي المنتظر أمريكيا على ضوء ذلك:
1- تحمل واشنطن المسئولية الكاملة عن جميع ما يرتبط بالعراق، داخليا وإقليميا، فإن كان الانسحاب العسكري من العراق آجلا أو عاجلا، يوقف نزيف الدم الأمريكي على أرضه، ويخفف من ثقل النفقات على الاقتصاد الأمريكي المنهار، فقضية العراق تفرض على واشنطن تحمل مسئوليتها الآن كقوة احتلال، وأن توجد مع الانسحاب: (1) الضمانات الكافية لقيام حكم جديد ينبثق من إرادة الشعب بجميع طوائفه وفئاته، دون قيد ولا شرط، ودون تدخل أجنبي، كما تفرض عليها (2) محاسبة المسئولين الأمريكيين، السياسيين والعسكريين، محاسبة قضائية شاملة، على ما ارتكبوه في العراق، وتفرض عليها (3) تعويض العراق ماليا عن خسائره المادية ليستعيد قدرته على النهوض من جديد.
وليس في جميع ما قاله أوباما ما يتجاوز حدود انسحاب عسكري على مراحل، وليس فيما يريده من تركيا تحديدا ما يتجاوز حدود المنظور الأمريكي للمصلحة الأمريكية لا العراقية، سواء على صعيد تأمين أرض تركية لتنفيذ عملية الانسحاب العسكري، أو على صعيد تعزيز قوة إقليمية محلية توازن القوة الإقليمية الإيرانية التي ساهمت الحرب الأمريكية قصدا أو دون قصد في تنامي دورها داخل العراق وخارج حدوده.
2- وتحمل واشنطن المسئولية الكاملة عن جميع ما يرتبط بأفغانستان، مع تأكيد رفض وسائل العنف غير المشروع الذي يتجاوز حدود ما تفرضه المقاومة المشروعة، ولابد من التأكيد أيضا أن اللجوء إلى هذه الوسائل أو ما انتشر وصفه بالإرهاب، كان رد فعل على السياسات الأمريكية وليس العكس، وأن توسع نطاق الظاهرة وازدياد انتشارها كان من إفرازات تصعيد العدوان الأمريكي، ولن ينفع في مواجهتها الآن مزيد من التصعيد العسكري، وإن جرت التغطية عليه بعناوين التحرك على صعيد "إجراءات دعم مدني" ولاسيما أن هذه الإجراءات تقتصر حتى الآن على قيام القوات الأجنبية بإيجاد قوى عسكرية وأمنية محلية لتقوم بما لم يتمكن الاحتلال الأجنبي من تحقيقه.
ويريد أوباما من تركيا أن تساهم إسهاما أكبر (يرفضه الأوروبيون) في الأعمال العسكرية في أرض أفغانستان، وأن يكون وجهها "الإسلامي" واجهة قد تجد قبولا لدى الأفغان فيما يبذل من محاولات غربية لتجنب اكتمال الهزيمة الأمريكية والأطلسية لو عاد حكم طالبان فعلا، بعد الرحيل المحتم للقوات الأجنبية، آجلا أو عاجلا.
3- وتحمل واشنطن مسئولية كبرى عما جرى ويجري على صعيد قضية فلسطين، منذ النكبة الأولى حتى اليوم، ولا يمكن هنا الحديث عن أي تغيير كلامي ولا فعلي في عهد أوباما، وإن من باب التضليل القول بضرورة الترحيب أو الإشادة بموقف أوباما إذا ما انطوى على معارضة ما يطرحه اليمين الإسرائيلي المتطرف، فالانحراف الأمريكي عن مراعاة العدالة في قضية فلسطين لا يكمن في تأييد "مزيد من التعنت الإسرائيلي" أو عدم تأييده، بل يكمن في أصل ما يُطرح أمريكيا منذ عشرات السنين، وآخر محطاته المنحازة هو ما يريد أوباما تصويره الآن "اعتدالا أمريكيا" تحت عناوين حل الدولتين وفق "رؤية" سلفه، و"خارطة الطريق" التي ورثها عنه، و"مؤتمر أنابوليس" الذي سبقه ولحقه المزيد من الإجرام بحق فلسطين والفلسطينيين.
الأهم من ذلك أن السياسات الأمريكية فلسطينيا أفلست على الصعيد الجماهيري في الساحة العربية والإسلامية، وبات من المستحيل الاعتماد عليها، وعلى مرتكزات سياسية سابقة للتخلص من المقاومة الفلسطينية وما أوجدته من وقائع جديدة على الأرض، وهنا يريد أوباما من تركيا أن تكون بوابة لتحقيق ما تطرحه السياسات الغربية لتصفية القضية تحت عناوين السلام و"التطبيع" وحل الدولتين.
ولئن استجابت "تركيا أردوغان" فسوف تقع طواعية في فخ بالغ الخطورة على تركيا نفسها إقليميا، وستخسر ما كسبته مؤخرا من "إعجاب وتأييد" على المستوى الشعبي التركي، والعربي والإسلامي، نتيجة بعض المواقف المختلفة عما كانت عليه سياسات تركيا قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، وإن استمر مفعول نتائج بعضها حتى الآن.
4- ويسري شبيه ما سبق بدرجات متفاوتة تفاوتا طفيفا على حسب الظروف المكانية والزمانية، على السياسات الأمريكية في مختلف المواقع الأخرى من العالم الإسلامي، كالسودان والصومال، ولبنان وسوريا، وإيران والخليج، فالقاسم المشترك الأعظم بينها، لا يكمن في اختلاف أسلوب التواصل والحوار الذي يركز أوباما عليه عن أسلوب الإملاء المتعجرف في عهد سلفه، بل يكمن في أصل التدخل الأمريكي في شئون المسلمين شعوبا وحكاما، مع اعتماده حتى الآن على دعم من يخدم المطامع الأمريكية، وليس من يخدم مصالح الشعوب الإسلامية، وهنا موضع التغيير إذا أراد أوباما تحقيق تغيير، فقد أصبح هذا التدخل إحدى العقبات الكبرى إلى جانب الاستبداد المحلي، في وجه تحقيق إصلاح جذري حقيقي للأوضاع السياسية وغير السياسية على امتداد البلدان الإسلامية.
ولئن كان أوباما راغبا في أن تقوم تركيا بمزيد من الأدوار على هذه الأصعدة، فإن المطلوب من تركيا أن يكون تحركها مقترنا بالحرص الشديد على هدف الإسهام في تحرير المنطقة من كل شكل من أشكال التدخل الأجنبي، ومن كل شكل من أشكال الاستبداد المحلي، وتجنب الإسهام في ترسيخ "حقبة جديدة" للاستمرارية على هذا وذاك، مع بعض "الرتوش" للخطاب الكلامي دون المضمون الفعلي.
الدور التركي بمنظور أوباما
لقد استلم أوباما زمام السلطة في بلده في فترة بات "التراجع" فيها عن عسكرة الهيمنة العالمية هدفا مفروضا أو اضطراريا، سواء كان الاضطرار إليه بسبب الهزائم العسكرية بمعيار عدم القدرة على تحقيق الأهداف السياسية حربا، أو كان بسبب العجز المالي عن المواصلة في طريق عسكرة الهيمنة، وبهذا المنظور يتحول مدخل تركيا في سياسة أوباما إلى محاولة الاعتماد على قاعدة إقليمية، بما يجعل تنفيذ هذا التراجع الاضطراري بأقل الأضرار ما أمكن ذلك.
وبتعبير آخر: إن التراجع عن مواقع والاحتفاظ بأخرى من مواقع الهيمنة الأمريكية في المنطقة، أو التراجع العسكري جزئيا مع الحفاظ على مرتكزات النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني، يحتاج بمنظور أوباما إلى "وجه إسلامي" يتوارى الوجه الأمريكي وراءه، لتجد اليد الممدودة للحوار قبولا، وإن لم يكن في مضامين الحوار ما يوصل إلى الامتناع عن التدخل الأمريكي من حيث الأساس.
وتزامن تحرك أوباما باتجاه تركيا مع تطور ملحوظ في لهجة الخطاب السياسي التركي أيضا، بل إن معالم تطور جديد في السياسات الإقليمية لتركيا سبقت بظهورها ما بدأ أوباما يطرحه تدريجيا حول حقيقة "التغيير" الذي يريد إدخاله على السياسات الأمريكية في المنطقة، وواضح أنه يعود في بعض الجوانب إلى أطروحات سابقة في معاهد الأبحاث الأمريكية عندما يختار المدخل التركي إلى المنطقة الإسلامية، وفقا للطرح القائل إن تركيا التي جمعت بين علمانية الدولة والجذور الإسلامية لحزب العدالة والتنمية، هي "النموذج" الأفضل بمنظور الغرب للدول الإسلامية على وجه التعميم.
ويحسن هنا استحضار التعامل التركي مع تنصيب رئيس الوزراء الدنماركي أمينا عاما لحلف شمال الأطلسي، وما يعنيه ذلك من تثبيت مفعول "التوجه الإسلامي" في إطار "الانتماء الأطلسي"، وكذلك استحضار ما يشير إليه اختيار أوباما لتركيا لتكون من محطات جولته "الأوروبية" الأولى، مؤكدا رؤيته لانتمائها الأوروبي، كما يحسن استحضار موقف أردوغان المتميز أثناء الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة، وآخر فصوله في منتدى دافوس، ثم يمكن على ضوء ذلك التساؤل:
هل يريد أوباما الاعتماد على دور إقليمي تركي متميز (ينطوي) على العناصر المذكورة بما فيها التوجه الإسلامي والموقف من قضية فلسطين؟ أم يريده (رغم) هذا وذاك، مع السعي بأسلوب العناق للحد منهما معا؟.
يبقى الجواب في حدود التكهنات ما بقيت سياسة أوباما في قضية فلسطين تتأرجح بين الصمت؛ حيث ينبغي إعلان موقف، والاستمرارية على ما كانت عليه سياسات أسلافه دون تغيير يذكر؛ حيث ينبغي اتخاذ خطوة إجرائية عبر جهاز أو هيئة ما، كما ظهر من مسلسل تكرار المواقف الأمريكية المنحازة عبر مجلس الأمن الدولي، وما يسمى اللجنة الرباعية، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ولكن الأهم من ذلك:
إذا كانت حقيقة التغيير وحدوده في سياسة أوباما موضع اهتمام عربي وإسلامي، فإن الأجدر باهتمام أكبر وأعمق هو حقيقة التغيير وحدوده في سياسة تركيا إقليميا.
يمكن أن تتحول تركيا إلى حصان طروادة لسياسة أمريكية قائمة على شقين: الخطاب السياسي الودي، والمضمون السياسي القائم على استمرارية الهيمنة، وتحويلها إلى "هيمنة ناعمة" بعد إخفاق عسكرتها.
ويمكن أن تتحول تركيا إلى قوة إقليمية تساهم في نهوض المنطقة الإسلامية للتعامل مع العالم الغربي، بأجنحته الأمريكية والأوروبية والروسية على أساس المصالح المشروعة المتبادلة، والخالية من المطامع والنفوذ، والساعية إلى تحرير إرادة الشعوب من الاستبداد المحلي والاستبداد الدولي.
وإذا كان النموذج التركي يحظى بإعجاب الغرب، من حيث الجمع بين العلمانية والإسلام، فالمفروض أن يحظى بإعجاب الحكومات الإسلامية الوجه الآخر من النموذج التركي القائم على فرض تعامل الأنداد على الغرب، وتحويل لغة المصالح المتبادلة إلى لغة بديلة عن علاقات النفوذ والتبعية، ولا يبدو أن هذا قابل للانتشار في البلدان الإسلامية الأخرى، ما لم يقترن بالاعتماد على إرادة الشعب أولا، فهذا في مقدمة ما يميز سياسة حزب العدالة والتنمية في تركيا.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|