|
| الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة |
اعتبر عبد العزيز رحابي، وزير الإعلام الجزائري السابق، أن الانتخابات الرئاسية الجزائرية المقبلة في 9 إبريل 2009 قد كرست السلطة مدى الحياة، وأن تعديل الدستور لرئاسة غير محددة أخل بالانتخابات التنافسية وبمبدأ التداول على السلطة. ورأى أن ذلك سينعكس على مستقبل الجزائر من حيث الوضع الداخلي بإغلاق باب الحوار بين السلطة والشركاء الاجتماعيين والسياسيين. وخارجيا، فلا تغيير يذكر على علاقات الجزائر الدولية وخاصة مع فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، ولا تعزيز لعلاقات نوعية مع الصين من شأنها أن تحفظ مصالح الجزائر بتنويع علاقاتها الخارجية. ولم يبد رحابي تفاؤلا في مستقبل الاتحاد المغاربي كتجمع إقليمي اقتصادي نظرا لتشابه البنية الاقتصادية لدى دول الاتحاد.
عبد العزيز رحابي، دبلوماسي تولى مناصب بالخارجية، كان سفيرا للجزائر في أسبانيا، والمكسيك، وأمريكا الوسطى، ثم تولى وزارة الإعلام في حكومة إسماعيل حمداني، أول حكومة في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في عام 1999، وأقاله الرئيس بوتفليقة – حسب شائعات آنذاك - لوقوفه وراء "تسريب" مشروع ميثاق السلم لأجل المصالحة الوطنية لبعض الصحف المستقلة، ولا زال رحابي يعارض هذا القانون ويطالب بالحقيقة والعدالة ثم الصفح كما جرى في تجارب دولية مماثلة.
وفيما يلي نص الحوار:ـ
* معالي الوزير.. كل المؤشرات تعطي اسم الفائز بالانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في 9 إبريل 2009، فما هو انعكاس هذه الانتخابات على الوضع الداخلي من حيث التنمية؟
عندما اختار الرئيس تغيير الدستور بفتح سقف العهدة الرئاسية، فهو فتح إمكانية رئاسة الجمهورية مدى الحياة؛ فاختلت الانتخابات، لأن الدستور السابق 1996 كان نتيجة مشاورات سياسية بين رئيس الجمهورية والأحزاب السياسية والمجتمع المدني، وكان هناك إجماع وطني حول ضرورة التداول على السلطة.
وتصورنا أننا الاستثناء في المنطقة العربية حيث السلطة عهدة دائمة والسلطة تورّث، وأملنا أن تفرز الأزمة الجزائرية التداول على السلطة وتغلق كل الأبواب لما يسميه الجزائريون (التزعم). والآن عندنا رئيس جمهورية قرر أن يغير هذا الدستور بترشيح رئيس الجمهورية مدى الحياة.. وهذا باعتقادي وباعتقاد الكثير من الجزائريين قتل الانتخابات؛ فهو المترشح الوحيد لرئاسة الجمهورية مدى الحياة.
والشعار لهذا الترشيح أن على الرئيس استكمال مشاريعه التي لم تنته في العهدتين الماضيتين، فالمنطق يجعلنا نفكر بمحاسبة رئيس الجمهورية لعدم استكمال مشاريعه في عشر سنوات، خاصة وأنه كان يملك الوقت والإمكانيات. وعوضا عن محاسبة رئيس الجمهورية والحكومة على عدم إنهاء هذه المشاريع، ونسأل مثلا: لماذا لم ننجز ولا مستشفى واحدا في العاصمة، ولماذا تفاقمت الرشوة وأصبحت عادية في المجتمع الجزائري، ولماذا كل هذا الفساد؟. وإعطاء رئيس الجمهورية تفسيرا للجزائريين عن هذا الوضع، اختار أن يزيد عهدة ثالثة، ليكمل المشاريع التي لم تنته.
ومن حيث التنمية الاقتصادية، لم يتغير شيء. الوضع بالجزائر مثل كل الدول التي لديها دخل أساسي من البترول والغاز، وعندها صناعة متوسطة وضعيفة، والحل ليس في الصناعة الكبيرة، والاستثمارات الكبيرة، إنما الحل أساسا في الموارد البشرية والصناعات الصغيرة والمتوسطة. وكل الخبراء الجزائريين والأجانب منذ الاستقلال كان رأيهم أن الحل في الصناعة الصغيرة والمتوسطة عبر تكوين ورشات صغيرة، ذات تكنولوجيا بسيطة غير مكلفة، فهي توفر مناصب عمل تمتص البطالة التي وصلت عندنا إلى 30% من القادرين على العمل، ونعرف دولا كبيرة تقدمت بالصناعات الصغيرة والمتوسطة مثل كوريا الجنوبية. لكن مشكلتنا في الجزائر أن رئيس الجمهورية وطاقمه لم يضعوا إستراتيجية واضحة للجزائريين لكي يستثمروا، ولا للأجانب لأنهم لم يستثمروا حتى يومنا هذا في الجزائر.
وأعتقد أن الجزائر في حاجة إلى طبقة سياسية نزيهة أولاً، لأن الفساد عم الطبقة السياسية والمجتمع، وثانيا القيام بإصلاحات سياسية واقتصادية جذرية، وأقول جذرية –رغم أنها تخيف النظام- لأن المشاكل ضخمة والحلول لازم أن تكون جذرية.
ورئيس الجمهورية بوتفليقة لا يستطيع أن يقدم حلولا، وذلك لعدة أسباب، فهو رجل شعبوي يحب كسب ود الناس، وكل رؤساء الدول المتخلفة الذين يحبون البقاء في السلطة يحبون كسب ود الناس؛ فيوزعون خيرات الخزينة على الشعب عوضا أن يستثمروها في تكوين الشعب وتوفير مناصب عمل لحل مشكل اليوم، فيما الغد يبقى مجهولا، أي إنهم يعطون سمكة للشعب بدلا من تعليمه صيد السمك.. مع الأسف هذا حالنا.
* ولكن البعض يقول أن مراكز السلطة في الجزائر غير محتكرة من طرف أو جناج واحد.. فلم نحمل الرئيس وحده المسئولية؟
في تقديري الرئيس بوتفليقة يريد السلطة، وكرس كل جهده وذكائه وعبقريته في تقوية سلطته. وأعتقد أن السلطة في يد الرئيس بوتفليقة، لأننا في وضع ترجع فيه السلطة تلقائيا إلى يد رئيس الجمهورية حيث خرجنا من الأزمة الأمنية تدريجيا، وبالتالي كلما تقلصت الأزمة الأمنية تتقوى السلطة المدنية لرئيس الجمهورية، وهذا طبيعي في كل الأنظمة في العالم.
* في حصيلة عهدتين للرئيس بوتفليقة، أعطى رئيس الحكومة أحمد أويحيى ورئيس البرلمان صورة مشرقة عكس ما تقولون.
من حق رئيس البرلمان أن يعطي الصورة كما يشاء، ولكن رئيس البرلمان الذي عاش زلزال بومرداس، وفيضان باب الواد، وفضيحة بنك خليفة، وقضايا الفساد والرشوة التي نشرتها الصحافة، لم يعين لجنة برلمانية واحدة فقط حسب ما يخول له القانون للتحقيق في هذا، وبعدها تفتح دعوة قضائية فتتوقف لجنة البرلمان لتأخذ العدالة مجراها وفق فصل السلطات، هو لم يوظف صلاحياته، بل إنه جامل الرئيس، ولم يمارس البرلمان مهمة مراقبة السلطة التنفيذية.
* هل نفهم معالي الوزير أن لا جديد سيطرأ على الجزائر بعد الانتخابات 2009؟
العكس هو الصحيح.. من ناحية الثقافة السياسية قد تتكرس ثقافة سياسية خطيرة، هي السلطة مدى الحياة، ليس فقط على مستوى رئاسة الجمهورية، بل على مستوى البلديات بل وعلى كل المستويات. فالسهولة التي غيّر بها الرئيس بوتفليقة الدستور شيء رهيب، دستور صّوت عليه الشعب في عام 1996، ويأتي رئيس الجمهورية ليغيره في 15 دقيقة، ويكرس رئاسة مدى الحياة، وبالتالي الثقافة السياسية السائدة اليوم في الجزائر أنه ما دام الرئاسة مدى الحياة، وما دامت جماعة النفوذ هي نفسها، فكيف نتداول على السلطة، وأين المنافسة السياسية، وكيف تكون الرقابة؟.
* كيف تنعكس الانتخابات على أبرز التحديات الداخلية في الجزائر كالوضع الاجتماعي خاصة وأننا شهدنا سلسلة احتجاجات بعدة ولايات مؤخرا؟
الاحتجاجات في الشارع على أوضاع مثل عدم وجود الكهرباء في قرية ما أو حراقة موظفين وأطباء ومعلمين.. هذا لا يدل على أزمة اقتصادية فقط، وإنما على انسداد قنوات الحوار، وهذا هو الخطر.
في أوج الأزمة الأمنية في التسعينات بالجزائر كانت السلطة تتحاور مع المعارضة، وتتحاور مع النقابات والطلبة، ولم تدع الشارع ليكون ساحة حوار. الوضع الآن راجع للانسداد السياسي، وإغلاق وسائل الإعلام؛ فأصبح الشارع مكانا للاحتجاج، وهذا حق للمواطن.
ولكن عندما نعطى الكلمة للمواطن وللأحزاب وللمجتمع المدني وللسلطة ونخلق توازنا ونعطي فكرة للجزائريين بأن هناك مجتمعا مدنيا وأن هناك دولة ومعارضة ومجتمع له مشاكل، ونحاول إيجاد الحلول بشكل حضاري بالتشاور.. هذه الآلية مفقودة في الجزائر خلال العشر سنوات الماضية، وأصبح الشارع ساحة الحوار الأساسية.
* خلال العهدة الأولى للرئيس بوتفليقة كانت أحداث منطقة القبائل هي الأبرز، لكنها خمدت بعد ترسيم اللغة الأمازيغية لغة وطنية، وهناك من يطالب بترسيمها لتكون لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية.. هل هذا يقلق الرئيس القادم؟
للأسف الشديد، كل قطيعة تكون بالعنف، ترسيم الأمازيغية كان نتيجة أحداث القبائل، مع أنه كان ممكن أن يكون تلقائيا، وتدريجيا، وبطريقة طبيعية. لكن ترسيم الأمازيغية جاء بفضل أحداث راح ضحيتها 120 شخصا ماتوا في أحداث القبائل. وللأسف هذا هو تاريخ بلادي المعاصر؛ فكل قطيعة فيه تكون بالعنف، وليست تدريجية وطبيعية، ولو كانت قنوات الحوار مفتوحة لما حدث ذلك.
* ذكرتم أن أحداث القبائل كانت نتيجة انسداد قنوات الحوار.. فهل تتوقعون في ظل ما وصفتموه بانغلاق الحوار نشوب عنف لترسميها لغة رسمية؟
هذا راجع فقط إلى عامل سياسي، أما تطور الجزائر يكون طبيعيا وتدريجيا وديمقراطيا؛ فيأتي يوم تترسم فيه الأمازيغية لغة رسمية بعد حل مشكلة الحرف الذي تكتب فيه، فأناس يطرحون كتابتها بالحرف اللاتيني، وآخرون يريدون حرف التفناغ، وهناك من يرى الحرف العربي. والأخير برأيي هو الأقرب للجزائريين بحكم التلاحم العربي – الأمازيغي.
ولكن مؤشرات ذلك غير متوفرة حاليا. وقد علمني التاريخ خلال الخمسين الأخيرة بالجزائر أن القطيعة تولد الترسيم عبر العنف. وأوضح هنا أنني عشت في بلاد القبائل، وأدرك أن كل الجهود السياسية والثقافية والعلمية التي قام فيها دعاة ترسيم الأمازيغية إلى لغة وطنية فشلت إلى حد ظهور العروش، وبالتالي أصبح العنف هو الحل مع الأسف الشديد هو الثقافة السائدة في المجتمع الجزائري.. وهذه مسئولية الحكام منذ عام 1962 إلى يومنا هذا.
* حصلت المصالحة الوطنية في ظل هذه الأوضاع، وهي بدأت بقانون الرحمة عام 1995، وتبلورت في ميثاق السلم من أجل المصالحة الوطنية عام 2005، ولا زالت هناك جيوب مسلحة.. ما حال المصالحة بعد الانتخابات؟
في عام 1999 صرحت بأنه "مهما كان القرار السياسي الذي تأخذه السلطة ومهما كانت السلطة، إذا لم يكن الخطاب موجه للشعب الجزائري فلن يجدي، لازم أن نقول للشعب الجزائري اليوم وبجرأة، بفضلكم رجع السلم وليس بفضل الجيش ولا بفضل بوتفليقة، بفضل الشعب الجزائري، بفضل التضحيات بفضل المعلمة والموظف والشرطي والجندي والصحفي رجع السلم. وبالتالي من الناحية البيداغوجية والناحية الأدبية هناك غلطة أعتبرها إستراتيجية في الخطاب السياسي بخصوص المصالحة، ألا وهي تصوير السلم وكأنه تم بفضل الرئيس أو بفضل الجيش.
ويصور الرئيس أن السلم رجع منذ قدومه إلى السلطة، قال ذلك وزير الداخلية زرهوني "منذ مجيء رئيس الجمهورية إلى السلطة 1999 رجع السلم". والأمر الأكيد أن السلم رجع بفضل التضحيات لكل من المدنيين والعسكريين. والعسكريون هم أقلية بالنسبة للمدنيين فيما يخص ضحايا الإرهاب. ناهيك عن توظيف المصالحة سياسيا اليوم لفائدة أشخاص ما وجماعات ما، الأمر الذي قلص من صدى المصالحة لدى المجتمع.
ولا يزال الإرهاب موجودا في الجزائر لأن تجنيد المواطنين ضعف، والخطاب الرسمي يقول: "الإرهابيون معززين مكرمين"، جعل المواطنين يتساءلون: لماذا نعاون مصالح الأمن إذن، فهؤلاء الذين نزلوا من الجبل معززين مكرمين ولا يحاكمون ولا يعاقبون ويرجعون للمجتمع.
* هل كان حل آخر لديهم؟
الحل الحضاري، أي لابد من محاكمة الإرهابي، ومحاكمة المتورطين، ثم ليكن من حق رئيس الجمهورية بعد ذلك إصدار عفو عنهم، لأن محاكمة الإرهابي يعزز دولة القانون أولا، وهي أمر أساسي في المعالجة النفسية لضحايا الإرهاب ثانيا.
* ميثاق السلم حمّل جبهة الإنقاذ مسئولية أزمة العنف، والعلاقة بين السلطة والإنقاذ لا زالت بين شد وجذب حسب أطراف الإنقاذ المتعاملة مع السلطة... كيف التعامل مع الإنقاذ بعد الانتخابات؟
التاريخ يحكم على قيادة جبهة الإنقاذ، وأنا عشت فترة العنف، والتاريخ سيحكم بأن كل الجهود التي بذلها الرئيس زروال كي يوقعوا على وثيقة لنبذ العنف لم تجد صدى لدى كل من عباس مدني وعلي بلحاج اللذان يمثلان الجبهة الإسلامية للإنقاذ آنذاك. هم عندهم مسئولية تاريخية في استمرار العنف بعد عام 1995 لأنهم رفضوا حتى إدلاء تصريح واحد ينبذون فيه العنف.
كان الخلاف يومذاك من بدأ العنف، والإنقاذ تعتبر السلطة هي من بدأ العنف بإلغاء نتائج انتخابات عام 1991
السلطة قالت تعالوا نتفاوض على وثيقة، وأنا اطلعت على وثيقة تقول أن على السلطة والجبهة نبذ العنف، والدخول في إطار اتفاق سياسي. ولكن عباس مدني وعلي بلحاج لم يعرفا وزن جبهة الإنقاذ داخل المجتمع بعد الأزمة.. الناس تغيرت نظرا للظروف الجديدة، والمسئول السياسي ضروري أن يتعلم متى يتنازل إذا أحب ممارسة السياسة، ففي ظرف ما تتفاوض، وفي ظرف معين تأخذ موقفا سياسيا.. هذه مسئولية مدني وبلحاج مسئولية تاريخية.
* تُحسبون معالي الوزير على ما يسمى بالتيار الاستئصالي ضد الإسلاميين، لكن الوعاء الإسلامي موجود وهو قوة لايستهان بها وغير مستوعبة في الأحزاب الإسلامية المعتمدة، فهل تعتقدون بعد الانتخابات أن توجد لهؤلاء طريقة رسمية للتعبير؟
العنف ليس من سمة الإسلام، الإسلام دخل آسيا بالتجارة، ودخل إفريقيا بالقدوة الحسنة. إن استئصال العنف أساسي في إرساء دولة القانون مهما كان لون الدولة، علمانية أم إسلامية أم وطنية.
وأنا لا أؤمن بهذه التصنيفات التي دخلت المجتمع الجزائري خلال أزمة العنف، مثل الإسلامي لا يكون ديمقراطيا أو العكس، والوطني لا يكون إسلاميا أو العكس.. هذه تصنيفات لا تخدم الجزائر ولا تخدم المصالحة. وأنا أجد عند بعض الإسلاميين أفكارا لا أجدها عند الديمقراطيين والعكس صحيح، وبالتالي هذا التصنيف غير الطبيعي والمفبرك في مخابر خارجية شتت المجتمع الجزائري من الداخل.
ما الفرق بيني وبين آخر إسلامي؟ أولا الإسلام رصيدنا جميعا وهو القاسم المشترك بيننا، لكن غير المشترك أنني أرفض العنف عكس عباس وبلحاج، أنا لا أؤمن أن الأمور بالجزائر تتغير بالعنف، والوعاء الإسلامي بالجزائر ليس حكرا على مدني وبلحاج.. هذا رصيد حضاري لكل الجزائريين، ونحن الآن خرجنا من الأزمة. وفي عام 2009 أصبح ذاك من الماضي، ولا يمكن البناء عليه الآن.
* على مشارف العام 2010 كيف يكون تعامل السلطة مع جبهة الإنقاذ؟
ولماذا الإنقاذ؟ التيار الإسلامي في الجزائر ليس حكرا على الإنقاذ. جبهة الإنقاذ وجدت في ظروف معينة، وقيادتها لم تكن مؤهلة سياسيا، وليس عندهم الحنكة السياسية ولا البعد الإستراتيجي ليعرفوا التوظيف السياسي لهذا الحظ الذي أعطاه لهم الله في ظروف أزمة الجزائر. هذه مشكلتهم وليس مشكلة الجزائر.
ونتذكر مثالا لذلك، في الجزائر كان حزب الشعب قبل جبهة التحرير، وكان له دور كبير في توعية الشعب الجزائري، ولكن الحزب لم يستطع اتخاذ موقف في عام 1954؛ فجاءت جبهة التحرير وقادت كفاح الجزائريين. وأقصد ألا نبقى رهينة الماضي، وإلا لن نخرج من الأزمة، علما بأن الوعاء الإسلامي ثابت من زمن الثورة وحتى اليوم، وهو ليس حكرا على حزب معين.
* تتخوف الحكومة من عزوف الناخبين عن صناديق الاقتراع.. كيف ينعكس ذلك خارجيا؟
كيفما كانت نسبة المشاركة منخفضة أو مرتفعة، فالنتائج لا تشكل إحراجا للسلطة أو للرئيس شخصيا، لأنه عدل الدستور على المقاس. وعلى المستوى الخارجي هو يعرف جيدا أن الغرب يبحث عن مصالحه قبل كل شيء، وبالتالي طالما يضمن مصالح الغرب التجارية والتعاون الأمني مع الغرب؛ فليس لديه أي حرج مع الغرب مهما كانت نسبة المشاركة، يجعلها زرهوني 80%، وهو يفوز بأكثر من 90%، فالنسبة إدارية لا أكثر.
* هل هذا إقرار مسبق بالتزوير؟
إنسان يحب البقاء في السلطة بلا استشارة شعبه، وعمره 70 سنة، ولا يفكر مرة واحدة بالتداول على السلطة، ولا يفكر مرة واحدة بأن هناك جيل ساهم في استقلال الجزائر. ضروري أن يعطي المشعل إلى جيل ثان، جيل الاستقلال، وإلا سينتقل مباشرة إلى جيل أكتوبر 1988، حيث يوجد جيل حلقة بين جيل الثورة والجيل الصغير الذي عاش مظاهرات أكتوبر 1988، وعاش الإرهاب، والحرقة (الهجرة السرية بزوارق الموت) وجيل الحلقة هو جيل عمره فوق الخمسينات، وبالتالي تنظيم السلطة تدريجيا من جيل الثورة إلى جيل الاستقلال إلى جيل أكتوبر، وإلا انتقلت السلطة من جيل الثورة إلى جيل الحراقة.
ولو أن بوتفليقة نظم انتخابات رئاسية تنظم انتقال السلطة إلى جيل الاستقلال كان دخل التاريخ بدلا من الذهاب إلى عهدة ثالثة.. للأسف ثورة شعبية عظيمة كثورة الجزائر كنا نحلم تنجب لنا مانديلا فأنجبت موجابي.
* ثمة علاقات جزائرية متميزة مع فرنسا والولايات المتحدة، بل ويوجد تنافس بينهما في الجزائر، وأيضا هناك للجزائر هوية مغاربية وعربية.. هل يمكن القول بأن السياسة الخارجية الجزائرية قد تعرف تحولات بعد هذه الانتخابات؟
أقول إن على الجزائر السير نحو مصالحها مع أي دولة، مصالح إستراتيجية، وعسكرية، ودبلوماسية، واقتصادية مهما كان الشريك. وأكيد أن أمريكا وضعت إمكانيات لا بأس بها في محاربة الإرهاب أكثر من الإمكانيات التي قدمتها فرنسا. ولدى الأمريكيين رغبة أن يكون لهم حصة جيدة من البترول والغاز الجزائري، وقد وصل التبادل التجاري مع أمريكا في عام 2008 إلى 20 مليار دولار أمريكي، والجزائر ثاني شريك إفريقي لأمريكا بعد جنوب إفريقيا.
وللأسف الشديد أن البترول والغاز أصبحا يحكمان السياسة الخارجية للجزائر، ومن طبيعة العلاقات الدولية إذا كانت لك مصالح مع الخارج حاول أن تخلق توازن، أي لا نضع البيض في سلة واحدة. ومهما كان النفوذ الأمريكي على السياسة الخارجية الجزائرية لا تستطيع الضغط عليها لتغيير موقف الجزائر من القضية الفلسطينية مثلا، وأنا شخصيا لا أؤمن بوجود منافسة بين فرنسا وأمريكا في الساحة الجزائرية، قد تكون في مجال المحروقات فقط.
وأما العلاقات مع فرنسا، للأسف الشديد يحكمها الماضي وتبقى رهينة الماضي لدى الطبقة السياسية الجزائرية ولدى نسبة كبيرة من الطبقة السياسية الفرنسية خاصة بالجنوب الفرنسي حيث يوجد الأقدام السود بكثرة إلى جانب جماعات النفوذ اليهودية المؤيدة لإسرائيل، ولكي تكون علاقات طبيعية مع فرنسا يجب ألا تكون رهينة الماضي، هذا المشكل موظف كثيرا بالجزائر سياسيا.
وعلى عكس ما يقال نحن والفرنسيون ليس لدينا ذاكرة مشتركة، بل ذاكرتنا تتضارب مع الذاكرة الفرنسية، هم ذاكرة مستعمر (بكسر الميم) ونحن ذاكرة مستمر (بفتح الميم). ولكن علينا أخذ العلاقات الفرنسية بمسئولية، أي لا تبقى العلاقات رهينة الماضي، وعلينا أن نبني المستقبل معا. ماذا نحتاج نحن من فرنسا؟ الجزائر لازم تعتبرها فرص من ناحية الموارد البشرية والاقتصاد والتكنولوجيا، وهم يعتبرون الجزائر سوقا هو الأول في إفريقيا والعالم العربي، أي ثمة علاقات قائمة على المصالح الممكنة. لكن فرنسا يجب أن تبرهن عن نية حسنة في تطبيع العلاقات مع الجزائر ولو بخطوات صغيرة وتدريجية، أن تعترف بالجرائم التي ارتكبتها خلال الحقبة الاستعمارية في الجزائر، وهذا طبيعي في العلاقات بين الدول، كما اعتذرت ألمانيا لفرنسا عن فترة الاحتلال الألماني لفرنسا، وروسيا اعتذرت لبولونيا، وأستراليا اعتذرت للهنود.
والحاصل من ذلك أن لا شيء يتغير، تبقى للجزائر علاقات مميزة مع الولايات المتحدة، وعلاقات جيدة مع فرنسا، والمغرب العربي يبقى على حاله لأن التكامل الاقتصادي في حد ذاته ضعيف نتيجة تشابه اقتصادات تلك الدول. ولا ننسى أن هذه المنطقة مستها عاصفة الواقعية؛ فكل طرف يبحث عن مصالحه لوحده، وأذكر يوم المفاوضات مع الاتحاد الأوربي من أجل عقد الشراكة قلنا للمغرب وتونس أن نتفاوض معا طالما نعيش أزمة داخلية، فأجابوا كل واحد يفاوض لوحده، وبالتالي لا يمكن وجود تضامن بالكلام والخطاب السياسي. والبلد الوحيد الذي أعطى للتضامن حقه هي الجزائر عندما مدت أنبوبي الغاز إلى إيطاليا عبر تونس وإلى إسبانيا عبر المغرب، كان أقل كلفة لو عبر البحر، ولكن إيمانا بالتضامن عملت ذلك الجزائر، وأيضا رد بعض الديون للشعبين التونسي والمغربي خلال الثورة، فهم قسموا معنا خبزهم وساعدونا.
* ما رأيكم في دور الجزائر عربيا في ظل سياسة المحاور العربية، اعتدال وممانعة، وقضايا وهموم عربية على رأسها القضية الفلسطينية؟
لا أعرف خيار بو تفليقة إن كان عنده دور عربي، ولكن أستغرب أني لم أر وفودا رسمية فلسطينية كثيرة في الجزائر خلال السنوات الأخيرة.. كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ هل هذا خيار إستراتيجي بأن الجزائر لديها هموم داخلية تكفيها؟ هل لهذا علاقة بموقف الدول العربية خلال أزمة الجزائر، إذ كان المواقف خجولا وغير مقبول باستثناء مصر والأردن وتونس.
ولكن للجزائر رصيد تاريخي يعطيها تلقائيا دور ومكانة في كل قضايا التحرر.
وأخيرا أود القول إن من مصلحة الجزائر أن تقيم علاقة إستراتيجية مع الصين، لماذا؟. لأنه مع الصين لنا علاقة مميزة، اعترفت بدولة الجزائر قبل الاستقلال، وحتى اليوم توجد اتفاقيات اقتصادية يحكمها الموقف الصيني إزاء الجزائر إبان حرب التحرير وإلى يومنا هذا. ويوم فكر بوتفليقة بفك عزلة الجزائر اتجه نحو الغرب ونسي قليلا العالم العربي والصين، وكانت تلك مرحلة وخرجنا الآن من الأزمة. وباعتقادي يمكن أن تكون المرحلة الثانية بعد الانتخابات نحو آسيا وإفريقيا، وتكون الصين حليفا إستراتيجيا قويا، وهذا لأسباب، نحن لنا حدود مع إفريقيا، وبحر بيننا وبين أوروبا، وعلاقة مميزة مع الصين التي تحتاج إلى البترول والغاز.
|