|
| انتخابات الجزائر 2009.. محسومة سلف؟ |
مرة أخرى تعود الصورة من جديد في الجزائر بمرشح مستقل هو الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة؛ فالانتخابات الرئاسية التي ستجرى يوم التاسع من أبريل الجاري هي رابع انتخابات رئاسية تعددية في الجزائر منذ عام 1995، حيث كانت أول انتخابات تعددية فيها مرشح السلطة، المرشح المستقل (الجنرال الأمين زروال) ومعه ثلاثة مرشحين كانوا رؤساء أحزاب تمت تزكيتهم من أحزابهم.
واليوم هناك فائز واحد هو بوتفليقة الذي أمضى ولايتين رئاسيتين حسب دستور 1989، ولكن بعد تعديل الدستور في 12 نوفمبر 2008، يفتح للرئيس عهدة ثالثة دون تحديد؛ فهو مرشح السلطة زكته أحزاب التحالف الرئاسي ومنظمات شعبية وجمعيات عديدة، ويتسابق مع خمسة مرشحين رؤساء أحزاب بينهم حزب على أبواب الاعتماد، والاعتقاد السائد لدى المواطنين أن مرشح السلطة عبد العزيز بوتفليقة هو الفائز، خاصة أن تعديل الدستور كان لأجل ترشيحه لولاية ثالثة، وشوارع العاصمة والمدن الجزائرية تمتلئ بمكاتب تسانده، ويبرز في كل مكان شعار حملته الانتخابية (جزائر قوية وآمنة)، ويقال أيضا إنه مرشح الشباب، والذين يشكلون 70% من جمهور الناخبين.
على هذه الأرضية يتسابق ستة مرشحين هم: المرشح بوتفليقة من التيار الوطني، ومحمد السعيد الإسلامي المعتدل، ولويزة حنون اليسارية العمالية، وجهيد يونسي الإسلامي الإصلاحي، وموسى تواتي الوفي لرسالة الشهداء، وفوزي رباعين الوفي لمبادئ ثورة نوفمبر (لذا كان اسم حزبه عهد 54)، ورغم تنوع المشارب السياسية والفكرية للمرشحين فإن برامجهم الانتخابية تتشابه في المضمون، وإن اختلفت صياغتها.
وبشكل عام لم تختلف برامج المرشحين الستة من حيث القضايا المطروحة، بل الاختلاف كان في طريقة تناولها، فكل المرشحين ركزوا على مشاكل المواطن من غلاء المعيشة والسكن والبطالة والشباب والهجرة غير الشرعية (الحراقة) وفتح المجال الإعلامي والحوار بين السلطة والنقابات، وغيرها من مشاكل حملوا مسئوليتها للمرشح الحر عبد العزيز بوتفليقة لعدم حلها في العهدتين الماضيتين خلال عشر سنوات، هذا ما جعله يرد عليهم "يجب عدم المزايدة بمشاكل المواطن".
الاقتصاد أولا.. موضع اتفاق
وقد وعد المرشحون الناخبين بالحد من الاستيراد الذي يقدر بنحو ثلاثة مليارات دولار أمريكي سنويا للمواد الغذائية فقط، وقد بلغ عدد الشركات العاملة بالاستيراد والتصدير أكثر من خمسمائة وخمسة وعشرين ألف شركة، وهو مؤشر كاف للتدليل على ارتفاع حجم الاستيراد.
وأجمع المرشحون على إصلاحات اقتصادية وصفت بـ"الحقيقية"، تقوم على القطيعة الكاملة مع برامج الإصلاحات الاقتصادية التي فرضت على الجزائر باتفاقيات صندوق النقد الدولي عام 1993 لجدولة ديون الجزائر.
ويطرح حزب العمال اليساري "نصير العمال" إعادة شاملة لرسم السيادة الوطنية على الثروات الطبيعية للجزائر، وجميع الأملاك الوطنية كما هي محددة في القانون 30/90، والإسراع بالاهتمام بقطاع الزراعة وقطاع الصناعات الثقيلة، وإقرار قاعدة الأفضلية الوطنية في المشاريع الكبرى، وتأميم المؤسسات الجزائرية التي منحت الأجانب.
بينما حركة الإصلاح الوطني ذات التوجه الإسلامي تدعو إلى بناء اقتصاد بديل للمحروقات يقوم على توفير شروط نهضة صناعية حقيقية وتوفير الشروط الكفيلة بتحقيق الأمن الغذائي كهدف إستراتيجي خلال السنوات الخمس القادمة، والاهتمام بقطاعات السياحة والموارد المائية والمعلوماتية، والتركيز على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتحرير القطاع التجاري.
وفي برنامج المرشح المستقل محمد السعيد، رئيس حركة الحرية والعدالة غير المعتمدة، يؤكد المرشح على تطهير وتفعيل القطاع العمومي، والحفاظ على الملكية العامة وترشيد النفقات العمومية، وإعادة بناء النظام النقدي والجبائي واعتماد الشفافية والمرونة في تسييره، وتنويع مصادر الدخل الوطني بالتقليل من الاعتماد على المحروقات حفاظا على حقوق الأجيال القادمة، وتوفير شروط تنمية دائمة بترقية الصادرات خارج المحروقات، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية الأساسية، وتشجيع الإنتاج الوطني، وتحفيز الاستثمارات الوطنية والأجنبية بما يحقق المصلحة الوطنية وضمان حركة رءوس الأموال.
من جهته، يؤكد برنامج مرشح حزب عهد 54 (فوزي رباعين) ضرورة المضي بإصلاحات عميقة تشمل النظام المالي والجبائي، وهيكلة خصخصة المؤسسات العمومية، وتعزيز إستراتيجية دعم الإنعاش الاقتصادي والتشغيل، ووضع نظام حماية اجتماعية شفاف وقوي، ووضع منظومة صحية وطنية، وحماية البيئة.
وقال موسى تواتي مرشح الجبهة الوطنية الجزائرية: إن الشق الاقتصادي في برنامجه للسنوات الخمس القادمة في حال الفوز بمنصب الرئاسة يقوم على بناء اقتصاد اجتماعي يسهم في تقليص الهوة المعيشية بين فئات المجتمع ويضمن للمواطن الحد الأدنى من الكرامة، وتعزيز الموازنة بين التخطيط والبرمجة وحرية المبادرة، والتركيز على القطاعات الحقيقية المنتجة، وإعادة الاعتبار للأرض والعاملين فيها لتحقيق الأمن الغذائي، وخلق تجمعات حضرية في المناطق النائية من أجل بعث توازن جهوي.
وركز برنامج المرشح المستقل عبد العزيز بوتفليقة في الجانب الاقتصادي على رفع مستوى الحياة للمواطنين، ومواصلة التنمية البشرية وتوفير السكن والرعاية الصحية والتعليم، وتعزيز القدرات الزراعية للبلاد، ومواصلة تنفيذ برنامج التجهيزات العمومية، وخلق 200 ألف مؤسسة صغيرة ومتوسطة لتشجيع الاستثمار المنتج، وتدعيم العقد الوطني الاجتماعي والاقتصادي وإشراك المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي الذي يضم كل الشركاء الوطنيين وعددا مهما من الكفاءات رفيعة المستوى من أجل المساهمة في تقييم المساعي التنموية وإثرائها باستمرار.
الإصلاح المؤسساتي وحقوق الإنسان
يدعو فوزي رباعين مرشح حزب عهد 54 في برنامجه الانتخابي إلى ترقية حقوق الإنسان وتفعيل المجتمع المدني وإعادة تنظيم المؤسسات الحكومية بتصحيح العلاقة فيما بينهما، وإلى العدالة الاجتماعية في توزيع ثروات البلاد، وركز رباعين على إصلاح المنظومة التعليمية بكل مراحلها وترقية المجال المعرفي والتكوين المهني، وفي مجال الإعلام التزم بفتح قطاع الإعلام بكل وسائله للمجتمع وإنهاء احتكار الدولة لوسائل الإعلام السمعية والبصرية.
أما المرشح محمد السعيد فيدعو إلى التغيير الجذري بتطوير النظام الديمقراطي بما يضمن التمثيل الشعبي والتداول السلمي على السلطة ونزاهة عملية الاقتراع، وضمان وجود إعلام وإعلان متوازنين، وتكريس الضمانات الدستورية بشأن حقوق الإنسان والحريات العامة وحرية الصحافة، وتعزيز سلطة المجالس المنتخبة، وتأمين آليات المساءلة والمحاسبة الفاعلة، وتكريس استقلالية القضاء.
قضية الأمازيغية.. مزايدات انتخابية
كانت هذه القضية هي الأبرز في مزايدات المرشحين، فقد أعلن موسى تواتي مرشح الجبهة الوطنية أنه في حال فوزه سوف يؤسس أكاديمية للغة الأمازيغية لدعم الثقافة الوطنية، ويرد عليه المرشح المستقل عبد العزيز بوتفليقة من بجاية (القبائل الصغرى) بأنه سوف يفتح أكاديمية للغة الأمازيغية ويؤسس مجلسا أعلى لها، وبأنه سيجعل رأس السنة الأمازيغية (يناير) عطلة رسمية للدولة.
ولكن المرشحين الستة لم يفصح أي منهم عن وعد البربر بترسيم الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، وفيهم الرئيس بوتفليقة الذي أقر في عام 2002 ترسيم اللغة الأمازيغية لغة وطنية.
المصالحة الوطنية.. بيع وشراء
مضى على ميثاق السلم من أجل المصالحة الوطنية نحو خمس سنوات، وكان الرئيس بوتفليقة طرحه في صيف عام 2005، وبموجبه يعفى كليا أو جزئيا عن المتورطين بأعمال عنف محددة، والاشتراك في مجازر، والقيام بتفجيرات في أماكن عمومية، وجرائم الاغتصاب، وهو ما يعني عفوا غير شامل، ومع ذلك لقي الميثاق معارضة القانونيين، والحجة أن العفو عمن تورط بالمأساة الوطنية يكرس سياسة اللاعقاب، وطالب الحقوقيون بمحاكمة المتورطين وفق القانون، ثم من حق رئيس الجمهورية العفو عنهم كما حدث في تجارب دولية عديدة، كجنوب إفريقيا.
ولكن المرشح المستقل عبد العزيز بوتفليقة يطرح العفو الشامل، وهو ما يطرحه كذلك المرشح الإسلامي جهيد يونسي، بينما باقي المرشحين ظل حديثهم عن المصالحة عاما.
وأكد مرشح عهد 54 أن المصالحة الوطنية الحقيقية لابد أن يكون منبعها الشعب، خاصة الفئات المتضررة من الإرهاب، فهذه الفئات وحدها لديها حق "إصدار عفو شامل عن المتورطين"، وفي توضيحه لأسس المصالحة الحقيقية على حد تعبيره يقول: "لابد من التفريق بين مسألة فتح باب الرحمة أمام التائبين الذي تراجعوا عن الطريق الذي ساروا فيه، وأولئك الذين يتخذون من المصالحة ستارا للاستمرار في جرائمهم في الخفاء"، ويرى أنه لا بد من مصالحة مختلفة عن التي طبقت حتى الآن، والتي لم تتجاوز "ورقة سياسية وظفتها أطراف لمصالح شخصية"، وهو ما جعلها حسب رأيه "مصالحة مشتراة".
ما لم تذكره برامج المرشحين
أولا: لم تتطرق برامج المرشحين إلى ضرورة اختيار المرشح الحزبي عبر انتخابات داخل الحزب، يتنافس فيها الراغبون في الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية، يفوز أحدهم بجدارة الذين فوضوه من الحزب وليس بالتزكية لرؤساء الأحزاب.
ثانيا: لم تذكر برامج الأحزاب تعديل قانون الانتخابات بما يلغي المرشح المستقل ليكون المرشح ممثلا حزبيا، لأن الحزب مسئول عن مرشحه الرئاسي ومرشحيه في البرلمان والمجالس المحلية، وعلى المرشح أن يقدم للشعب برنامجا متكاملا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا قابلا للتنفيذ.
ثالثا: لم تتحدث برامج المرشحين عن وجود قيادة جماعية بجانب الرئيس المنتخب، بحيث يصنع القرار معها وبمشورتها، منعا لفردية القرار وارتجال القرارات لتحقيق القيادة الجماعية مع المستشارين المتخصصين على درجة عالية.
رابعا: لم تتطرق برامج المرشحين إلى تعيين الحكومة، بحيث يكون معيار الوزير الكفاءة وليس الولاء الحزبي، لتنهض الحكومة بالمشاريع التنموية، وأن تكون مسئولة فعليا أمام البرلمان ومحل مساءلة البرلمان عن أي تقصير، وألا يكون الوزير عضوا بالبرلمان ليتم الفصل بين السلطات.
خامسا: لم تتطرق برامج المرشحين إلى حرية الإعلام بإلغاء وزارة الإعلام، وإلغاء الرقابة على الصحافة لتكون رقيبا على عمل الحكومة، وتأخذ دورها كسلطة رابعة إلى جانب السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية.
سادسا: لم تتعرض برامج المرشحين إلى دور الجيش في الحياة السياسية وفصل السلطات التنفيذية، والتشريعية، والقضائية.
المرشحون والناخب.. وعود لا أكثر
يسعى المرشحون في البلدان الغربية إلى جذب الناخبين بوعود انتخابية يكونون قادرين على تنفيذها ليفوزوا بالانتخابات، والمرشح في البلدان الغربية يبني برنامجه على جانب محدد، مثلا تخفيض الضرائب، أو رفع الفائدة، أو ضمان صحي جيد، أو مكافحة البطالة بتوفير فرص عمل، أو مكافحة الجريمة، ولا يتورط المرشح غالبا بوعود غير قادر على تنفيذها.
وهذا عكس ما يجري في الانتخابات الجزائرية حسبما يرى الكاتب (محمود بلحيمر) في مقاله بجريدة الشروق، تحت عنوان: "انتخابات أم سيرك؟"، ويقول بلحيمر: "إن أي كلمة تصدر عن أي مسئول تلتقطها الصحافة وتكون محل تدقيق ونقاش عام في المجتمع، وستحدد مستقبله السياسي ومصيره، بحيث قد يزج بنفسه في حالة بطالة دائمة.. أما إذا وجه تهما معينة لمؤسسة أو شخص، فإن السلطات القضائية سوف تتحرك لتحقق وتحدد المسئوليات وتنزل عقوبات القانون على المذنبين"، ويضيف: "الساسة عندنا يقولون ما يحلو لهم، لا أحد يطالبهم بالبرهنة على صحة ما يقولون، رغم أنهم يمارسون السياسة بتمويل من الخزينة العمومية، أي بأموال الجزائريين".
ويعتبر "بلحيمر" أنه عندما تكون الحياة السياسية مبنية على منافسة غير حقيقية؛ فإن السياسيين لا يخافون على مستقبلهم السياسي؛ لأنه حتى ولو حصلوا على واحد بالمائة أو أقل، فلن ينسحبوا من الحياة السياسية، وسوف يرددون نفس "الهراء" في الموعد الانتخابي الموالي، وحتى وإن اتهموا أناسا وأعطوا أرقاما خاطئة، فلا أحد يحاسبهم".
ويصدق تماما مثل هذا التحليل السابق؛ فالملاحظ على برامج المرشحين للانتخابات الرئاسية، وكذلك خطاباتهم في الحملة الانتخابية، أنها تفتقد للدقة، إذ لم يقدم أي ممن يرى نفسه الأولى بالمنصب الأعلى في البلاد جدولا زمنيا لمشاريعه وآلية موضوعية لتنفيذها، أو غلافا ماليا لتلك المشاريع التي يعد الناخبين بتنفيذها، ولم يتطرق أي من البرامج لكيفية علاج مشاكل البطالة و"الحراقة" وتدهور المنظومة التعليمية وأزمة السكن.. كل ما سمعه المواطن "سوف أعمل دون توضيح الوسيلة"، وهو ما جعل المواطن غير مكترث بتلك البرامج، واعتبارها مجرد "كلام انتخابات"، وخاصة في ظل الاقتناع العام بفوز الرئيس بوتفليقة، مما يبقي البرامج الانتخابية دون قيمة لدى المواطن الذي يواجه ارتفاع أسعار غير مسبوق سيطر حتى على الحملة الانتخابية.
ما يؤخذ على الانتخابات الرئاسية لعام 2009 إذن أن فتح سقف العهدة الرئاسية قد قلص من حظوظ التداول على السلطة وكرس مفهوم "الزعامة" التي بدأت في خمسينيات القرن الماضي، وأخذت تنحسر لصالح دولة المؤسسات والقانون؛ بما يحد من سلطة الرئيس ويضعها في قالب المرجعية القانونية والمؤسسات المرافقة للرئيس.
وثمة مأخذ أخطر يتمثل في غياب مرشحين من الوزن السياسي الوطني الذي عرفته انتخابات 1999 وبدرجة أقل انتخابات 2004؛ مما يعطي الانطباع بأن الانتخابات إجراء شكلي لتنصيب رئيس الجمهورية وفق الشكل الدستوري، وهذا بذاته كفيل بتقليل أهمية العملية الانتخابية التي تعني مضمونا التفويض الشعبي لأحد المرشحين في سباق متكافئ لكل المرشحين.
صحفية وكاتبة جزائرية.
|