English

 

الأحد. أبريل. 5, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » إستراتيجيات » قراءات أوروبية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الناتو.. مؤسسة تدور في الفلك الأمريكي *

بيار باسكالون

إعداد - هبة الحسيني

Image
هل يساعد الناتو أوباما في حل معضلة أفغانستان؟
مع حلول الذكرى الستين لنشأة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يبدو من الأهمية بمكان إلقاء الضوء على الوجوه المختلفة لهذا الحلف منذ نشأته، والتطرق إلى كيفية استخدام واشنطن له كأداة عسكرية سياسية، شاركت ولا تزال تشارك حتى اليوم في إستراتيجية النفوذ الأمريكية لتحقيق مصالحها.

ويمكن التركيز، في هذا الإطار، على ثلاثة وجوه متتالية لهذه المؤسسة، والتي تعد بمثابة مركز للعلاقات الدولية المعاصرة.

الوجه الأول ( 1950ـ 1991)
الناتو أداة أمريكا للسيطرة على أوروبا

أنشئ الناتو في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بناء على رغبة دول أوروبا الغربية، بهدف الاستفادة من المظلة العسكرية الأمريكية في مواجهة الخطر السوفيتي، وقد تحول الحلف إلى أداة عسكرية سياسية في أيدي أمريكا لتضع من خلاله أمن دول أوروبا الغربية تحت سيطرتها.

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت فرنسا عن الحماية من أي زلزال جديد قد يقع على الأراضي الأوروبية من قبل ألمانيا؛ فعملت على تنظيم أمن أوروبا بالتحالف مع بريطانيا العظمى، وتم توقيع اتفاق "دنكرك" في 4 مارس 1947، وفي نفس الوقت رفض الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية، على خلاف دول أوروبا الغربية، الاستفادة من برنامج الإنعاش الاقتصادي الكبير الذي مولته أمريكا وفق خطة مارشال، كما رفضت هذه الدول الانضمام إلى المنظمة المخولة بإدارة هذا البرنامج والتي عرفت بـ "منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي".

ومع وقوع انقلاب "براغ" في 25 فبراير 1948، ازدادت مخاوف دول أوروبا الغربية، فقاموا بتوقيع اتفاقية بروكسل في 17 مارس 1948، كرد فعل على تصاعد نفوذ المعسكر الاشتراكي، وضمت هذه الاتفاقية فرنسا وبلجيكا وبريطانيا العظمى وهولندا ولوكسمبورج. لكن هذه الاتفاقيات الأوروبية لم تكن كافية لإشاعة الشعور بالأمن بين دول غرب أوروبا، حيث أضحت السياسة التوسعية السوفيتية مثار قلق شديد، خاصة بعد حصار برلين الذي أعلنته موسكو في 24 يونيو 1948، فضلا عن إضفاء الاتحاد السوفيتي الصبغة السوفيتية على دول أوروبا الشرقية، وإنشاء الكومينفورم (المحرر: تكتل أنشأه ستالين في 5 أكتوبر 1974، يضم جميع الأحزاب الشيوعية في العالم، وذلك بهدف التصدي لمشروع مارشال وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء).

وفي مواجهة الخطر السوفيتي المتصاعد، طالب قادة أوروبا بضرورة إشراك الولايات المتحدة في عملية الدفاع عن أوروبا الغربية، وحصلوا على ذلك هذه المشاركة فعليا في إطار "اتفاقية حلف شمال الأطلسي"، التي وقعت عليها في 4 أبريل 1949 في واشنطن، 12 دولة (الدول الخمس الأعضاء في اتفاقية بروكسل، والولايات المتحدة، وكندا، والدنمارك، والنرويج، وأيسلندا، والبرتغال، وإيطاليا).

وحددت المادة الخامسة من الاتفاقية المهمة الأساسية لحلف الأطلسي، وتمثلت في "توفير ضمانات بالمساعدة في حالة تعرض أي عضو من أعضاء الحلف لهجوم ما"، كما نصت المادة التاسعة من الاتفاقية على إقامة "مجلس أطلسي" يتكون من كافة الأجهزة المساعدة التي يمكن أن تتحول إلى أجهزة ضرورية، لاسيما "لجنة الدفاع".

وبدا واضحا منذ الوهلة الأولى أن هذا الحلف العسكري قد أصبح تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية، وأن هذه القوة العظمى أصبحت هي المتحكمة في كل ما هو متعلق بهذا الحلف، للدرجة التي يمكن معها القول: إن حلف الناتو كان بمثابة "جهاز أطلسي أمريكي" لأغراض سياسية عسكرية.

وخلال فترة الخمسينيات، تزايد نفوذ الولايات المتحدة داخل الناتو، ووصل أقصى درجاته خاصة بعد الاحتكار النووي الأمريكي، والتفوق الأمريكي الكاسح في مجال الأسلحة الإستراتيجية، ففي ديسمبر 1954، تبنى المجلس الأطلسي رسميًّا ما عرف بـ "إستراتيجية الانتقام الشامل والفوري"، والتي سعت إلى الاستفادة من التفوق النووي الأمريكي في مواجهة النفوذ السوفيتي، بهدف منع الروس من شن أي هجمات في قلب القارة الأوروبية، وهنا يتضح الارتباط القوي بين المسرح الأوروبي والنظام الأمريكي المركزي، الذي سمح للدول الأوروبية بالاعتماد عليه كليةً في المسائل الدفاعية في إطار حلف الأطلسي.

وفي مرحلة الستينيات، ومع نهاية التفوق النووي الأمريكي، بدأ يظهر للأوروبيين بوادر حالة من الانفصال بينهم وبين الولايات المتحدة، بعد أن أصبح الاتحاد السوفيتي يمتلك قنبلة نووية وصواريخ بالستية عابرة للقارات (1949-1953)، ومن ثم شرعت الولايات المتحدة إلى خفض التزاماتها النووية تجاه شركائها الأوروبيين، وهنا تم الانتقال من إستراتيجية الانتقام الشامل إلى "الإستراتيجية المرنة"، والتي بموجبها لن تكون الولايات المتحدة قادرة على الرد الفوري، باستخدام أسلحتها الإستراتيجية المركزية، إزاء أي اعتداء سوفيتي يقع في قلب أوروبا.

الوجه الثاني (1991ـ 2000)
الناتو أداة أمريكا للهيمنة في عالم القطب الأوحد

شهدت الفترة من 1989 حتى 1991 العديد من التحولات الجيو-إستراتيجية الضخمة مثل سقوط جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا، بالإضافة إلى انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك حلف وارسو.

وبناء عليه لم تعد الدوافع التي أنشئ من أجلها حلف الأطلسي موجودة، وثارت التساؤلات حول جدوى استمرارية هذا الحلف بعد اختفاء العدو السوفيتي، ولكن نظراً للجهود الأمريكية المكثفة في هذا الإطار، استطاع الناتو أن يجد لنفسه وجهًا جديداً خلال عقد التسعينيات فيما عرف بـ "الناتو الجديد"، والذي مكن الولايات المتحدة من إحكام سيطرتها مرة أخرى على النظام العالمي الجديد.

وفي واقع الأمر كان هناك العديد من العوامل التي ساعدت على استمرار هذا "الناتو الجديد"، فنذكر مثلاً المطالب الأمنية لدول أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو، ورغبة دول أوروبا الغربية في الاستمرار تحت حماية المظلة الأمريكية التي توفر لهم سياسات دفاعية قوية، بالإضافة لذلك، رأت الولايات المتحدة (القطب الأوحد) أن ثمة حاجة في تلك الفترة لوجود أداة عسكرية تساعد قواتها الذاتية من أجل تحقيق الاستقرار في العالم.

وفي ظل العولمة الليبرالية وأجواء السيطرة الأمريكية على مختلف المجالات الاقتصادية والمالية، سعت الولايات المتحدة إلى "عولمة" الناتو، بعد أن كان أوروبيا أطلسيا، وذلك لاستخدامه كأداة عسكرية عالمية تخدمها في تحقيق مصالحها، واعتُبر ذلك بمثابة "الميلاد الثاني للناتو".

وخلال هذه الفترة بقيت أوروبا محور التحرك الأول للناتو، لكن أضيف إلى الحلف مهمات ومناطق أخرى رأى الغرب أنها حيوية لتحقيق مصالحه، وبناء عليه يمكن تناول أبرز هذه الأمور في الآتي:

(1) الناتو الجديد وأوروبا الجديدة:

لم ينس "الناتو الجديد" حقيقة أن الهدف الأساسي من وجوده كان توفير الأمن والحماية لدول أوروبا الغربية؛ لذلك سعت الولايات المتحدة طوال فترة التسعينيات إلى المحافظة على هذه المهمة عن طريق توثيق الترابط بين حلفائها التقليديين في أوروبا الغربية وحلف الأطلسي.

وفي يناير 1994، اعترفت الولايات المتحدة رسميًّا بما عرف بـ "هوية الأمن والدفاع الأوروبية"، والتي أضحت دعامة أساسية للأوروبيين بعد قيام الاتحاد الأوروبي في عام 1992، ومن ثم تطور التعاون متزايد بين الاتحاد والحلف على أساس تكاملي وليس تنافسي.

وبعد أن وافقت الولايات المتحدة على إقامة وحدات عسكرية أوروبية في الناتو، وفقا لاتفاقية برلين 1996، تكون بذلك قد نجحت في مساعيها الرامية إلى تجديد الهياكل العسكرية المندمجة داخل الناتو من خلال إصلاح القيادات الكبرى وإعطاء مكانة أكبر للأوروبيين داخل الحلف.

وبالتوازي مع هذه الرغبة الأمريكية في الحصول على "ناتو" أكثر أوروبية، حرصت الولايات المتحدة على الاهتمام بكافة المشكلات الأمنية للديموقراطيات الجديدة في أوروبا الشرقية، بالإضافة إلى مختلف المشكلات المتعلقة بالاتحاد السوفيتي السابق، وتم إنشاء "مجلس تعاون شمال الأطلسي" الذي فتح الباب أمام الدول الأعضاء سابقا في حلف وارسو، وفي قمة بروكسل (يناير 1994)، مُنحت هذه الدول شكلاً جديداً من التعاون من خلال "الشراكة من أجل السلام".

وفي الجلسة الوزارية لمجلس الأطلسي في أول ديسمبر 1994، قررت الإدارة الأمريكية فتح باب العضوية أمام دول أوروبا الشرقية للانضمام إلى الناتو، وهو ما تم بالفعل مع انضمام بعضهم مثل المجر عام 1997.

أما بالنسبة لروسيا، فقد حرصت الولايات المتحدة على إزالة الحواجز الروسية، وإقامة علاقة تعاون وشراكة معها تجسدت في الوثيقة التأسيسية بين الحلف وروسيا، والتي تم توقيعها في باريس في 27 مايو 1997، وتلاها التوقيع على ميثاق خاص للشراكة بين الناتو وأوكرانيا في يوليو 1997.

(2) الناتو الجديد وأمن العالم:

سعت الولايات المتحدة خلال هذه المرحلة إلى توسيع نطاق عمل الناتو، بعيداً عن مجال عمله التقليدي الذي تم الاتفاق عليه في أبريل 1949، وذلك من خلال تحويل هذا "الناتو الجديد" إلى جهاز أمني كبير قابل للذهاب إلى أي مكان والاهتمام بكافة القضايا، فقد عملت الولايات المتحدة بعد التحولات الجذرية التي شهدها العالم في بداية التسعينيات، على التوسيع من نطاق عمليات الناتو لتشمل جميع مناطق العالم، ولا تكون مقتصرة فقط على حدود الدول الأعضاء في الحلف، بحيث يكون الحلف قادرًا على العمل خارج النطاق الأوروأطلسي في أي حالة تستلزم حفظ الأمن والسلم.

وقد عبرت عن هذه السياسة الإستراتيجية التوسعية وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، مادلين أولبرايت، حينما صرحت أن "الناتو لابد أن يصبح قوة السلام من الشرق الأوسط حتى إفريقيا الوسطى"، وبالفعل بدأ الحلف منذ عام 1993 يخوض أولى عملياته العسكرية خارج النطاق الذي حددته المادة 6 من الميثاق، وأصبح له سلطة التدخل بشكل مفتوح خارج منطقة الأوروأطلسي، كما أصبح له الحق في التواجد كمنظمة فعالة في جميع القارات، مما أدى بدوره إلى توسيع المجال الوظيفي للحلف.

ولا شك أن المهمة الأولى والأساسية للناتو لا تزال هي الدفاع الجماعي عن الدول الأعضاء ضد أي تهديدات خارجية -وفقا لما نصت عليه المادة 5- من خلال وجود تحالف عسكري معتمد بالأساس على الردع النووي، إلا أن الأجواء التي فرضتها الحرب الباردة خلال فترة التسعينيات قد دفعت الناتو إلى توسيع مجال عملياته وتحويلها إلى أداة لإدارة الأزمات وحفظ السلام، وهذه الاختصاصات الجديدة قد أدرجت تحت مسمى "اختصاصات خارج مجالات المادة 5"، وهذه المجالات تشمل الإرهاب، وقيام بعض الدول بتصنيع اليورانيوم المخصب، والجرائم، وتهريب المخدرات، بالإضافة إلى غسيل الأموال وحماية البيئة.

الوجه الثالث ( 2000 وحتى الآن)
الناتو أداة أمريكا للحفاظ على قيادتها العالمية

في بداية الألفية الجديدة شهدت الولايات المتحدة تراجعاً تدريجيًّا في قوتها، ظهرت ملامحه بصورة خاصة على الساحة الجيوإستراتيجية والعسكرية، حيث أصبح الأمريكيون غير قادرين على حكم العالم والحفاظ على استقراره، وظهر ذلك في العديد من المؤشرات مثل فشل الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب ومكافحة عمليات تخصيب اليورانيوم، وفشلها في الحروب التكنولوجية، فضلاً عن إخفاقاتها في كل من أفغانستان والعراق.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الطموحات التي كانت تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها لهذا "الناتو الجديد" قد قوبلت باعتراضات كبيرة من عدة أطراف نذكر منها على سبيل المثال فرنسا التي لم تكف عن إظهار رفضها لمحاولة توسيع عمليات الناتو بشكل يجعله في مجال تنافسي مع الأمم المتحدة.

ومن المؤكد أن الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما قد تسلم مسئولياته "ما بعد الأطلسية" في وقت لم تعد فيه الولايات المتحدة تتمتع بنفس الوهج الذي كانت تتسم به خلال التسعينيات؛ فأزمة عام 2007- 2008 قد وضعت مسألة القطبية العالمية للولايات المتحدة محل تساؤلات عديدة، لاسيما أن هذه الأزمة قد ظهرت كأزمة استثنائية للرأسمالية العالمية في ظل الهيمنة الأمريكية.

وسيتعين على أوباما خلال الفترة المقبلة أن يعمل على وقف التدهور والعمل على النهوض بالولايات المتحدة من خلال إجراء إصلاحات داخلية للاقتصاد، واتباع خطة إنعاش واسعة تعيد القوة مرة أخرى إلى الولايات المتحدة، وتمكنها من جعل القرن الحادي والعشرين "قرنًا أمريكيًّا"، ولا يعني هذا أن تكون الولايات المتحدة هي القوى العظمى في العالم بدون منافس كما كان الوضع في السابق، إنما المقصود أن تكون أمريكا الفاعل الأساسي والمركزي على الساحة الدولية في عالم متعدد الأقطاب.

لذلك سيسعى الرئيس الجديد إلى تحقيق "ريادة جديدة "في القرن الـ 21، تنتهج فيه الولايات المتحدة دبلوماسية ذكية تقوم بالأساس على مزيد التشاور والحوار والانفتاح، وهذه المبادئ هي جوهر السياسة الخارجية الجديدة التي ظهرت ملامحها بوضوح من خلال السعي إلى تقوية الروابط مع آسيا والصين على وجه الخصوص، حيث إن هذه المنطقة تعد بمثابة القلب الجديد للعالم، وأكبر شاهد على ذلك أن الزيارة الخارجية الأولى لهيلاري كلينتون كانت لآسيا، وكأنها أرادت أن تتخلص من إرث مثقل بأعباء عديدة خلال فترة بوش، لاسيما الثقل العراقي.

وهنا يتوقع أن يسعى الرئيس الكاريزمي الجديد، باراك أوباما، إلى تحقيق قدر من التوافق مع حلفائه حول تطوير الحلف وتحويله إلى "ناتو ثالث"، يدور دائما في الفلك الأمريكي ويعمل على خدمة المصالح الأمنية للولايات المتحدة، التي لم ولن يكون لديها القدرة على أن تصبح "أمريكا العالم" كما كانت طوال فترة التسعينيات.

ويبدو أن هذا الناتو الثالث، سينحصر دوره بصورة شديدة وسيقتصر فقط على النطاق الجغرافي الرئيسي للحلف ودائرة اهتماماته الأولية التي أنشئ من أجلها خلال القرن العشرين.

(1) الأمن الأوروأطلسي:

انطلاقاً من رغبة الولايات المتحدة في إقامة مصالحات كاملة مع أوروبا، تزايدت التوقعات هذه الأيام من أن يعود هذا "الناتو الثالث" مرة أخرى إلى منظوره الإستراتيجي الأصلي، والمتعلق بالتحالف السياسي العسكري الذي يركز بالأساس على أمن المنطقة الأوروأطلسية، بالإضافة إلى المهمة الأساسية التي تأسس من أجلها الحلف -والمنصوص عليها في المادة 5- وهي الالتزام بالدفاع الجماعي عن الدول الأعضاء ضد أي تهديدات خارجية.

وفي ظل هيمنة الولايات المتحدة التي قررت الإبقاء على قواتها في أوروبا (42 ألف جندي)، أصبح من الواضح أن التواجد الأمريكي في الناتو خلال الفترة المقبلة سيكون في إطار الدفاع الجماعي عن دول القارة الأوروبية، وفي إطار قوات العمل الفوري الخاصة بالعمليات الخارجية.

ومع عودة فرنسا إلى هيكل قيادة الحلف، ينتظر أن يسند إلى الأوروبيين خلال الفترة المقبلة مهام أكثر أهمية، خاصة أن الولايات المتحدة ستسعى إلى تطوير علاقات الناتو بالاتحاد الأوروبي تجاه "شراكة إستراتيجية حقيقية" من خلال تحقيق التكامل بين الأدوار التي يلعبها الناتو والاتحاد الأوروبي في مجال حفظ الأمن على المستوى الأوروبي والدولي، وتقوية الروابط بينهما.

ويتضح من ذلك وجود مساعٍ لصياغة هوية أوروبية داخل الناتو بحيث يحصل الأوروبيون على دور أكبر داخل الحلف مع الحفاظ على التكامل بين جهود الولايات المتحدة وجهود الدول التي تهدف إلى تنمية "سياسة أمن ودفاع أكثر أوروبية"، وكل ذلك مع احتفاظ الاتحاد الأوروبي بأدواته الخاصة، حيث يتوقع أن تلعب بريطانيا دورا فعالاً في القيادة الأوروبية الدفاعية لتعزيز دورها في النطاق الأطلسي.

كما يتوقع أن تسعى أمريكا إلى إزالة كافة آثار الحرب الباردة من خلال إقامة علاقات جيدة بين هذا الناتو الثالث والعدو الروسي السابق، وربما أيضا لا يتوقع أن يسعى هذا الناتو الجديد إلى إجراء عمليات توسعية جديدة إلى الشرق في الفترة المقبلة.

(2) استئصال الإرهاب الإسلامي:

سعت الولايات المتحدة طوال فترة التسعينيات إلى استخدام الناتو الجديد كوسيلة تمكنها من تحقيق الاستقرار العالمي بشكل تكاملي مع جهازها العسكري الكبير، وذلك للحفاظ على هيمنتها العالمية، ومع بداية الألفية الجديدة، سعت في كل قمة إلى إقناع حلفائها الأوروبيين بضرورة وجود ناتو أكثر توسعا، يشمل جميع التهديدات والمشكلات العالمية ويمتد إلى مختلف المناطق الجغرافية في الكوكب.

وبرغم تقلص النفوذ الأمريكي حاليا، ورغبة أمريكا في إعادة الناتو مرة ثانية إلى نطاق اهتمامه الأصلي، أي الدفاع عن منطقة شمال الأطلسي، تسعى أمريكا إلى التوصل لاتفاق مع بقية أعضاء الحلف من أجل تكريس "ناتو ثالث" في المستقبل يعمل على مواجهة العدو الرئيسي في العالم، ألا وهو "الإرهاب الإسلامي".

فالقرن الـ 21 بدأ بحدث مفاجئ للولايات المتحدة، هجمات 11 سبتمبر 2001 التي تمت في قلب الإمبراطورية الأمريكية، وترتب على ذلك ميلاد ما يمكن تسميته بعصر "الإرهاب الأعظم"، وبناء عليه، سيسعى الرئيس أوباما إلى جعل مسألة الحرب على الإرهاب على رأس أهداف الحلف، وجعل منطقة عمله الأهم هي أفغانستان وباكستان، وهذا الأمر يفسر قرار أوباما إرسال قوات إضافية إلى هذه المنطقة، وسعيه لإقناع حلفائه الأوروبيين لتعزيز الجهود الأمريكية في هذه البؤرة الرئيسية للإرهاب، والتي ينتظر أن يلعب فيها الناتو دورًا شديد الأهمية خلال الفترة المقبلة.


أستاذ متخصص في قضايا الدفاع والأمن، جامعة العلوم الاقتصادية والاجتماعية بفرنسا.

*موجز لدراسة نشرت على موقع "معهد الدراسات السياسية والإستراتيجية" الفرنسي، تحت عنوان "تطور الناتو.. الأوجه المتغيرة لمؤسسة تدور في فلك الولايات المتحدة الأمريكية"، بتاريخ 20 مارس 2009.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات