|
| القارة السمراء.. حضور إسرائيلي وغياب عربي |
تطرح الغارة التي شنتها المقاتلات الإسرائيلية على أهداف شرق السودان في يناير الماضي العديد من التساؤلات حول أمن مصر والعرب، إذ أنه بغض النظر عن تفاصيل العملية وطبيعة القافلة المستهدفة وهل كانت لمهربين عاديين أم لأسلحة إيرانية متوجهة لغزة عبر السودان ومصر؛ فإن ثمة أنشطة استخباراتية وعسكرية أجنبية على حدود النظام الإقليمي العربي تدعو للقلق الشديد.
تفاصيل ما حدث كان أشبه باللغز المثير الذي استعصى على الإمساك برموزه وفك شفراته عند الوهلة الأولى؛ فالسودان لم يعلن عن الحادثة إلا بعد شهرين من وقوعها، وجاءت المعلومات متضاربة ويكتنفها الغموض، كما أكدت المصادر الأمريكية التي تمتلك اليد الطولى في المنطقة أنها أبلغت الحكومة السودانية بوجود أنشطة للمهربين في شرق البلاد.
وأيا كان الأمر فإن المؤكد هو استباحة الأمن القومي العربي؛ حيث أصبحت الدولة العبرية بعد توقيع اتفاق التفاهم مع الولايات المتحدة لمنع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة أكثر تمسكا بمبدأ شد الأطراف في تعاملها مع النظام العربي.. إن خير وسيلة للوصول إلى منطقة القلب العربية هي النيل من أطرافها، وهذا ما تحاوله إسرائيل عبر التفافها على العرب من خلال بوابة إفريقيا.
إفريقيا في عمق الفكر الإسرائيلي
وقد باتت منطقة شرق إفريقيا تعج بالوجود العسكري والاستخباراتي الأجنبي؛ فقاعدة (لومونيه) في جيبوتي تستضيف نحو 2000 جندي أمريكي باتوا تابعين للقيادة العسكرية الإفريقية الجديدة (أفريكوم). كما يوجد نحو 3000 جندي فرنسي لا يزالون متمركزين في جيبوتي، وأضحت أساطيل الشرق والغرب تجوب سواحل خليج عدن بحجة مكافحة القرصنة، وإسرائيل تستفيد من ذلك كله لتحقيق حلمها التاريخي في تحقيق الأمن والهيمنة.
ومن المعروف أن إفريقيا كانت منذ البداية تمثل معركة الإرادة بين العرب وإسرائيل؛ فقد عملت جميع أجهزة الدولة العبرية بدأب شديد من أجل الوصول إلى السودان لمحاصرة مصر والنفاذ إلى البحر الأحمر، وقد بدأت الدبلوماسية الإسرائيلية مسيرتها من غرب إفريقيا حينما افتتحت أول سفارة إسرائيلية في القارة السمراء في قلب العاصمة الغانية أكرا في نوفمبر عام 1956، وبعد نحو عامين قامت جولدا مائير بجولة إفريقية شملت دولا مهمة مثل غانا وليبيريا وكوت ديفوار.
واللافت للنظر أن إسرائيل أيقنت منذ البداية أنها بحاجة إلى دعم وتمويل الولايات المتحدة؛ ففي 24 يوليو 1958 كتب رئيس الوزراء الإسرائيلي "ديفيد بن جوريون" مذكرة إلى الرئيس الأمريكي "أيزنهاور" يقول فيها: "إن هدفنا هو إقامة تحالف بين مجموعة من الدول، ليس بالضرورة تحالفا رسميا أو عاما، وإنما يستطيع أن يقف ضد التوسع السوفييتي من خلال جمال عبد الناصر، وأن يكون قادرا أيضا على حماية لبنان وسوريا... إننا نستطيع تنفيذ هذه المهمة الحيوية بالنسبة لنا".
ويلاحظ أن المذكرة طالبت بتوفير الدعم المالي والسياسي والمعنوي لكل من تركيا وإيران وإثيوبيا، وجميعها تشكل أطراف الجوار الجغرافي الأساسية للنظام الإقليمي العربي، وقد صيغت هذه المذكرة بدقة شديدة لتطرح الاهتمامات الأساسية للـرئيس "أيزنهاور" ووزير خارجيته "دالاس"، والمتمثلة في التهديد الناجم عن التوسع السوفييتي في المنطقة وليس قضية الصراع العربي الإسرائيلي.
الأدوات والأساليب الإسرائيلية
ويبدو أن إسرائيل كانت تعتمد على مجموعة من الأدوات والسياسات في تعاملها مع الأفارقة منذ الاستقلال وحتى اليوم، ومن ذلك:
1- توفير التدريبات اللازمة لقوات الشرطة والجيش، وتجارة الأسلحة، وعادة ما يتم توفير الدعم والتدريب العسكري لبعض الأشخاص المؤثرين في بلدانهم، ولعل من الأمثلة الواضحة على ذلك الجنرال موبوتو سيسي سيكو الذي كان قائدا للجيش الكونغولي ثم أصبح رئيسا للكونغو، ونشطت إسرائيل أيضا في مجال تدريب الوحدات الخاصة لحماية كبار الشخصيات في الكاميرون وليبيريا وتوجو وزائير.
2- التعاون في مجال الزراعة وتنمية المجتمع، فقد استفادت الدول الإفريقية من المساعدات التقنية والتنموية التي وفرتها إسرائيل لها ولاسيما في مجالات استصلاح الأراضي ومكافحة التصحر وبناء مشروعات البنية الأساسية، وتعتمد إسرائيل على ترويج نموذجها التنموي في إفريقيا من خلال تدريب الأفارقة داخل إسرائيل وفي بلدانهم.
3- المساعدات في المجال الطبي والصحة العامة، وتركز إسرائيل على المناطق الريفية والفقيرة في تقديم خدماتها، ولعل مجال طب العيون وجراحاتها يمثل أحد أبرز مكونات التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا، فثمة مئات العمليات الجراحية التي يجريها الأطباء الإسرائيليون سنويا داخل القارة، ومما يثير العجب أن السفير الإسرائيلي في إثيوبيا قام بإيفاد أحد الصبية من جمهورية أرض الصومال لإجراء جراحة في القلب داخل إسرائيل، وهو الأمر الذي قوبل بإعجاب وتقدير الصوماليين الذين يعانون من غياب إخوانهم العرب.
وتشير وثائق التعاون الدولي الإسرائيلية مع إفريقيا أن تل أبيب أرسلت أنشط عملائها وخبرائها عبر بوابتي أثيوبيا والكونغو الديمقراطية لمحاصرة السودان باعتباره عمقا إستراتيجيا للدولة المصرية، وعليه فإن دوائر التحرك الإسرائيلي في إفريقيا تحاول دائما أن تمثل أداة ضاغطة على صانع القرار المصري والعربي.
ولعل تحليل الموقف الإسرائيلي من قضايا الحرب والسلام في السودان يوضح ما نقول، فالمرء يتعجب من سر تركيز المنظمات الحقوقية والمدنية في الولايات المتحدة على أزمة دارفور، إذ لا يخفى أن معظم هؤلاء من الموالين لإسرائيل والجماعات المسيحية الصهيونية، بالإضافة إلى المحافظين الجدد.
وتسعى هذه المنظمات والجماعات تحت تأثير عناوين حقوق الإنسان والتدخل الإنساني إلى وصف العرب والمسلمين بالإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان من خلال أعمال الإبادة الجماعية في دارفور، ومثل هذا الاتهام يهدف بلا شك إلى صرف الأنظار عن ممارسات إسرائيل الوحشية والقمعية في فلسطين المحتلة، أو على الأقل يتم النظر إلى كل من العرب وإسرائيل على أنهم سواء في نفس مسألة انتهاك حقوق الإنسان، وتلك هي الأجندة الخفية التي تم السكوت عنها في جهود هذه المنظمات وعلى رأسها "تحالف إنقاذ دارفور" و"اتحاد العالم من أجل دارفور" لوضع أزمة "دارفور على قائمة أولويات الإدارة الأمريكية.
إن الموقف الإسرائيلي من المسألة السودانية عموما ينطلق من أبعاد إستراتيجية، وقد أوضح ذلك بجلاء العميد "موشي فرجي" في كتاب له صدر بالعبرية بعنوان "إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان" عن مركز ديان لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا، ولم يلق هذا الكتاب -الذي يعد وثيقة بحد ذاته نظرا لعمل مؤلفه في جهاز الموساد الإسرائيلي- الاهتمام الكافي في العالم العربي على الرغم من أنه ترجم إلى العربية ونشر في القاهرة، يعني ذلك أن الأمر بالنسبة لنا يعتمد على أدبيات التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي وليس من قبيل التفكير التآمري كما يحلو للبعض أن يسميه.
وطبقا للكتاب المذكور، فإن الموقف الإسرائيلي من العالم العربي عموما والسودان خصوصا يقوم على فرضية أساسية ذكرها (بن جوريون) بقوله: "نحن شعب صغير العدد وإمكانيتنا ومواردنا محدودة ولا بد من اختزان هذه المحدودية في مواجهة أعدائنا من الدول العربية من خلال معرفة وتشخيص نقاط الضعف لديها وخاصة العلاقات القائمة بين الجماعات والأقليات الإثنية والطائفية حتى تضخم وتعظم هذه النقاط إلى درجة التحول إلى معضلة يصعب حلها أو احتواؤها".
ولتحقيق هذه الهدف الإستراتيجي اعتمدت إسرائيل على سياسة "شد الأطراف" وقطع الصلة فيما بينها، وهو ما يعني إقامة روابط وعلاقات وثيقة مع مختلف جماعات الأقليات في الوطن العربي بما يتضمنه ذلك من جذب هذه الجماعات عن محيطها الوطني وإبراز هويتها المستقلة بما يشجعها على الانفصال.
وتأمل "تل أبيب" من وراء انتهاج هذه السياسة في إضعاف الدول العربية المستهدفة من خلال تفكيك أوصالها والنيل من مصالحها الوطنية، وقد قام عملاء الموساد بالعمل لفترات طويلة على فتح قنوات اتصال مع ممثلي الأقليات في المنطقة مثلما حدث في شمال العراق ولبنان وجنوب السودان، وهو نفس الأمر الذي يتكرر في حالة دارفور.
وأمام هذا كله لابد من أن يتحرك العملاق المصري "النائم"، ويدافع عن عمقه الإستراتيجي في السودان والبحر الأحمر، وأن يدرك العرب يوما أن أمنهم مستباح... إننا لا نملك إلا أن نقول: "صح النوم يا عرب"!.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، وخبير في الشئون الأفريقية.
|