English

 

الخميس. أبريل. 2, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » شئون عربية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الناتو.. ذراع جديدة لتطويق الشرق الأوسط

أحمد السيد تركي

Image
الناتو.. فاعل جديد في الشرق الأوسط
المتابع لتوجهات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في فترة ما بعد الحرب الباردة يستطيع أن يؤكد أن منطقة الشرق الأوسط باتت من أكثر مناطق العالم على أولوية تحركات الناتو؛ وذلك بعد أن قام الحلف بتطويقها ابتداء بالعراق من خلال تدريب قواتها الأمنية، ومرورا بتوسيع الحوار مع دول جنوب المتوسط، وتطوير علاقاته بدول مجلس التعاون الخليجي، وانتهاء بفرض وجوده في منطقة بحر العرب وخليج عدن لتعزيز الأمن الملاحي، ناهيك عن دوره الرقابي في منع تسليح حركة حماس، ودوره في قضية الصحراء الغربية.

والواقع أن منطقة الشرق الأوسط كانت ولا تزال مطمعا استعماريا؛ حيث ارتبط مفهوم الشرق الأوسط بالرؤية الغربية لاستعمارية لتحقيق مصالحها الإستراتيجية، وبتصورها لإعادة صياغة وتركيب المنطقة منذ القرن الماضي وحتى الآن، ومن ثم فإن المتابع لتوجهات السياسة الاستعمارية بعد الثورة البترولية أو ما سمي بالانقلاب الجيوبوليتيكي/الإستراتيجي -على حد تعبير العالم الرحل د.جمال حمدان في مطلع الثمانينيات، في كتابه "إستراتيجية الاستعمار والتحرير"- يستشف أن حلف الناتو قد أصبح الذراع الأساسية لتحقيق تلك المصالح الإستراتيجية للغرب بصفة عامة، في زمن العولمة السياسية والاقتصادية، ليحولها إلى ما يشبه العولمة العسكرية؛ وذلك بخلق صيغ ناعمة للتعاون العسكري مع دول المنطقة، أو من خلال صياغات مرنة للتعامل؛ لتعود فكرة الاستقرار الأمني أولا إلى واجهة الوسائل والأدوات التي يستخدمها الحلف.

ولم يأت اهتمام الحلف بدول الشرق الأوسط من منطلق تحسين صورته كما ذكر سكرتيره العام "هووب دي شيفر"، بأننا "نريد أن نحسن صورتنا في العالم العربي"، وإنما من نظرة الحلف إلى الشرق الأوسط باعتباره "مبعثا ومنشأ" لكثير من الظواهر السياسية والأمنية التي تعتبر مصدرا لتهديدات إستراتيجية مستقبلية على دول الحلف الـ26، ومن أبرز هذه الظواهر: "الإرهاب"، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، واستمرار عمليات الهجرة غير المشروعة من الدول العربية لدول الحلف.

وسائل ومحاور تدخل الناتو

ويرتكز تدخل الناتو في الشرق الأوسط على عدة محاور، كما يمتلك وسائل وآليات تمكنه من تطبيق سياسة التطويق، ومنها:

ـ العمل على وقف نزاع مسلح من خلال الانحياز لصالح تيار على حساب تيار آخر، أو فصيل على حساب فصيل آخر، يرى أنه الأقدر والأجدر على تحقيق أهدافه دون أي تدخل عسكري مسلح، أو من خلال خلق آلية مشتركة للتنسيق بين أولويات الحلف وأولويات المبادرات الأخرى التي غالبا ما تطرح من قبل الدول الأعضاء فيه.

ـ المحافظة على الاستقرار والأمن الإقليمي من خلال تفصيل برامج التعاون والتدريب لكل دولة بما يراعي خصوصياتها ومتطلباتها، انطلاقا من التغيرات الجيو-إستراتيجية المهمة، والتي تحولت على إثرها طبيعة حلف الناتو من القيام بمهام عسكرية تقليدية إلى مهام جديدة تتمثل في حفظ السلام والأمن الإقليمي؛ بما يتطلبه ذلك من إقامة شراكة مع دول عربية ومتوسطية من أجل تحقيق ذلك الهدف.

ـ المحافظة على وتحقيق الأمن الملاحي، وهي وسيلة حديثة طبقها الحلف في منطقة بحر العرب، وخليج عدن، والقرن الإفريقي تحت دعوى تخليص المنطقة من أعمال القرصنة من خلال التحكم في أربعة مضايق أساسية يُعنى بها أمن الخليج، واستتباعا أمن الطاقة النفطية، وهي مضايق: هرمز، وباب المندب، وبالك الواقع بين سريلانكا والهند، وملقا الواقع بين سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا.

ومن أجل تفعيل هذه الوسائل، يتحرك الحلف على ثلاثة محاور أساسية:

-       المحور الأول يتعلق بالعمل على استمرار الحوار المتوسطي الذي يضم -إضافة إلى دول الاتحاد الأوروبي- سبع دول من شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وهي: الجزائر، ومصر، وإسرائيل، والأردن، وموريتانيا، والمغرب، وتونس.

ويتناول هذا الحوار موضوعات تهم دول الناتو مثل: الإجراءات المتعلقة بالطيران، وأمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، والإصلاح العسكري، والتخطيط لحالات الطوارئ المدنية، بالإضافة إلى المناورات العسكرية، والتدريب والتعليم. ويثير هذا المحور إشكالية العلاقة بين الناتو والاتحاد الأوروبي؛ باعتبار أن معظم دول الاتحاد أعضاء في الحلف الأطلسي، ويرتبط بذلك مسألة ازدواجية أو تعدد الولاءات.

- أما المحور الثاني فيتعلق بمبادرة إستانبول للتعاون، والتي طرحت في يونيو 2004، وتركز على إقامة علاقات تعاون مع بلدان الشرق الأوسط، عن طريق طرح مبادرات تتعلق بالتدريب المشترك، ومكافحة الإرهاب، والإصلاح العسكري بالدرجة التي يُسمح فيها بالسيطرة الديمقراطية على القوات المسلحة، وإدارة الدولة عن طريق جهات مدنية ديمقراطية، بالتزامن مع ضرورة مناقشة ميزانية القوات المسلحة في برلمانات الدول، فضلا عن خلق آلية مناسبة يتم من خلالها مشاركة دول الشرق الأوسط مع قوات حلف الناتو في عمليات مشتركة في مناطق التوتر الدولي التي يشارك فيها الحلف.

- أما مشاركة حلف الناتو في عمليات محددة المهام في المنطقة العربية، مثل تدريب قوات الأمن العراقية، سواء داخل العراق أم خارجه؛ فتمثل المحور الثالث الذي يحقق المصالح الإستراتيجية لكل أعضاء الحلف، انطلاقا من أن العلاقات بين الدول الأعضاء تحكمها المصالح التي تخضع لحسابات وتباديل وتوافيق، منها ما هو معلن وما هو غير معلن.

وفي هذا السياق ربما رسخت خبرة عدم مشاركة الحلف للولايات المتحدة في غزو العراق فكرة وجود فرصة لعلاقات إستراتيجية مفتوحة بين المنطقة العربية وبين حلف الناتو.

تطويق الشرق الأوسط

وتأسيسا على ما سبق، اتبع حلف الناتو إستراتيجية تطويق دول الشرق الأوسط من خلال التواجد في عدة مناطق تعد ركيزة محورية لتحقيق الأهداف الغربية الإستراتيجية تحت مزاعم تبريرية، أو ما يمكن أن نطلق عليه الاستعمار الناعم أو المرن، وتمتد هذه المناطق من الخليج العربي والعراق إلى القرن الإفريقي، ومن البحر المتوسط حتى المحيط الأطلنطي.

وإذا كان الحلف سباقا في التعاون مع دول منطقة الخليج (المحرر: وهو ما سيخصص له مقال منفرد)؛ فإن الجديد هو أن الوضع الأفغاني المتعثر قد ساق الحلف اضطرارا إلى طرق أبواب طهران، ولعل زيارة دبلوماسي إيراني لمقر الناتو في بروكسل في الأسبوع الأخير من مارس 2009 واجتماعه بنائب السكرتير العام للحلف مارتن إيردمان، تعد مبادرة إيرانية تحمل العديد من المعاني والدلالات في إطار تعاون مستقبلي بين الحلف وطهران؛ رغم ما بين إيران والغرب من مشكلات ضخمة وملفات شائكة أبرزها برنامج إيران النووي.

ومع استثناء منطقة الخليج العربي، يمكن تناول أبرز مناطق تدخل الناتو الأخرى في الشرق الأوسط فيما يلي:

أولا: الناتو والعراق.. تعاون محدد برؤية أمريكية:

بعد رفض الناتو مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية عدوانها على العراق بسبب الرفض الألماني والفرنسي، نجحت واشنطن في إشراك الناتو بالقيام بدور أمني بالعراق؛ لما يمثله انهياره من تهديدات لأمن المنطقة مستقبلا، ولذلك وافق الحلف في قمة إستانبول 2004 على تقديم المساعدة في تدريب قوات الأمن العراقية.

واستند الحلف في دوره بالعراق على طلب الحكومة العراقية رسميا مساعدة الحلف في تدريب القوات العراقية، وعلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1546، الذي تضمن الطلب من المؤسسات الدولية والإقليمية تقديم العون للقوة متعددة الجنسية في العراق.

ووضعت واشنطن حدودا لهذا الدور مفاده: أن تتولى الوحدات التي يرسلها الحلف المراقبة الجوية، والرصد والاستطلاع لتحديد مواقع المقاومة العراقية، على أن يتم ربطها بغرفة استقبال رئيسية تخضع للقيادة الأمريكية، وألا يرسل الحلف للعراق قوات عسكرية دفعة واحدة، مع استبعاد فرنسا من المشاركة في المهام العسكرية التي سيقوم بها الحلف في مواجهة المقاومة العراقية، وأن يقتصر دورها على تأمين ودعم البعثات الدولية الإنسانية وموظفي الأمم المتحدة.

ثانيا: الناتو ومراقبة تسليح حماس:

جاء البند الثاني من مذكرة التفاهم التي وقعتها وزيرتا الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس والإسرائيلية تسيبي ليفني (السابقتين) في السادس عشر من يناير 2009، لمنع تسليح غزة، وتجفيف منابع قوة حماس.. جاء متضمنا دورا محوريا لحلف الناتو في عملية المراقبة؛ حيث تنص على أن "تعمل الولايات المتحدة مع الشركاء في المنطقة وفي حلف الناتو على مراقبة نقل الأسلحة والمواد العسكرية إلى حماس عبر البحر المتوسط، وخليج عدن، والساحل الشرقي من البحر الأحمر في إفريقيا من خلال تحسين الترتيبات القائمة، أو إطلاق مبادرات جديدة لزيادة فعالية هذه الترتيبات المتعلقة بمنع تهريب الأسلحة".

ومن بين الأدوات التي تستخدم لتنفيذ ذلك: تعزيز التعاون بين المخابرات الأمريكية والحكومات الإقليمية لمنع تدفق الأسلحة والمتفجرات إلى غزة من خلال إشراك المخابرات المركزية، والقيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا، والقيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا، وقيادة العمليات الخاصة الأمريكية، وتعزيز الانصهار بين المخابرات والقوات البحرية الدولية والقوات البحرية التابعة للتحالف للتعامل مع تهريب الأسلحة لغزة، وتشديد العقوبات الدولية القائمة.

ولم يكتف الغرب بذلك، وإنما عقدت واشنطن يوم 13 مارس 2009 مؤتمرا بلندن، اتفقت فيه مع كندا وسبع دول أوروبية أخرى على خطوات عملية لمنع وصول السلاح إلى غزة، منها: اعتراض السفن وتفتيشها في البحر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والضغط الدبلوماسي.

ثالثا: تأمين الأمن الملاحي في منطقة القرن الإفريقي:

تشكل تلك المنطقة أهمية بالغة للأمن الإقليمي والدولي على حد سواء؛ فهي تشرف على وتتحكم في ممر مائي ربما يكون من أكثر الممرات المائية خطورة وأهمية إستراتيجية، وهو البحر الأحمر بخلجانه ومضايقه الجيو-إستراتيجية بالغة الحساسية للتجارة الدولية؛ حيث ينقل عبره نفط الخليج العربي إلى مراكز استهلاكه في أوروبا.

وبعد مصادقة مجلس الأمن الدولي في الثاني من يونيو 2008 على القرار رقم 1816 الذي منح الدول حق إرسال سفن حربية إلى مياه الصومال الإقليمية لمكافحة القرصنة، قرر حلف الناتو إرسال سبع من بوارجه الحربية إلى القطاع الجنوبي الغربي من بحر العرب؛ لضمان "الأمن الملاحي" في المنطقة، وكانت فرنسا قد طرحت في فبراير 2008 فكرة تشكيل قوة دولية بتفويض من مجلس الأمن الدولي لذات الهدف.

ورغم أن هذه البوارج الحربية غير مهيأة لمطاردة الزوارق السريعة للقراصنة في بحر العرب وخليج عدن، إلا أنه يمكن القول إن الولايات المتحدة نجحت في توظيف حلف الناتو لتحقيق أمنها القومي ومصالحها الجيو-إستراتيجية الكونية في هذه المنطقة، والتي دعا وزير الدفاع الأمريكي الأسبق كاسبر واينبرجر في مايو 1981 دول الحلف إلى المساهمة في ترتيبات الأمن في هذه المنطقة منذ 27 عاما.

ثم جاء قرار الاتحاد الأوروبي بتشكيل قوة عسكرية دائمة للمرابطة في بحر العرب ليعيد للأذهان أهمية الدور الأوروبي في المنطقة، ولتصبح المنطقة ساحة للتنافس الدولي عليها، بعد توقيع روسيا اتفاقا خاصا مع الحكومة الانتقالية في مقديشو لتقنين عمل سفينة الحراسة الروسية "نيوستراشيمي"، ناهيك عن الوجود الدولي المكثف في جيبوتي؛ حيث تحتفظ أمريكا بقاعدة عسكرية لها بجانب القاعدتين الفرنسية والألمانية.

كما أنشأت الولايات المتحدة قاعدة عسكرية أمريكية في جيبوتي لتكون مقرا لرئاسة أركان قوات التحالف الدولي التي تراقب دول الجانب العربي والإفريقي للبحر الأحمر، ونشأ هذا التواجد الدولي المكثف بالمنطقة نتيجة عدم الاستقرار، والصراع في القرن الإفريقي.

رابعا: الناتو والصحراء الغربية:

تنبع أهمية قضية الصحراء في المنظومة الدولية، ليس لأهمية مساحتها الجغرافية أو ثرواتها الطبيعية وحسب، وإنما لدورها في تعميق تبعية دول المنطقة أيضا، وقد استمرت هذه الوضعية رغم انتهاء الحرب الباردة، وكان العامل الدولي أحد أهم العوامل الفاعلة في قضية الصحراء الغربية، ومن ثم في تطور العلاقات بين دول المغرب العربي بصفة عامة، وبين المغرب والجزائر بصفة خاصة.

وشهدت تلك القضية تجاذبا دوليا كبيرا بين فرنسا التي تنظر إلى الجزائر باعتباره خزانا نفطيا، والمغرب باعتباره موقعا إستراتيجيا، عززهما الماضي الاستعماري الفرنسي، وبين واشنطن التي كانت أكثر مراعاة للمطالب المغربية بخصوص النزاع، وكانت النتيجة الحتمية لذلك هي عودة سياسة المحاور الثنائية في المنطقة، والتي ارتكزت على حاجة كل من تونس والجزائر لتنسيق المواقف إزاء المشاريع الأوروبية والأمريكية التي تم طرحها في المنطقة.

وبرز الاستقطاب الفرنسي الأمريكي بداية عبر طرح الاتحاد الأوروبي فكرة إدماج الدول المغربية؛ إذ تم طرح مشروع الشراكة الأورومتوسطية المعروف بمسار برشلونة في عام 1996، ولكن سرعان ما تدخل الناتو بدفع أمريكي في المنطقة من خلال مشروع حلف الناتو المسمى بـ"الشراكة من أجل السلام"، والهادف لإدماج الدول المغربية في مشروع أمني عسكري يؤكد التحكم في المنطقة بما يضمن عدم تأثر دول جنوب أوروبا بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية لشمال إفريقيا.

ومن هنا يمكن القول إن حلف الأطلسي بعد توسيع حيزه الجيوسياسي، والذي سمح له بالتدخل في أزمات البلقان وأفغانستان، وتوسيع مهام ومسئوليات الحلف لتتجاوز الأطر العسكرية لعمليات حفظ وبناء السلام، والتدخل في الصراعات العرقية، عمد إلى إقامة علاقات خاصة مع جنوب وشرق المتوسط والخليج، وبدا الحلف بمثابة الذراع العسكرية للغرب في توسيع نطاق منظومة العولمة الغربية.

لكن آلية الحلف وهيكلته الحالية، وربما دوره على الصعيد الإستراتيجي، لا يزال محل نقاش وجدل واسعين في الدوائر العسكرية الغربية، كما أن الحلف يواجه مأزقا حقيقيا في إعادة صياغة أهدافه ودوره، كما يظل استمرار وتوسيع دور الحلف في الشرق الأوسط مرهونا بمدى قبول البيئة الإستراتيجية في المنطقة لذلك الدور.


  كاتب وباحث سياسي

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات