|
| مقر تدريب الشرطة في لاهور |
جاء الهجوم المسلح على مركز لتدريب الشرطة قرب مدينة لاهور عاصمة إقليم بنجاب أكبر أقاليم باكستان، يوم 30 مارس الماضي، ليؤكد على توسع دائرة العنف خارج مناطق القبائل وإقليم سرحد الذي تنشط فيه حركة طالبان الباكستانية.
ويعتبر هذا هو الهجوم الثاني في شهر مارس في لاهور العاصمة الثقافية لباكستان؛ حيث شهد قلب المدينة هجوما مسلحا على قافلة الفريق السريلانكي للكريكت يوم 3 مارس الماضي راح ضحيته 8 من رجال الشرطة، وجرح عدد من أعضاء الفريق السريلانكي.
الهجوم الأول الذي لاذ منفذوه بالفرار من مسرح العملية في وضح النهار, ادعت جماعة "فدائيان إسلام" المجهولة مسئوليتها، وهي نفس المجموعة التي ادعت مسئولية الهجوم الأخير على مركز تدريب الشرطة، غير أن الجديد في الهجوم الأخير أن زعيم حركة طالبان الباكستانية بيت الله محسود (أو بيعت الله) صرح بعد يوم من الحادث أن حركته هي التي قامت بالهجوم ردا على الهجمات الأمريكية على منطقة القبائل، كما أنه لم يعلق على ادعاء مجموعة "فدائيان إسلام" للقيام بهذا الأمر.
الرجل في أول ظهور إعلامي له بعد قيام الحكومة الأمريكية بوضع مكافأة مالية قدرها 5 ملايين دولار للقبض عليه، حذر الولايات المتحدة من هجمات "نوعية" داخل الأراضي الأمريكية نفسها، وأكد أنه يتمنى أن يموت في سبيل الله.
رسالة طالبانية لأمريكا
يحاول بعض المراقبين أن يضع الهجوم الأخير في إطار رد عملي لزعيم حركة طالبان باكستان على إعلان المكافأة الأمريكية للقبض عليه، غير أن الآخرين يرون أن نقل العنف إلى إقليم بنجاب بدأ مؤخرا قبل إعلان الجائزة، في إطار فتح جبهات جديدة على الحكومة الباكستانية لتخفيف الضغط على منطقة القبائل.
كما أن المجموعات الإسلامية المسلحة المنحدرة من إقليم بنجاب، والتي كانت تتمركز في منقطة القبائل للقتال في أفغانستان، بدأت تنقل نشاطها إلى هذا الإقليم بعد نجاح الإسلاميين المسلحين في وادي سوات من فرض شروطهم على الحكومة بقوة السلاح، فنقل الحرب إلى هذا الإقليم الأكثر أهمية في باكستان، والأكثر سكانا وزراعة، يعتبر نجاحا كبيرا لحركة طالبان وبقية المجموعات الجهادية التي نشأت في باكستان أثناء الجهاد الأفغاني في الثمانينيات من القرن الماضي، واتجهت للقتال في كشمير المحتلة من قبل الهند.
كما أن حدوث هذا الهجوم في أعقاب إعلان الإستراتيجية الأمريكية الجديدة لأفغانستان وباكستان، يحمل دلالات واضحة لأهمية التعامل مع قضية الإرهاب، ليس فقط في مناطق القبائل التي اعتبرها الرئيس أوباما المنطقة الأكثر خطرا على العالم.
حرب مدن.. تطوير أساليب القتال
ويعطي اختيار الأهداف الأمنية السهلة، مثل الشرطة، أو مراكز التدريب الأمنية، عبر قيام مجموعات مسلحة صغيرة، انطباعا واضحا حول تطور الأساليب القتالية لهذه المجوعات؛ وهو ما ظهر كذلك جليا في هجمات مومباي في نوفمبر الماضي وكذلك في الهجوم على الفريق السريلانكي في مدينة لاهور الباكستانية.
فأعمال العنف التي شهدها إقليم بنجاب خلال الفترة الأخيرة تنوعت بين تفجيرات انتحارية للمقار الأمنية، واستهداف السياسيين ومراكز الشرطة، ومؤخرا الهجمات المسلحة المباشرة، يحمل فيه كل مهاجم أسلحة وذخيرة كافية لأطول فترة قتال، بجانب المؤن من الماء والغذاء المجفف، وبقية الأدوات الضرورية، وقد يتركونها وراءهم بعد إتمام العملية والتمكن من الفرار كما كان الحال في الهجوم على الفريق السريلانكي أوائل مارس الماضي.
وفي حالة استمرار الضغط على مناطق القبائل، خصوصا بعد التركيز الأمريكي عليها، من المتوقع أن يشهد إقليم بنجاب موجات أخرى من أعمال مسلحة مثل هذه؛ وهو أمر يثير الكثير من القلق لهذا الإقليم الذي شهد مؤخرا صراعا سياسيا بين حزب الشعب الحاكم وحزب الرابطة جناح نواز شريف، والذي تم بتدخل الرئيس لإلغاء حكم المحكمة العليا لعدم أهلية الأخوين نواز شريف وشهباز شريف للعمل السياسي.
القرار الرئاسي أرجع شهباز إلى رئاسة وزراء بنجاب من جديد؛ لأهمية الاستقرار في هذا الإقليم الهام جدا في باكستان.
ضريبة التعاون مع واشنطن
الرأي العام في الشارع الباكستاني انقسم ما بين مستنكر لهذه العملية التي استهدفت الشرطة المتدربين، واعتبرها عملا إرهابيا لا يخدم لا الإسلام ولا باكستان، وبين من رأى أن مثل هذه الهجمات هي ضريبة تعاون قادة باكستان السياسيين والعسكريين مع الأجندة الأمريكية، واستمرار الهجمات الأمريكية بطائرات بدون طيار على المناطق القبلية.
فالحكومة الباكستانية بقيادة حزب الشعب ذي التوجه العلماني تؤكد على تعاونها التام مع واشنطن في حربها على "الإرهاب"؛ وهو توجه مستمر منذ عهد مشرف، والذي حصّلت إسلام آباد خلاله أكثر من 10 مليارات دولار من الخزانة الأمريكية، وقد تم تضمين 7.5 مليارات أخرى لخمس سنوات قادمة ضمن إستراتيجية أوباما الجديدة لأفغانستان وباكستان.
ورغم التعاون الباكستاني المعلن مع واشنطن، إلا أنه مؤخرا بدأ الإعلام الغربي والمسئولون الغربيون والأمريكيون يرددون اتهامات إلى عناصر في الاستخبارات الباكستانية "آي إس آي" بالوقوف وراء تدريب وتجهيز طالبان أفغانستان ومجموعات موالية لها في باكستان، وكذلك تلك التي تقاتل في كشمير المحتلة في الهند، وتتهم باكستان بالقيام بلعبة مزدوجة مع العالم.
الحكومة الباكستانية الجديدة، رغم اعترافها سابقا بوجود بعض الحالات المماثلة، إلا أنها ترفض هذه الاتهامات باستمرار، وتعتبرها جزءا من الضغوط التي تمارسها اللوبيات الهندية والإسرائيلية في واشنطن والعواصم الغربية ضد باكستان، وتؤكد بأن باكستان نفسها "ضحية" الإرهاب، وأنها تبذل كل ما بوسعها لالتزاماتها الداخلية والخارجية لمواجهة هذا الخطر، خصوصا أن الرئيس الباكستاني كرر أكثر من مرة أن مشكلة باكستان الأساسية هي الإرهاب وليس الهند.
وتجد الحكومة الباكستانية نفسها في حرج كبير مع استمرار الهجمات الأمريكية على منطقة القبائل ضد أهداف يفترض أنها تابعة لتنظيم القاعدة أو الموالين له؛ فالحكومة مطالبة بالتصالح مع الرأي العام الشعبي الذي بدأ يضيق ذرعا بالمشاكل الاقتصادية والأمنية، والجنوح إلى الشعارات الدينية المتشددة، خصوصا بعد تجربة وادي سوات والإذعان إلى مطالب الإسلاميين المسلحين، وعقد اتفاقية سلام معهم على خلفية عام من الصراع الدامي.
ونقلت مصادر إعلامية مؤخرا أنباء عن توحيد المجموعات الطالبانية الثلاث في منطقة وزيرستان بقيادة كل من بيت الله محسود، وحافظ بهادر، ومولوي نذير من أجل توجيه ضرباتها ضد القوات الأمريكية وحلف الناتو في أفغانستان، ووقف العمليات ضد الجيش الباكستاني بناء على طلب من الملا محمد عمر زعيم حركة طالبان الأفغانية.
لكن جاء هذا الهجوم ليثبت أن دوامة العنف المسلح مستمرة في باكستان، ويبدو أنه من الصعب احتواؤها في ظل استمرار الأزمات التي تشهدها المنطقة بداية من كشمير إلى أفغانستان وآسيا الوسطى والشرق الأوسط.
كاتب ومحلل سياسي أفغاني.
|