|
| البابا بندكتس يلقي بثقل الفاتيكان في إفريقيا |
بعد 11 زيارة خارج الأراضي الإيطالية، شملت كلا من الولايات المتحدة والبرازيل وفرنسا وإسبانيا وأستراليا وغيرها، جاء الدور على إفريقيا لكي تحظى بأول زيارة رسولية لبابا الفاتيكان بندكتس السادس عشر Benedict XVI، منذ اعتلائه السدة البابوية في أبريل 2005.
وبهذه الزيارة التي تمت خلال الفترة من 17 إلى 23 مارس 2009، يصبح البابا بندكتس السادس عشر هو البابا الثالث للفاتيكان الذي يزور القارة السمراء، بعد أن سبقه إليها كل من البابا بولس السادس، عندما زار أوغندا قبل 40 عاماً خلال المدة من 31 يوليو إلى 2 أغسطس 1969، وأيضاً البابا يوحنا بولس الثاني، الذي فاقت زياراته لإفريقيا عدد زياراته مجتمعة لقارات العالم الأخرى، حيث زار القارة 12 مرة، خلال المدة من 1980 إلى 2000، أمضى خلالها أكثر من 3 أشهر من خدمته البابوية في إفريقيا، ومن ثم تعتبر هذه الزيارة هي الرابعة عشر التي يقوم بها آباء الفاتيكان إلى إفريقيا.
وشملت هذه الزيارة دولتين هما الكاميرون وأنجولا، وقد اختيرت هاتان الدولتان لإعطاء بعد عام للزيارة؛ فالكاميرون التي تعتمد اللغتين الفرنسية والإنجليزية تعتبر أرضاً للسلام والمصالحة الوطنية، وملاذاً للآلاف من اللاجئين الفارين من ويلات الحروب والصراعات في محيطها الإقليمي، كما أنها تشهد علاقات جيدة بين المسلمين والمسيحيين الكاثوليك، الذين يشكلون 21.8% و27% على الترتيب من إجمالي سكان الدولة البالغ 17 مليون نسمة، والذين يتوزعون بين أكثر من 200 جماعة إثنية، ومن ثم حرص البابا على تلبية دعوة رئيسها بول بيا والمؤتمر الوطني الأسقفي لزيارة البلاد.
أما أنجولا الناطقة بالبرتغالية فكانت أول بلد إفريقي بشر فيه بالدين المسيحي، وفى هذا الإطار أكد البابا أهمية اللقاء بأساقفة أنجولا، الذين يمثلون أقدم الجماعات الكاثوليكية في إفريقيا جنوب خط الاستواء، وذلك من أجل تثبيت إيمانهم بيسوع المسيح.
ونظراً لكونه إمبراطوراً رمزيًّا للكاثوليك في العالم؛ فقد أحيطت زيارة البابا بهالة من الاحتفالات غير العادية، بدءاً من الاستقبال الرسمي من جانب رئيسي الكاميرون وأنجولا، واحتشاد الآلاف من مواطني الدولتين حاملين الورود واللافتات الترحيبية، أملاً في أن تجلب تلك الزيارة إليهم الخير والسلم، وهنا صرح الفاتيكان أن الاستقبال الرائع الذي لاقاه البابا من جانب الأساقفة والشعوب الإفريقية يعكس مدى التضامن الإفريقي الكبير مع الحبر الأعظم، الذي لم يشعر بالوحدة مطلقاً خلال زيارته للقارة.
هذا وتستقبل الكاميرون خليفة الرسول بطرس للمرة الثالثة بعد زيارتي البابا يوحنا بولس الثاني لها خلال عامي 1985و1995، في حين تعد الزيارة الحالية هي الزيارة البابوية الثانية لأنجولا، التي يشكل فيها الكاثوليك 38%، بعد أن زارها البابا السابق خلال فترة توقف الحرب الأهلية عام 1992، وبالرغم من أن زيارة البابا تقتصر على دولتين فقط، إلا أن الفاتيكان حرصت على دعوة أساقفة من كل الدول الإفريقية للقاء البابا، وذلك لأجل نقل رسالة البابا عبر كافة أرجاء القارة.
أهمية الزيارة
كشفت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الفاتيكان في مارس 2008 عن تفوق نسبة المسلمين في العالم (21.1%) عن نسبة الكاثوليك (17%)، في هذا السياق تعكس زيارة البابا لإفريقيا اهتماماً خاصًّا من الفاتيكان بهذه القارة، التي تعتبر طوق النجاة الأخير للكاثوليكية في العالم، خاصة إذا ما صحت التقارير التي أصدرها الفاتيكان مؤخراً حول زيادة نسبة الكاثوليك في إفريقيا بمقدار 3% خلال العام 2007، وأن نصف عدد المعموديات التي تخصص للبالغين في العالم كائنة في إفريقيا، وذلك مقارنة بثبات، وربما تراجع، نسبة الكاثوليك في مناطق العالم الأخرى، خاصة في الدول الغربية التي يزيد فيها عدد المسلمين، بدرجة جعلت الفاتيكان تحذر من أسلمة أوروبا، وانحسار هويتها المسيحية، في ظل انخفاض معدل المواليد، وزيادة عدد المهاجرين المسلمين.
هذا بالإضافة إلى الشواهد الكثيرة التي تدل على حدوث تراجع واضح في الإقبال على ممارسة الشعائر الدينية في مناطق شتى من العالم، وليس أدل على ذلك من أن الذين يشاركون في القداس في فرنسا (معقل الكاثوليكية) يقل عددهم عن 5% من السكان، بالإضافة إلى فقدان الكاثوليكية نحو 7% من المؤمنين بها في الولايات المتحدة، وانخفاض نسبة المسيحيين في فلسطين "بلد المسيح" من 20% إلى 8.1%.
ومن ثم أكد الناطق باسم الفاتيكان أن زيارة البابا لإفريقيا تعد زيارة لمنطقة تتسم فيها الكنائس الكاثوليكية بالديناميكية، ومن ثم تعتبر القارة السمراء حيوية بالنسبة لمستقبل الكنيسة الكاثوليكية في العالم، خاصة بعد أن أحرزت كثير من دول القارة نوعاً من التقدم على طريق الإصلاح السياسي، كما أن هذه الزيارة تمكن البابا من معاينة الواقع الإفريقي عن كسب، وتنفي ما يشاع عن النزعة الأوروبية للبابا، حيث أكد البابا سعيه إلى احتضان القارة بأكملها، بما في ذلك اختلافاتها وروحها الدينية العميقة وثقافاتها القديمة، ومشكلاتها الخطيرة وجروحها الدامية، وإمكانياتها الهائلة، وطريقها الصعب نحو التنمية والمصالحة الوطنية.
أهداف الزيارة
عبر البابا عن مكانة إفريقيا في قلبه، وسروره الكبير بزيارتها للمرة الأولى منذ اعتلائه السدة البطرسية، مؤكداً أنه أتى إلى إفريقيا كراعٍ لتثبيت الإخوة والأخوات في الإيمان، مشيراً إلى أنه يواصل الرسالة التي أوكلها السيد المسيح لبطرس في العشاء الأخير، كما أكد البابا أن شهادة قديسين كبارا في هذه القارة، خلال العصور المسيحية الأولى، من بينهم القديسة مونيكا والقديسون قبريانوس، وأغسطينس، وأثناسيوس، تُظهر مكانة إفريقيا الفريدة في تاريخ الكنيسة.
وقد جاءت هذه الزيارة تحت عنوان عريض هو "دفع الكاثوليك في إفريقيا إلى التزام السلام والعدل"، كما أنها استهدفت التحضير للمجمع الكنسي الثاني للأساقفة الأفارقة "السينودوس"، المقرر عقده في حاضرة الفاتيكان في روما في أكتوبر 2009، والذي يرمي إلى وقف تدمير الهوية الإفريقية بفعل العولمة، والحفاظ على القيم الإفريقية وفي مقدمتها: احترام الأجداد واحترام الحياة وثقافة التعاضد... فهل تنجح الفاتيكان في ذلك، بعد أن أخفق المجمع الكنسي الأول للأساقفة الأفارقة عام 1994 في وقف عمليات الإبادة الجماعية في رواندا حينذاك؟
توقيت الزيارة
وقد تزامن لتوقيت الزيارة مع إعلان الفاتيكان العام 2009 كعام لإفريقيا، وكذا مع احتفال أنجولا بمرور 500 عام على بدء النشاط التبشيري فيها، كما أنه يأتي كمحاولة للخروج – ولو مؤقتاً – من أجواء الأزمات التي تلاحق الحبر الأعظم، والتي أثارها الاعتراف بوجود الخطيئة داخل الكنيسة الكاثوليكية، واعتزام البابا إصدار قرار بمنع الشواذ من أن يصبحوا قساوسة كاثوليكيين، وذلك بعد تزايد الفضائح الجنسية التي يقوم بها هؤلاء؛ مما أضر بمصداقية الكنيسة.
يضاف إلى ذلك الأزمة الناجمة عن رفع الحرم الكنسي عن أساقفة اعتبرهم البابا متشددين، أبرزهم الأسقف البريطاني ريتشارد ويليامسون الذي شكك في محرقة "الهولوكوست"، وهو ما أشعل جدلا محتدما في الأوساط الكنسية والطوائف اليهودية في يناير 2009، وصل لدرجة إعلان الحاخامية الكبرى في إسرائيل قطع العلاقات مع الفاتيكان، بالرغم من أن الفاتيكان دأب على رفض أي تمييز إزاء اليهود أو أي شكل من أشكال معاداة السامية، خاصة منذ تبادل التمثيل الدبلوماسي بين الفاتيكان وإسرائيل في عام 1994.
محاور الرسالة البابوية
تضمنت الزيارة البابوية برنامجاً حاشداً من اللقاءات مع القيادات السياسية والأسقفية والجالية الإسلامية، وقادة التنظيمات الإنسانية والخيرية والشباب في كل من الكاميرون وأنجولا، وقد أتاحت هذه اللقاءات للبابا فرصة استغلال زيارته الرعوية الروحية في مناقشة العديد من قضايا القارة الإفريقية، وفي مقدمتها: الإيدز، والفقر، والحروب الأهلية، والفساد السياسي، والتبشير، وانتشار البدع، والعلاقات بين المسيحيين والمسلمين، وكذا محاولة التعبير عن موقف الفاتيكان إزاء تلك القضايا.
وقد احتلت قضية الإيدز أهمية محورية في اللقاءات التي أجراها البابا؛ فخلال زيارته لكنيسة المسيح الملك في الكاميرون، أكد البابا ضرورة مواجهة وباء الإيدز الذي يشكل الأفارقة ثلثي المصابين به عالميًّا، والذي حصد أرواح أكثر من 25 مليون إفريقي منذ الثمانينيات، وذلك بحسب إحصاءات برنامج الأمم المتحدة لمحاربة الإيدز، كما أعرب البابا عن أمله في توفير الأدوية المجانية لمرضى الإيدز من الأفارقة، مضيفاً أنه لا يمكن التغلب على الإيدز من خلال استخدام "العوازل الواقية"؛ لأن ذلك من شأنه زيادة تفاقم المشكلة وليس حلها، وهنا أصر البابا على أن خير وقاية من المرض هي الإخلاص في الحياة الزوجية الطبيعية، والامتناع عن المعاشرة الجنسية قبل الزواج.
وفي هذا السياق، دعا البابا أساقفة الكاميرون إلى رعاية مرضى الإيدز، والحفاظ بقوة على القيم الجوهرية للعائلة، وبذل جهود إضافية لصالح تقديم تنشئة ملائمة للأطفال والشباب، لاسيما في الأوساط الجامعية والثقافية، مثنياً في هذا الصدد على نشاط المعهد الكاثوليكي في العاصمة الكاميرونية ياوندي، وكل المؤسسات الكنسية التي تعمل على نشر كلمة الله وتعاليم الكنيسة.
وقد أثارت تصريحات البابا عاصفة من الانتقادات، حيث يصر العاملون في المجال الطبي على استخدام "الواقي الذكري" للحماية من الإيدز، كما وصفت الخارجية الفرنسية تصريحات البابا بأنها خطر على الصحة العامة، وأنها أصابت الفرنسيين بالإحباط؛ مما أدى إلى تدني شعبية البابا في فرنسا.
واعتبرت وزارة الصحة الألمانية تصريحات البابا غير مسئولة، وأكدت حملة "حركة للعلاج" في جنوب إفريقيا أن تصريحات البابا تشير إلى أن العقيدة الدينية هي أهم بالنسبة للفاتيكان من حياة الأفارقة، بل ذهب البعض إلى تحميل الكنيسة الكاثوليكية المسئولية عن انتشار الإيدز بشكل واسع في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، لما لها من سلطة على رعاياها.
وفي سياق نفس القضايا الصحية والاجتماعية، أعرب البابا في خطابه في مقر الرئاسة الأنجولية عن معارضته الترويج للإجهاض -بما في ذلك لأسباب صحية- معتبراً أن المواثيق الإفريقية التي تبيح الإجهاض مثل إعلان مابوتو 2003 إنما تهدد أسس المجتمع، ولا تدفع الصرح الاجتماعي إلى الأمام مثلما يتوهم دعاة الإجهاض، ويمثل ذلك امتدادا لموقف الفاتيكان الذي يعارض كافة أشكال منع الحمل غير العفة التامة أو الوقتية.
وعلى صعيد آخر، حث البابا القادة الأفارقة على ضرورة المواجهة الحاسمة للفقر في إفريقيا، وما يرتبط به من مشكلات، وذلك من خلال مشروع ضخم يتضمن إعادة توزيع الثروات بشكل أكثر عدلاً لتحسين حياة الشعوب، وتنمية الإحساس بالمواطنة لدى الناس، مؤكداً أن العالم لن ينعم بالسلام ما دام هناك من يعاني من نقص في الطعام والعمل والمأوى وغيرها من الضروريات.
وأعرب البابا عن أسفه لكون ثلثي سكان أنجولا لا يزالون قابعين تحت خط الفقر بعد سبع سنوات من انتهاء الحرب الأهلية عام 2002، وذلك بالرغم من وفرة الموارد النفطية في البلاد، وهنا طالب البابا الرئيس الأنجولي بضرورة الاستجابة لتطلعات الشعب في عبور مستنقع الفقر، حتى لا تضيع آمالهم في الحياة، مستشهداً بخبرة ألمانيا التي شقت طريقها نحو التقدم الاقتصادي والاستقرار السياسي، برغم خبرة الحرب والانقسام الذي عانته ألمانيا.
وشدد البابا على أهمية محاربة الفساد والظلم وسوء استغلال السلطة المستشري في إفريقيا، حيث قال: "إن القارة تعاني بشكل كبير للغاية من الفقر والجوع والمرض، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، وأمام هذه المعاناة المتفاقمة لا يستطيع المسيحي التزام الصمت أبداً، إذ تتطلب رسالة الإنجيل الخلاصية إعلانها بقوة ووضوح، فيضيء نور المسيح في ظلمة حياة الأشخاص".
في هذا السياق، ناقش البابا آثار العولمة على القارة الإفريقية، ودعا إلى تعزيز السلم والوئام بين الشعوب على أساس الاستقامة والمساواة، وذلك من أجل دفع تحقيق التضامن في القارة الإفريقية ودفع جهود التنمية فيها، كما حث الجميع على عدم الاستسلام لـ "حكم القوي على الضعيف"، ودعا القيادات الإفريقية إلى انتهاج أسلوب الحوار السلمي في تسوية الصراعات، وذلك مثلما فعلت الكاميرون ونيجيريا في تسوية النزاع حول شبه جزيرة باكاسي، ودعا البابا القيادات الأنجولية إلى الحوار البناء من أجل إحلال السلم وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وهنا استذكر البابا زيارة سلفه البابا يوحنا بولس الثاني لأنجولا في يونيو عام 1992، حينما دعا جميع البشر ذوي الإرادة الطيبة إلى بناء مجتمع أكثر عدلاً وسلامًا ومحبة.
وفي خطابه الذي ألقاه بمقر الرئيس الأنجولي، حث البابا الأفارقة على تخليص بلادهم من الفساد والعنف ودعم حرية الإعلام إذا أرادوا إحداث تغيير حقيقي في القارة، مؤكداً على مجموعة من المبادئ التي لا يمكن أن تستغني عنها أي ديمقراطية مدنية حديثة وأهمها: احترام وتعزيز حقوق الإنسان والشفافية، واستقلال القضاء وحرية الصحافة والديمقراطية المدنية، ووجود شبكة مدارس ومستشفيات تعمل بكفاءة، والأكثر إلحاحا هو توافر تصميم نابع عن تحول القلوب لاستئصال الفساد مرة واحدة وللأبد.
دعم النشاط التبشيري
وكان دعم النشاط التبشيري محوراً مهمًّا أيضًا في الزيارة البابوية لإفريقيا، حيث تعد مواجهة الدعوة الإسلامية فيها والأنشطة التبشيرية للمذاهب المسيحية الأخرى هدفاً غير معلن لتلك الزيارة؛ فخلال إحياء القداس في كنيسة ساو باولو أكبر كنائس العاصمة الأنجولية قال البابا: "إن اعتناق المسيحية يبقى مطلبا ملحا للكنيسة، كما حدث أثناء الخطوات الأولى للكاثوليكية في أنجولا قبل 500 عام".
ودعا البابا الكاثوليك في أنجولا إلى إقناع من يعتقدون في السحر باعتناق الدين المسيحي، مؤكداً أهمية تعريفهم بالسيد المسيح، وتخليصهم من الخوف من الأرواح والقوى الشريرة التي يشعرون أنهم مهددون بها، وانتقد البابا الفكرة القائلة بأن التبشير المسيحي يشكل مساسا بهوية الشعوب غير المسيحية، قائلاً: "إذا كنا على قناعة بأن الحياة خارج الإطار المسيحي تكون غير مكتملة، فإننا لا نظلم أحداً إذا عرفناه على السيد المسيح لكي يجد أصالته الحقيقية والفرح... ".
ولم تخلُ لقاءات البابا من دلالات مهمة، فلقائه مع زعامات وأعضاء الجالية الإسلامية في الدولتين، جاء لإزالة التوترات بين المسيحيين والمسلمين، وإظهار حرص الفاتيكان على احترام الآخر المسلم، بعد عاصفة الانتقادات التي وجهت إلى البابا، نتيجة لنشر الفاتيكان في ديسمبر 2007 وثيقة تؤكد حق الكنيسة الكاثوليكية في نشر رسالتها التبشيرية بين غير المسيحيين وأصحاب المذاهب المسيحية الأخرى، وبذل الجهد في سبيل ذلك حتى الموت؛ وهو ما يعني الحق في تنصير المسلمين، والإقرار بأفضلية الكنيسة الكاثوليكية الرومانية على غيرها من الكنائس الأرثوذكسية والبروتستانتية.
كما جاءت لقاءات البابا المفتوحة مع آلاف الشباب في الدولتين، استمراراً للتقليد الذي اتبعه سلفه البابا يوحنا بولس الثاني أثناء فترة حبريته، حيث زار البابا السابق 42 دولة إفريقية، ألقى خلالها 430 عظة، خصص منها كثير من العظات للشباب، في هذا السياق، كان لقاء البابا بنديكتس السادس عشر مع آلاف الشباب في ملعب دوس كونكيروس في العاصمة الأنجولية لواندا فرصة لاستقطابهم من أجل خدمة الكنيسة، ودعم دورها الاجتماعي، كما أن مثل هذه اللقاءات تتيح لهؤلاء التعرف أكثر على الجوانب الإنسانية والودية في شخصية البابا، وهو أمر تحرص عليه الفاتيكان.
وتضمن برنامج الزيارة أيضًا إقامة الصلوات والقداس في الساحات المفتوحة في كل من الدولتين، حيث أقام البابا قداسًا في إستاد أحمدو أهيدجو في ياوندي حضره 60 ألفًا، ألقى خلاله عظة من أجل الفقراء وضحايا العنف، كما أدى صلاة الغروب في كنيسة العذراء مريم في ياوندي، وعقد أيضاً قداسًا في الهواء الطلق في ساحة سيمانجولا الكبيرة في لواندا، حضره الآلاف من الأشخاص، الذين لم يمنعهم من المشاركة فيه ارتفاع درجة الحرارة، ثم تلا ذلك أداء صلاة التبشير الملائكي.
ولا يخفى الهدف من وراء إقامة تلك القداسات الاحتفالية بهذا الشكل الجماهيري الحاشد، فهو لإعطاء انطباع بقوة انتشار الكاثوليكية في القارة، وتوصيل رسائل البابا لأكبر عدد ممكن من الناس، حيث أكد الفاتيكان أن رسالة الرجاء التي حملها البابا إلى إفريقيا إنما تعتبر موجهة إلى شعوب الأرض قاطبة.
وقد اكتسب لقاء البابا وممثلي تنظيمات المجتمع المدني الإنسانية والخيرية أهمية خاصة، ومن ذلك اللقاء الذي جمعه في كنيسة رعية القديس أنطونيوس في لواندا بممثلي حركة "برومايكا"، أكبر التجمعات الكاثوليكية الناشطة، في إنماء دور المرأة في أنجولا، والذي كان فرصة لتأكيد دور المرأة في خدمة الكنيسة الكاثوليكية، وحماية القيم الدينية والثقافية والدفاع عن العائلة، خاصة عندما استحضر البابا ما قدمته بعض الراهبات الشهيدات لأجل خدمة الكنيسة في إفريقيا.
ولم يفت البابا في هذا المقام الدعوة إلى المساواة الكاملة بين المرأة والرجل وضرورة حماية كرامة المرأة، حتى لا يتجرد الإنسان من إنسانيته في عصر العولمة الذي طغت عليه التكنولوجيا والقيم المادية، وهي دعوة تتوافق بالطبع مع أجندة القوى الغربية، ولا تتعارض مع الاتجاه الفكري المحافظ الذي يتبناه البابا، وهو ما يعيد إلى الأذهان الدور الذي يؤديه الفاتيكان في خدمة المصالح الغربية، وفى مقدمتها المساهمة في إسقاط الاتحاد السوفيتي السابق، ومهاجمة الإسلام في الذكرى الخامسة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
وفي ختام زيارته، طالب البابا المجتمع الدولي بعدم نسيان القارة الإفريقية، وضرورة الاستمرار في دعمها خلال الأزمة الاقتصادية العالمية، التي أجبرت ملايين الأفارقة على خوض كفاح يومي من أجل البقاء، يأتي ذلك في الوقت الذي تشير فيه تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى تراجع التعاطف من قبل الدول المانحة إزاء قضايا القارة الإفريقية... فهل يستجيب المجتمع الدولي لنداء البابا، اعترافًا بسلطته الروحية، أم يستمر تناقص حجم المساعدات الدولية للقارة، بما يعكس تجاهل موقف الفاتيكان في هذا الشأن، مثلما تم تجاهله من قبل في أمور عدة من أهمها الحرب على العراق، التي تراها الولايات المتحدة وحلفائها مشروعة، في حين يراها الفاتيكان بعيدة عن مفهوم الحرب العادلة.
تبقى كلمة أخيرة، وهي أنه إذا كانت الزيارة البابوية الأولى للبابا بنديكتس السادس عشر تمثل من وجهة نظر الفاتيكان دفعة قوية صوب دعم الكاثوليكية في القارة، وتعزيز النشاط التبشيري فيها، اعتماداً على ثالوث الفقر والمرض والجهل في إفريقيا؛ فإن تعزيز الدين الإسلامي، الذي يدين به أكثر من 52% من سكان القارة، والذي لا يزال يشكل العقبة الأكبر في مواجهة التبشير، يقتضي وضع خطة منهجية متكاملة تقوم –بين جملة من المحاور– على نشر وتدعيم اللغة العربية، وترجمة الكتب الدينية، ونشر التعليم الديني، وإنشاء مراكز إعداد الدعاة في الدول الإفريقية، وتقديم المنح الدراسية للطلاب الأفارقة المسلمين، وتحقيق التنمية في مناطق انتشار الإسلام، وربما أيضاً تنظيم زيارات دورية لكبار علماء الدين الإسلامي إلى إفريقيا، وفي مقدمتهم فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الذي يشغل أرفع منصب ديني "سني" على مستوى العالم أجمع، وذلك على غرار الزيارة التاريخية للشيخ جاد الحق على جاد الحق لإفريقيا، والذي لا يزال الأفارقة يعيشون على ذكراها.
مدرس مساعد العلوم السياسية، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة.
|