|
| هل ينقذ العرب البشير؟ |
لم يكن سفر عمر البشير إلى الدوحة مجرد "مخاطرة" بنفسه تعرضه في الذهاب أو الإياب إلى قرصنة جوية عدوانية محتملة في عصر هيمنة شرعة الغاب وانحناء الهامات العربية.
لقد أدرك الرئيس السوداني من قبل مؤتمر وزراء الخارجية التمهيدي للقمة العربية 2009م، وأثناء المؤتمر أن المجتمعين في القمة ربما لا يتخذون الموقف الذي يريد، والجدير بالتعامل مع قضية تتهددهم جميعا، وهم يرددون منذ حصار عرفات ألفاظ أنشودة باتت على كل شفة ولسان: "أكلت يوم أكل الثور الأبيض"، ثم يصنعون كل ما كان يصنع في تلك القصة الرمزية المعروفة، الحافلة بخيانة الأخ لأخيه وتسليمه، وغدر القوي بالضعيف، وضعف الكثرة بالتجزئة، والإغراءات والوعود الكاذبة لحبك المكيدة ضد الجميع.
إن الذي يعي ما "يغني" أو يعني ما يقول لا يتصرف كما تتصرف الدول العربية أو الأنظمة العربية حاليا مع قضية الافتراء الدولي عبر محكمة الجنايات الدولية ضد رئيس الدولة السودانية العربية الشقيقة!.
محاذير حول التعامل مع البشير
معظم المسئولين على أعلى المستويات صامتون إزاء القضية، وإن تكلموا بدا في "موقفهم الجماعي" تحت عنوان تضامن مع البشير، أو رفض لقرار المحكمة، أو مناشدة للقوى الدولية، وكأنه يستهدف أن يتوارى كل منهم وراء "الصيغة الجماعية" للموقف المتراخي، سواء على مستوى وزاري، أو على مستوى قمة.
وبشيء من الحياء سعى رئيس الوزراء القطري -بوصفه رئيسا لمجلس وزراء الخارجية- لتسويق ذلك، وهو يعرض ما يراد أن يصدر عن القمة، كما لو كان فيه درجة ضرورية من التعقل والموضوعية والواقعية في التعامل مع قضية لا يكفي فيها -حسب قوله- مجرد رفض القرار، وذلك على النقيض مما طالب به الرئيس السوري بشار الأسد في افتتاح القمة نفسها.
التعابير السياسية الواردة، والتي يراد على ما يبدو أن تأخذ طريقها إلى البيان الختامي، وربما إلى "رسالة" وفد عربي يتجه نحو نيويورك، تدور حول طاحونة تعابير فضفاضة وخطيرة من قبيل "رفض القرار وتجميده"، و"رفض الكيل بمكيالين"، وأهمية "السلام قبل العدالة" في السودان.
1- إن مجرد الخلط بين كلمتي رفض القرار وتنفيذه تناقض كبير لا يواري أن مجموعة الدول العربية إذا جعلت من هذا العنوان موقفا سياسيا، فهي تعترف بمشروعية ما أعلنته محكمة الجنايات الدولية، وتسعى لتنفيذه بتحريض من القوى الدولية عبر قرار من مجلس الأمن الدولي، ضد رئيس دولة عربية، ويعني بالتالي مشروعية أن تصنع ذلك مستقبلا ضد رئيس آخر أو ملك أو أمير من الحكام العرب، بذريعة يمكن أن تحمل عنوانا آخر غير دارفور، وهذا رغم أن تحرك المحكمة ضد دولة لم تصادق على ميثاقها محظور وفق القانون الدولي.
ولا يكفي أن تتفق عدة دول على ميثاق ويتضمن الاستعداد لقبول قرار ما يصدر عن مجلس الأمن فيحركها، فيسري هذا الذي تتفق عليه في ميثاقها على دولة امتنعت من البداية عن المشاركة في التصديق على الميثاق، بما في ذلك تلك المادة المتعلقة بمجلس الأمن، وإلا لأصبحت المواثيق الدولية من هذا القبيل -وهي كثيرة- ألعوبة من قبيل ما يعرف بأسلوب الدخول من النافذة بدلا من الباب، لانتهاك مبدأ سيادة الدولة الثابت في القوانين الدولية والمرجع الأقوى من نصوص أخرى تليه من حيث مشروعيتها بمعيار القانون الدولي، والتي لا تحظى بتأييد "إجماع" دولي عليها، كما هو الحال مع مبدأ سيادة الدولة.
2- واللجوء إلى القوى الدولية التي كانت من وراء ذلك القرار، لتجمده مؤقتا، يعني فيما يعنيه الاعتراف بمشروعية تحرك باطل أقدمت عليه كما سلف، كما يعني في الوقت نفسه تمكينها من استبقاء القرار كما تريد سيفا مسلطا -بمشاركة عربية في هذه الحالة- فوق رأس أحد الحكام العرب، لدفعه إلى تنفيذ ما تريد، وأقل ما تريده هو تفتيت السودان، وليس إنقاذ فريق من أهله، ولا حتى مجرد إهانة رئيسه، على خطورة ذلك بحد ذاته.
كما أن هذا اللجوء يضع الدول العربية المشاركة فيه في المصيدة الدولية نفسها، فهل يمكن لحاكم عربي يلي البشير في استهدافه دوليا، أن ينكر آنذاك مشروعية قرار مشابه، ويستنجد بأشقائه العرب، دون أن يصبح موقفه الآن حجة عليه في مستقبل غير مضمون ما دامت شرعة الغاب تحكم دوليا؟.
3- وشبيه بما سبق ما يتردد من حديث عن رفض الكيل بمكيالين، في إشارة مباشرة إلى عدم ملاحقة من يحمل المسئولية السياسية عن ارتكاب جرائم الحرب العلنية القريبة في العراق وأبو غريب، وفي أفغانستان وجوانتانامو، وفي لبنان وصبرا وشاتيلا وأخواتهما، وفي فلسطين وجنين وغزة وأخواتهما.
فكلمة "بمكيالين"، تعني المساواة بين ما يتهم به البشير، ولا يمكن إثباته عن طريق محكمة دولية جنائية بالصيغة التي تشكلت بها، وبين أولئك الذين لا تجري أصلا محاولة جادة على المستوى الدولي لتوجيه الاتهامات إليهم، كما تعني الكلمة إقرارا ضمنيا على الأقل بالمساواة بين قيمة الاتهامات الباطلة ضد البشير، وقيمة الاتهامات الموجهة إلى الآخرين بشأن ما ارتكبوه جهارا نهارا ضد العرب والمسلمين.
إن حضور البشير إلى قمة الدوحة ينطوي على مخاطرة مزدوجة، إذ كان أحد جوانبها الذي يكثر الحديث عنه هو احتمال وقوع عملية قرصنة عدوانية ضده بعد أن جعل الواقع الرسمي العربي نفسه مستباحا، فإن جانبها الأخطر هو أنه أراد أن يجلس وجها لوجه أمام من يريدون (أو تريد غالبيتهم على الأرجح) استصدار موقف يتناقض مع ما يريده هو أولا، كما يتناقض مع إدراك مصلحتهم هم ثانيا، عندما ينظرون إليها بمنظور "أكلت يوم أكل الثور الأبيض".
هذه المخاطرة هي الأعمق مغزى، فمن المفروض بالرئيس السوداني أن يدرك أن النظام العربي الرسمي الذي يتعامل معه وهو جزء منه، له سوابقه في التعامل مع سواه، عندما شرعت القوى الدولية في اصطناع السوابق العدوانية لتهديم البقية الباقية من "الحصانة" للمسئولين السياسيين في البلدان العربية، إلى جانب هدمها بمعاول الحروب العدوانية.
ربما لا تصل الأمور سريعا إلى استهداف رئيس آخر أو ملك أو أمير أو سلطان، إنما يعطي الحكام العرب من خلال موقفهم في قضية البشير بأنفسهم إمكانية أن ترفع القوى الدولية سيفا آخر تسلطه فوق رءوسهم لانتزاع المزيد من التبعية والخضوع لقرارات شرعة الغاب في القضايا الساخنة الآن والساخنة مستقبلا، ليتحول وجودهم في السلطة إلى وجود شكلي، وإلى رهينة بأيدي القوى المعادية، فيضر تلك القضايا الساخنة وغيرها أكثر مما يفيدها، ويعرّضها لمزيد من العدوان بدلا من أن يحميها.
وقفة حاسمة
إن قضية البشير تتطلب من "أشقائه" وقفة حاسمة مطلقة، على الأقل في مستوى وقفة الحكام العرب الجماعية في تونس قبل سنوات، عندما رفضوا أن يكون ما يسمى "الإصلاح" شأنا دوليا يفرض من الخارج، على أساس أنه تدخل في الشئون الداخلية لدول لها سيادتها.
وهذا موقف سليم.. مع التأكيد أن سيادة هذه الدول الآن في خطر أكبر بكثير مما يمكن أن تكون عليه لو أقدمت هي على إصلاح سياسي داخلي جذري، تتحرك فيه بنفسها، لتكون مع شعوبها بالفعل جسدا واحدا في مواجهة الأخطار الخارجية.
ومن أسوأ ما يصنع في قضية البشير رفع شعار السلام قبل العدالة، فالمسألة ليست مسألة أولويات بين سلام وعدالة، وكلاهما مفروض مطلوب، ولكن تعبير العدالة في التعامل مع قرار محكمة الجناية الدولية ليس في مكانه، لا من قريب ولا من بعيد، وهو كالتعابير الأخرى السالفة الذكر "يورط" الدول العربية التي تستخدمه الآن، أكثر مما يعطيها إمكانية التحرك دوليا.
إنما المطلوب أن تتحرك بمبادرة شاملة مشتركة في التعامل مع قضايا السودان القائمة منذ عشرات السنين، وتقديم العون لجميع الأطراف والأطياف فيه دون تمييز، والحرص على جمعهم تحت عنوانه الوطني المشترك وكف أيدي التدخل الأجنبي الذي يثير بعضهم ضد بعضهم الآخر، والبحث عن العدالة في السودان لأهل السودان جميعا، وعن السلام في السودان لأهل السودان جميعا، وكذلك عن الرخاء في السودان لأهل السودان جميعا، وأن يتحول الدعم العربي من تحرك دولة بمفردها على حسب الظروف، إلى تحرك جماعي يغني السودان عن أي طرف أجنبي، ويغني بموارده المنطقة العربية عما بات يكبلها على صعيد استيراد القمح مثلا، ويطعن في القلب في أمنها الغذائي، ومن خلاله في سواه.
إن سيادة هذه الدول -إن كان الحكام حريصين عليها- تقتضي منهم اليوم، وقبل مجرد الحرص على سيادة السودان الشقيق، الرفض المطلق لقرار المحكمة الدولية من حيث الأساس، دون شروط ولا استثناءات ولا تحركات جانبية التفافية، باعتباره باطلا وليس بتعليلات أخرى، واقتران هذا الرفض بتحويل العلاقات العربية - العربية ولاسيما مع السودان، إلى علاقات تعاون يتنامى، وتضامن يتعزز، وتكامل يتواصل، من خلال إجراءات سياسية واقتصادية ومالية وأمنية عملية ومشتركة، ومن خلال حزمة مشاريع شاملة على طريق نهوض مشترك لا يتحقق دون تكتل فعال، ومواجهة مشتركة للأخطار الخارجية.
وإذا كانت بعض الدول تخشى الآن من مثل هذه المواجهة، فإنما تخشاها لعدم اتخاذ ما يكفي من الأسباب لها، ولا جواب على ذلك سوى اتخاذ الأسباب، وليس تجنب المواجهة والانزلاق إلى أوضاع أخطر مما هو قائم الآن، ولن تكون المواجهة اليوم أخطر مما سيأتي عند تجنبها من مواجهات مقبلة مع دولة بعد دولة، وحاكم بعد حاكم، وثور أصفر وأزرق وأسود بعد ثور أبيض وأخضر وأحمر.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|