|
| أوباما معلنا إستراتيجيته الجديدة |
بعد شهرين من الانتظار كشف الرئيس الأمريكي باراك أوباما يوم 27/3/2009 عن إستراتيجية الولايات المتحدة الجديدة لأفغانستان وباكستان، والتي بدت أكثر تحديدًا في أهدافها، وتركزت أساسًا على الحرب على القاعدة وإنهائها، دون كبير اهتمام بالأهداف الفضفاضة الخيالية التي حملها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش عام 2001 في تحكيم الديمقراطية، وتحقيق الحرية والرفاهية للشعب الأفغاني.
الإستراتيجية الجديدة تقضي بإرسال 4 آلاف جندي لمهام تدريب الجيش الأفغاني، بجانب 17 ألف جندي آخرين وافق أوباما على إرسالهم إلى أفغانستان من قبل، ليصل عدد الجنود الأمريكيين في أفغانستان إلى 60 ألف جندي.
كما تركز خطط أوباما العسكرية الجديدة على استهداف معاقل تنظيم القاعدة وملاذاته الآمنة في الشريط الحدودي بين أفغانستان وباكستان، ورفع عدد وكفاءات المؤسسات الدفاعية والأمنية الأفغانية لتصبح قادرة على تولي مهام الأمن والاستقرار، وإدارة المعارك ضد طالبان مستقبلا.
وبجانب استمرار الدعم لأفغانستان، ورفع أداء المؤسسات الحكومية، ودفع عملية الإعمار إلى الأمام، تهتم الإستراتيجية الجديدة بجعل باكستان وأفغانستان مسرحا عملياتيا واحدا، وضخ 7.5 مليارات دولار إلى إسلام آباد خلال السنوات الخمس القادمة؛ لتكون باكستان الشريك الأقوى في تحقيق أهداف الإستراتيجية في الحرب على الإرهاب والخلاص من القاعدة.
وبجانب التفاصيل الأخرى، تولي الإستراتيجية الجديدة اهتماما كبيرا للبعد الإقليمي والدولي لمشكلة الإرهاب في أفغانستان وباكستان، وتسعى لإشراك القوى الإقليمية والدولية بشكل أكثر فعالية، وهو ما بدا في خطاب أوباما "التخويفي" من خطر "القاعدة" الذي يهدد ليس فقط الولايات المتحدة بل الدول الإقليمية والعالم بأسره عدا شعبي باكستان وأفغانستان، حسب تعبيره.
أفغانستان.. البحث عن نجاح مفقود
فيما يقترب الاحتلال الأمريكي لأفغانستان من عامه التاسع، ما زال التساؤل حول جدوى هذه الحرب، وسبب وجود هؤلاء الجنود بعيدا عن وطنهم يطرح نفسه بقوة بين القوات الأمريكية جنودا وضباطا، وربما هذا كان أحد أهم الأسباب وراء إعلان أوباما الإستراتيجية الجديدة وسط جمع من الجنود والضباط الذين كانوا في طريقهم إلى أفغانستان؛ ليذكرهم بخطر القاعدة، ويتحدث كذلك عن نهاية -ولو غير محددة بأي توقيت- لهذه الحرب.
فيما يتعلق بأفغانستان، احتوت الإستراتيجية الجديدة على ثلاث نقاط هامة وهي:
- أفغنة الحرب: عبر رفع عدد القوات الأفغانية في الجيش إلى 134 ألف جندي، والشرطة إلى 80 ألف خلال السنتين القادمتين؛ وذلك عبر تكثيف عملية التدريب؛ حيث يتم إرسال 4 آلاف جندي أمريكي جديد لأغراض التدريب، ورفع الكفاءة القتالية للجيش الأفغاني، ويتوقع الأمريكيون أن تجهيز الجيش والشرطة الأفغانيين ودفعهم للخطوط الأمامية للقتال، والتعامل مع المواطنين في المناطق المتوترة أمنيا يخفف العبء على الجيش الأمريكي وقوات الناتو، كما أنه يساعد إلى حد كبير على تحجيم الحساسية ضد القوات الأجنبية، وتضعيف الدوافع القتالية لدى قوات طالبان وقواعدها الشعبية التي تلبي نداء الجهاد ضد الاحتلال.
- التخفيف من شعارات فضفاضة في مجال الإعمار: ومن المتوقع أن يتم التركيز في جهود الإعمار في مجالات البنية التحتية، وكذلك رفع الكفاءات الإدارية، وقد تشهد المشروعات التي تثير حساسيات دينية أو ثقافية داخل المجتمع الأفغاني إهمالا، خصوصا تلك التي تختص بالمرأة، ولاسيما لو اتجهت الأمور نحو الحوار مع طالبان أو تيارات معتدلة داخل طالبان حسب رؤية التصنيف الأمريكي.
- توحيد المسرح الأفغاني والباكستاني: هذه خطوة جديدة في السياسة الأمريكية، وظهرت بوادرها بتعيين ريتشارد هولبروك ممثلا أمريكيا خاصا لأفغانستان وباكستان قبل شهرين، وبناء على هذه الرؤية الجديدة يتم رفع مستوى التنسيق بين أفغانستان وباكستان وبينهما وبين الأمريكيين وهو أمر لا يبدو سهلا؛ نظرا لعمق الشكوك التي تساور المسئولين الأفغان وحتى بعض الأمريكيين حول مدى شفافية إسلام آباد في التعامل مع الأزمة؛ حيث إن جهاز استخباراتها "آي إس آي" متهم بمساعدة طالبان والقاعدة وهو أمر ترفضه باكستان باستمرار.
باكستان.. مشاركة لابد منها
حظيت باكستان باهتمام كبير في الإستراتيجية الأمريكية الجديدة، غير أن التعاون مع الولايات المتحدة هذه المرة يبدو مختلفا بعض الشيء؛ حيث تقحم واشنطن نفسها بشكل أكبر في تفاصيل التعاون الباكستاني مقابل المساعدات الضخمة التي سوف تحصل عليها إسلام آباد خلال السنوات الخمس القادمة.
لقد ظلت إسلام آباد منذ بدء الحرب الأمريكية على أفغانستان في أكتوبر 2001 تستلم مساعدات هائلة وصلت قيمتها قرابة 10 مليارات دولار، خلال حقبة حكم الرئيس برويز مشرف، دون أن تأتي هذه المساعدات بنتائج مرضية لواشنطن، بل زاد الأمر سوءا في باكستان نفسها، وبدأت تقارير غربية عديدة تتحدث عن استمرار باكستان في لعبتها المزدوجة مع الولايات المتحدة فيما يخص حربها في أفغانستان، واتهام جهات داخل الاستخبارات الباكستانية بوقوفها وراء دعم وتدريب وتقديم تسهيلات لطالبان وجماعات إسلامية مسلحة في منطقة القبائل للحرب في أفغانستان.
وبرغم استمرار مثل هذه التقارير فإن واشنطن تعرف وتعترف بدور إسلام آباد المحوري في تحقيق أهدافها في أفغانستان وفي باكستان نفسها، وهذا ما جعل الإستراتيجية الجديدة تعتمد:
- دعم باكستان ومؤسساتها المدنية والعسكرية بتقديم 7.5 مليارات دولار كمساعدات مالية خلال السنوات الخمس، ورفع كفاءة وأداء الجيش وقوات الأمن في مواجهة القاعدة والجماعات المسلحة القريبة منها خصوصا في المناطق المتاخمة مع أفغانستان.
- تفعيل التنسيق الثنائي بين أفغانستان وباكستان والثلاثي بينهما وبين الولايات المتحدة في تبادل المعلومات، وتوحيد الجهود لضرب القاعدة والمجموعات القريبة منها، حيث يقوم ريتشارد هولبروك بهذه المهمة عبر توحيد مسرح العمليات بين البلدين.
- ومن المتوقع أن تسعى واشنطن لتخفيف الصراع بين الهند وباكستان عبر توجيه جهودهما لدحر عدو مشترك وهو "الإرهاب" حسب التعبير الأمريكي، وطمأنة باكستان بأن الهند لن تستغل وجودها في أفغانستان لاحتواء باكستان من الخلف؛ وهو ما يشكل مصدر قلق كبير لدى إسلام آباد بشكل مستمر.
القاعدة.. العدو رقم واحد
لقد بات واضحا من الإستراتيجية الجديدة أن واشنطن تسعى لتحديد هدفها بشكل أوضح، وتركز اهتمامها على أهداف قابلة للتحقيق زمنيا ومكانيا، لتتفادى في رأيها أخطاء الرئيس بوش في وضع أهداف فضفاضة غير قابلة للقياس والتحقيق.
وبناء على هذه الرؤية أصبح تدمير تنظيم القاعدة وشل فعالياته هو الهدف الأمريكي رقم واحد في الإستراتيجية الجديدة، فتحديد هذا الهدف بالنسبة لأوباما يشكل خلق سبب وجيه للجندي الأمريكي في أفغانستان، ويعطي لحرب واشنطن "شرعية" هي بحاجة إليها في الداخل كما في الخارج، كما أن التركيز على خطر القاعدة يساعد واشنطن على تحقيق أهدافها في تفعيل دور الشركاء الإقليميين والدوليين في هذه الحرب؛ فالخطر كما ذكر أوباما لا يهدد أمريكا فحسب.
ويسعى الرئيس الأمريكي عبر التركيز على حرب القاعدة وأجندتها العالمية لفصل طالبان في كل من أفغانستان وباكستان وأجندتها المحلية عن القاعدة، واحتوائها محليا وإقليميا، وهو الدور المنوط بقوى إقليمية مثل باكستان والسعودية بشكل أساسي، عبر فتح حوار مع من يقبل الحوار، وضرب من لا يرغب بالحوار، حسب الرؤية الأمريكية الجديدة.
الناتو.. تقاسم العبء
تتحمل أوروبا وبقية أصدقاء الولايات المتحدة داخل حلف الناتو وخارجه أعباء الحرب الأمريكية في أفغانستان بشكل أو بآخر؛ فهناك قرابة 38 ألف جندي غير أمريكي في أفغانستان قتل منهم قرابة 500 جندي معظمهم بريطانيون وكنديون، وبدأت بعض الدول تضيق ذرعا من إطالة أمد الحرب في أفغانستان، ويتساءلون عن سبب بقائهم الطويل هناك، في حين تتزايد الضغوط الشعبية على الحكومات الأوروبية في الانسحاب من المستنقع الأفغاني.
أوباما استدعى ذاكرة 11 سبتمبر أثناء إعلانه الإستراتيجية الجديدة، وأكد على كون القاعدة خطرا يهدد الأوروبيين كما يهدد الأمريكيين، قبل أن تستعد وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون للسفر إلى المؤتمر الدولي حول أفغانستان في لاهاي يوم 31 مارس، وقبل أن يحضر هو بنفسه الذكرى الستين للناتو يوم 3 أبريل على الحدود الألمانية الفرنسية.
ويسعى أوباما للاحتفاظ بمساهمة الناتو والاتحاد الأوروبي في تحقيق الإستراتيجية الجديدة أهدافها خصوصا في مجال تدريب الجيش وقوات الأمن الأفغانيين، ورفع كفاءة وأداء المؤسسات الحكومية، والمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار، وبجانب ذلك قد تسعى واشنطن للتخفيف من مسئوليات قتالية لقوات الناتو بشكل عام لتخفيف الضغط الشعبي على حكوماتها، وضمان استمرار الدعم غير الحربي.
مجموعة اتصال.. بعد إقليمي جديد
الدور الإقليمي في الإستراتيجية الأمريكية الجديدة يبدو واضحا، ويشكل اقتراح إيجاد تشكيل "مجموعة اتصال" تضم دول الجوار والجوار القريب خطوة متقدمة في هذا الاتجاه، وتسعى واشنطن عبر هذه المجموعة إلى حشد القوى الإقليمية في الحرب ضد القاعدة، وتحسين الأوضاع الأمنية والاقتصادية في أفغانستان.
وقد حظي التعاون الإيراني الأمريكي المرتقب في الملف الأفغاني، عبر مجموعة الاتصال هذه، اهتماما كبيرًا إعلاميا وسياسيا؛ مما غطى على أهمية الأدوار الإقليمية الأخرى خصوصا السعودية والهند في التأثير على أطراف أفغانية ودعم المشاريع التنموية، وكذلك روسيا ودول آسيا الوسطى في نفس الاتجاه بجانب كونها طريقا بديلا لتوصل المساعدات إلى الناتو والقوات الأمريكية داخل أفغانستان.
وتحتاج واشنطن من أجل كسب التعاون الإقليمي الفعال أن تكون أكثر وضوحا في أهدافها في أفغانستان؛ الأمر الذي كان غائبا أيام الرئيس بوش -وربما ما زال- مما زاد من الشكوك الإقليمية حول الأهداف الحقيقية للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
ويمكننا فهم استخدام الرئيس أوباما لمصطلح "إستراتيجية الخروج"، كإشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة لن تبقى أبدًا في أفغانستان، وهي إشارة حملت أكثر من رسالة لأكثر من جهة، منها القوى الإقليمية ودول الناتو التي ضاقت ذرعا بتبعات الحرب في أفغانستان وقبل ذلك الشعب الأمريكي نفسه.
إستراتيجية الخروج.. وتساؤلات باقية
لاقت الإستراتيجية الجديدة تأييدًا رسميًّا من قادة أفغانستان وباكستان، كما أيدها بشدة رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون، غير أن هذا التأييد الرسمي وآخر غير رسمي في أوساط الإعلام الأمريكي والغربي قابله نقد كبير في أوساط المراقبين لأوضاع المنطقة.
إن أهم سمة في الإستراتيجية الجديدة هي تخليها عن الأهداف الفضفاضة التي حملها الرئيس بوش في غزوه لأفغانستان عام 2001، مثل إرساء الديمقراطية، والحديث عن الرفاهية، وحقوق المرأة، وجعلها أهدافا بعيدة المدى، والاكتفاء بتحديد أهداف واضحة من وجهة النظر الأمريكية وأهمها على الإطلاق القضاء على القاعدة.
وإذا كان هذا الأمر يتعلق بالواقعية والشفافية التي يريد أوباما أن يبدأ مسيرته الرئاسية بها، ويحقق النصر المفقود في أفغانستان، فإنه قد أغفل بشكل كبير المكونات الحقيقية لهذا الواقع الشائك في المسرح الأفغاني الباكستاني الذي يتعامل معه هو حاليا، ومن أهمها كيفية التعامل مع المناطق القبلية داخل الأراضي الباكستانية؛ حيث تنشط فيها حركة طالبان والقاعدة، وقد فشلت الحكومة المدنية وكذلك الجيش من بسط السيطرة عليها حتى الآن، ولا توجد أي ضمانات جديدة ولا خطط عملية لكيفية القضاء على ملاذات القاعدة غير الاستمرار في الحملات الجوية التي تقوم بها طائرات بدون طيار والتي كثيرا ما تستهدف المدنيين، وتزيد نسبة الكراهية والغضب ضد الولايات المتحدة والحكومة الباكستانية.
وما زالت مشكلة السيطرة على 2000 كم من الحدود الوعرة بين باكستان وأفغانستان الأهم بين المشاكل الأمنية التي تواجهها أفغانستان، وفي ضوء التقارير الواردة من منطقة القبائل عن نجاح جهود لتوحيد صفوف طالبان الباكستانية في تلك المناطق لوقف الحرب ضد الجيش الباكستاني، وتوجيه أنشطتها العسكرية ضد القوات الأمريكية وحلف الناتو في أفغانستان، تصبح السيطرة على الحدود الأولوية القصوى، غير أنه لا تحمل الإستراتيجية الجديدة أي خطة واضحة بهذا الصدد.
وفيما يتعلق بالحوار مع طالبان أو المعتدلين منهم، وجهود فصل مسار طالبان عن القاعدة في كل من باكستان وأفغانستان، فالإستراتيجية الجديدة لا تحمل أي إشارات واضحة لتنازلات يمكن أن تمهد أرضية للحوار مع طالبان التي يصر قادتها على الانسحاب الأمريكي، أو في أفضل الأحوال وجود جدول واضح للانسحاب من أفغانستان.
وبما أن الإستراتيجية الجديدة تمزج ما بين الحل العسكري والسياسي، مع التركيز على البعدين الإقليمي والدولي، فإنها في الحقيقة تعتمد على عنصر الوقت والتحرك في كل الاتجاهات في آنٍ واحدٍ عبر جهة واحدة تقوم بالتنسيق بين جميع الأطراف، وتسعى للتوفيق بين تناقضات الواقع المحلي والإقليمي والدولي للخروج من "مقبرة الإمبراطوريات"، فهل يقدر أوباما على تحقيق النصر أم يقوم بتسليم الملف إلى خَلَفه كما فعل الرئيس بوش؟
كاتب ومحلل سياسي أفغاني.
|