|
| هل تتجاوز قمة الدوحة التعثر المزمن للقمم العربية؟ |
ليس من المتوقع أن تكون القمة العربية التي تستضيفها الدوحة استثناء من تاريخ تعثر طويل لدبلوماسية "القمة العربية"، ولاسيما بعد اعتماد دوريتها في قمة القاهرة 2000 التي التأمت لنصرة انتفاضة الأقصى، فمنذ قمة أنشاص التي انعقدت في عام 1946، لم تزد قيمة القمم العربية الواحدة والثلاثين التي انعقدت -إلى الآن- عن منح النظام الإقليمي العربي بعض الإيحاءات النفسية والمعاني الرمزية، أكثر من إعطائه نتائج سياسية حاسمة وناجزة.
قمم لا تنضج لحظة سياسية
وحافظت هذه القمم على الحد الأدنى من العمل العربي المشترك، الذي يلتف حول مؤسسة تتآكل باستمرار، وهي الجامعة العربية، ويدور جله حول أشخاص قلائل، هم قادة الدول، ليظل دومًا أسير خبرات هؤلاء ومعارفهم، وسماتهم النفسية، وقدراتهم الفردية، وكذلك أسير الظروف المؤدية إلى تعاظم دور قائد الدولة في صنع السياسة الخارجية، ومنها حجم اهتمامه بالسياسة الخارجية، وأسلوب وصوله إلى سدة الحكم، ومدى تمتعه بخصائص كارزمية من عدمه، ومقدار عمق تجربته السياسية، إلى جانب الدوافع الذاتية والصفات الشخصية، التي تختلف من قائد إلى آخر، لكن كل هذا يقود إلى "شخصنة" دبلوماسية القمة، ووضعها دوما رهينة لأفئدة وأذهان القيادات العربية المتعاقبة.
في أغلب هذه القمم لم يبذل جهد دبلوماسي كافٍ على مستوى أدنى في سبيل إنضاج لحظة سياسية وتاريخية تؤهل العرب لاتفاق نهائي يضع القادة البصمات الأخيرة عليه، فالملفات المعقدة والمهمة كانت تؤجل دوما إلى لقاء القادة، الذين ليس لديهم وقت ولا جهد للإغراق في تفاصيل أو البدء من نقطة الصفر، ومن ثم ظلت فرص نجاحهم دوما غاية في الضعف والتهالك، بل قاد هذا الوضع في بعض القمم إلى انهيار الموقف برمته، وانحداره إلى درجة أسوأ مما كان عليه، لتصبح القمة، في هذه الحال، عبئا وليست إضافة.
وكل هذه القمم لم تفارق سمات تأصلت فيها حتى صارت جزءًا من تكوينها، فالصراع العربي ـ الصهيوني هو القاسم المشترك بينها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ومعظمها جاء في إطار "رد الفعل" وليس "الفعل"، وكلها، تقريبا، لم تفلح في تقديم علاج جذري للمشكلات والأزمات التي واجهتها هذه القمم، كما أنها لم تلب طموحات الجماهير العربية، ولم تحقق آمالها، ولم تتجنب مخاوفها، لتتحول اللقاءات الرسمية للقادة العرب، إلى أفعال رمزية تنطوي على مساندة شكلية أو وعد غير ناجز بالنصرة.
وفي كل الأحوال يتجه الخط البياني لفاعلية القمم العربي إلى انحدار واضح مع مرور الزمن، باستثناء قمم محددة اتجه فيها هذا الخط إلى أعلى، مثل التي انعقدت في الخرطوم عقب هزيمة يونيو 1967، والتي أطلقت لاءات ثلاثة شهيرة في وجه الكيان الصهيوني: (لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف)، وتلك التي انعقدت في الجزائر عقب انتصار أكتوبر 1973، وأكدت استحالة فرض حل على العرب، وقمة الرباط 1974 التي وضعت أسس العمل العربي المشترك، وفرضت الالتزام باستعادة حقوق الشعب الفلسطيني، واعتماد منظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا له، وقمة الدار البيضاء غير العادية 1989 التي أعادت مصر إلى عضوية جامعة الدول العربية، وبحثت قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
القمم الناجحة.. مناسبات خاصة
ولو أطلنا النظر في فعاليات القمم العربية المتوالية لخرجنا بفهم عام يؤكد أن القمم العربية تظهر في حالة أفضل أو تبدو أكثر تماسكا إن توافرت عناصر ثلاثة: أولها: يتعلق بتعرض العالم العربي لأزمة حادة تهدده بطريقة سافرة وكاسحة؛ ما يفرض ضرورة وجود قدر مناسب من الصد والرد يحفظ لهذا النظام وجوده واستمراره، على غرار ما جرى في يونيو 1967. ويُشترط هنا أن يقتنع القادة العرب أن بوسعهم التصدي لهذا التهديد، أما إذا كان التهديد فوق طاقتهم، كما جرى إبان الغزو الأمريكي للعراق؛ فإنهم يقفون عاجزين عن فعل ملائم ومؤثر.
وثانيها: يرتبط بتعرض الأنظمة الحاكمة لضغوط خارجية تهدد بقاءها في الحكم، فعندها يتضافر القادة العرب من أجل الدفاع عن عروشهم وكراسيهم، وبرغم أن أغلب الدول العربية تبدي تبعية ظاهرة للولايات المتحدة والغرب عموما؛ فإن القادة العرب كشروا عن أنيابهم في قمة تونس 2004 ليرفضوا أي محاولة لفرض إصلاح سياسي من الخارج، ومن المعروف هنا أن أنجح عمل عربي مشترك يتم في مجال "الأمن"، و"الاستخبارات" وأنجح لقاءاته هي التي يحضرها وزراء الداخلية العرب.
أما الثالث، فيتمثل في وجود قيادة سياسية "كارزمية" أو "دولة قائدة" على المستوى العربي؛ إذ كان بوسع جمال عبد الناصر مثلا أن يسهم بشكل إيجابي في دفع العمل المشترك في اتجاه إيجابي حين يريد، وكان بوسع الملك فيصل أن يقنع دول الخليج بوقف إمدادات النفط عن الدول التي تساعد إسرائيل في حرب 1973.
هذه الخبرة المريرة، أو هذا التعثر المزمن، سيلقي بظلال ثقيلة على قمة الدوحة، التي سيكون أمامها عدة ملفات مهمة، أولها يتمثل في استعادة العراق إلى العالم العربي، وثانيها يتضمن سبل التعامل مع تمدد النفوذ الإيراني ولاسيما بعد المبادرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي باراك أوباما حيال طهران والتي تنطوي على تغير نسبي في تعامل الولايات المتحدة مع إيران؛ ما قد يتيح الفرصة للأخيرة كي تنهي خلافاتها مع واشنطن على حساب العرب، وثالثها يتعلق بكيفية لم الشمل الفلسطيني المبعثر، وتجاوز آثار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، أما رابعها فينطوي على الطريقة التي سوف يتصرف بها العرب مع الحكومة الجديدة في تل أبيب والتي تضم مجموعة من المتطرفين السياسيين، الذين ليس من المتوقع أن يجنحوا إلى سلم، أو يبحثوا عن توافق مع الدول العربية، والملف الخامس يتعلق بالمشكلة المعقدة التي يمر بها أحد القادة العرب، وهو الرئيس السوداني عمر حسن البشير، الذي يطرق حاليا أبواب نظرائه العرب بشدة، بحثا عن حل، أو على الأقل عن تضامن هو في أمسّ الحاجة إليه.
وإن لم تحقق قمة الدوحة أي اختراق مناسب ومعقول وملائم على أي من هذه الملفات الخمسة، فإنها لن تكون أكثر من رقم جديد في مسار دبلوماسية القمة العربية، وهو أمر متوقع في ضوء معطيات كثيرة، أولها أن العرب سيذهبون إلى الدوحة من دون روزنامة عمل موحدة أو على الأقل متفقة على الحد الأدنى من مصالحهم الحيوية، وثانيها أن الوصمات المعتادة التي كانت تسبق الكثير من القمم العربية لا يزال بعضها قائما من قبيل الصراع الخفي على الأدوار الإقليمية، وتفاوت النظر إلى إسرائيل، والتردد في مواجهة استراتيجيات خارجية تقضم المصالح العربية بانتظام ودأب ظاهرين.
كاتب وخبير في علم الاجتماع السياسي.
|