|
| عبد الله جول وجلال طالباني |
هناك سؤال لا بد أن يطرح بشأن التوجه التركي الواضح مؤخرا نحو الجنوب، هل هذا التوجه نتيجة طبيعية للفشل التركي حتى الآن في الانضمام للاتحاد الأوروبي؟ أم أنه توجه طبيعي لاستعادة دور تركيا التاريخي تجاه العالم الإسلامي الذي فقدته باتفاقية سايكس بيكو حيث تكالب الغرب على تقسيم تركة الرجل المريض؟
لا شك أن تركيا استعادت عافيتها في السنوات الأخيرة مع تولي حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي مقاليد السلطة في تركيا بإرادة شعبية، وليس بالضرورة أن يعود لتركيا وجهها الاستعماري مع عودة هذا الدور؛ إذ من الواضح أن قيادتها أدركت أن من الممكن أن يعود لها دورها التاريخي المؤثر في المنطقة في إطار علاقات تبادلية قائمة على الاحترام وتبادل المنفعة، والتي من خلالها ستكون تركيا هي الرابح الأكبر بكل تأكيد.
لذلك فإن هذا التوجه ناتج بالدرجة الأولى على حنين دفين في الوجدان الجمعي التركي للإسلام وحضارته والدور التركي الذي يجب أن يعود إليها في المحيط الإسلامي، وبالطبع فإنه يجب علينا ألا نغفل تأثير الفشل التركي في الانضمام للاتحاد الأوروبي في تنشيط وتسريع عملية التوجه التركي تلك.
في إطار ذلك كانت محاولات تركيا للتوسط بين سوريا وإسرائيل، وقيامها في هذا السياق بدور نشط إلى أن أجهضت أحداث غزة المأساوية هذا الدور، كما أن الموقف الرائع لرجب طيب أردوغان في المنتدى الاقتصادي الدولي ضد شيمون بيريز يؤكد هذا التوجه، وهو موقف لا أعتقد أن ملكا أو أميرا أو رئيسا عربيا يجرؤ على القيام بمثله، وقالها أردوغان صراحة (أجدادي العثمانيون).
وربما في إطار هذا التوجه التركي إلى الجنوب جاءت زيارة الرئيس عبد الله جول إلى العراق، يوم 23 مارس الجاري، لتكون أول زيارة رسمية لرئيس تركي للعراق منذ أكثر من ثلاثة عقود.
والعلاقات التاريخية بين العراق وتركيا مليئة، وما زالت، بالملفات الإيجابية والسلبية معا؛ فالصراع بين إيران (الصفوية) وتركيا (العثمانية) كان يدور على أرض العراق، وقد كانت الدولة العراقية حينئذ عبارة عن ثلاث ولايات تابعة مباشرة للباب العالي، هي بغداد والبصرة والموصل، وكان لتركيا وثقافتها تأثير كبير على الثقافة العراقية؛ فالعديد من رجال السياسة في العراق نهلوا ثقافتهم من تركيا بل منهم من كانت أصوله تعود إلى أصول تركية كرئيس الوزراء العراقي الشهير نوري السعيد، وكذلك العلماء والشعراء والفنانون، وعندما صدر قانون الجنسية العراقي الأول في عام 1924 جعل حمل الجنسية العثمانية إلى جوار الإقامة على الأرض شرطا لحمل الجنسية العراقية.
وفي المقابل توجد ملفات عالقة بين الدولتين الجارتين تسعى كل منهما إلى حسمها، لكن المشكلة أن هذا الحسم على أي وضع سيؤثر سلبا على بعض الأطراف العراقية وإيجابا على أطراف أخرى.
ومن الممكن أن نلخص تلك الملفات في: (مسألة الموصل، والتركمان في العراق، والمشكلة الكردية).
أولا: مسألة الموصل:
كما سبق أن ذكرنا كانت الدولة العراقية عبارة عن ثلاث ولايات تتبع كل منها الباب العالي مباشرة، وعندما تم الاتفاق على إقامة الدولة العراقية الحديثة عام 1921 تأسست في بداياتها من ولايتي بغداد والبصرة فقط وبقي القسم الشمالي، وهو ولاية الموصل، معلقا تتنازع عليه كل من تركيا والعراق، ولكل أسانيده، فتركيا ترى أنها وريثة الدولة العثمانية وهي الأحق بهذه الولاية، خصوصا أن أغلب قاطني هذه الولاية ليسوا من العرب (أكراد وتركمان وآشور وكلدان وأرمن)، كما أن النفط الذي تفجر في المنطقة والمحرومة منه تركيا جعلها تصر أكثر على ضم هذه الولاية لأراضيها.
وتم حسم هذه المسألة عام 1925 عندما قامت لجنة من عصبة الأمم باستطلاع رأي أهالي ووجهاء المنطقة، والذين طالبوا بضمهم إلى العراق، ويرجع سبب ذلك إلى قيام ثورة كردية عارمة في جنوب تركيا بزعامة سعيد بيران النقشبندي، وأخمدتها السلطات التركية بوحشية حيث حرقت القرى وعلقت المشانق، ووصلت أنباء تلك الفظائع لأهالي ولاية الموصل، والنسبة الغالبة فيهم من الأكراد، فقالوا: لقد حاد أتاتورك عن الإسلام وها هو ارتكب تلك المذابح في حق إخواننا أكراد تركيا، ومن صالحنا أن نكون جزءا من العراق خصوصا أن ملكه سني ومن آل البيت.
انضمت الولاية إلى العراق فعلا لتصبح مكونة من ثلاث ولايات وبوضعها الحالي، لكن بقيت ولاية الموصل مسألة تعتبرها تركيا أنها سلبت منها سلبًا وعليها أن تستعيدها متى سنحت الظروف لذلك.
وفي الأدبيات التركية نجد هذا المصطلح (كركوكن بيزين) أي كركوك لنا، ونذكر في الانتخابات البرلمانية التركية التي جرت عام 2000 أن رئيس الوزراء التركي حينئذ "بولاند أجاويد" قال خلال حملته الانتخابية: "إن الموصل وكركوك أمانتان لدى الحكومات العراقية، ولقد آن الأوان لاستردادهما".
ثانيا: التركمان في العراق:
حول مسألة التركمان في العراق يوجد خطابان متناقضان أحدهما تركماني والآخر كردي، الخطاب التركماني يؤكد أنهم من قاطني الأرض التي يتواجدون فيها منذ أمد بعيد، ويسوقون الأسانيد التي تؤكد صحة خطابهم، في حين أن الخطاب الكردي يرجع التواجد التركماني في المنطقة الشمالية إلى الحاميات التركية التي كانت ترسلها تركيا إلى العراق لحماية الطريق الواصل من تركيا إلى طريق الحرير التاريخي الممتد من إيران إلى الصين، وهذه الحاميات استقرت في المنطقة وكونت عائلات وعشائر، وهي التي تكون التركمان حاليا.
ويسوق الأكراد أسانيدهم المؤيدة لطرحهم، والذي يتلخص في أن التواجد التركماني يتركز فقط في المدن الواقعة على هذا الطريق، ولا يمتد إلى العمق يسارا ويمينا حول هذا الطريق.
وأيا كان من الخطابين أصح، فإن تركمان العراق جزء من النسيج العراقي، ولهم جميع حقوق المواطنة العراقية شأنهم في هذا شأن أي طائفة أخرى عراقية، لكن هناك إشكالية تتعلق بالتركمان، وهي ولاؤهم المعلن لتركيا؛ فأحد الأحزاب التركمانية على سبيل المثال جاء في دستوره (نحن ننظر إلى تركيا على أنها الدولة الأم ولنا معها علاقات متميزة)، كما أن التركمان ينظرون إلى تركيا على أنها الدولة التي تحميهم ضد أي انتهاك طائفي قد يلحق بهم، والموقف التركي تجاههم يصب في نفس الاتجاه؛ لذلك فإن النظرة العراقية بشكل عام والكردية بشكل خاص إلى التركمان على أن ولاءاتهم للعراق ليست كاملة، وعليه فقد لحق بالتركمان تهميش سياسي كبير في مختلف العهود، ومنذ تأسيس الدولة العراقية وحتى الآن.
ثالثا: المشكلة الكردية:
المشكلة الكردية من المنظور التركي تتعلق بعدة محاور متداخلة، بعض هذه المحاور تتفق تركيا فيها مع الحكومة العراقية، في الوقت الذي تقف فيه رئاسة وحكومة إقليم كردستان وكذلك شعب الإقليم على الضد من ذلك، وتتحدد هذه المحاور فيما يلي:
1- مسألة حزب العمال الكردستاني التركي:
من المعروف أن ميليشيات هذا الحزب تتخذ من جبل قنديل الواقع في المثلث الحدودي بين تركيا وإيران والعراق مقرا لها، وتنطلق منه إلى داخل الأراضي التركية لشن عمليات عسكرية أوقعت أضرارا بالغة بتركيا على جميع الأصعدة، وتطالب الحكومة التركية العراق ومن قبله الحكومة الإقليمية الكردستانية في شمال العراق بطرد تلك الميليشيات.
كما أنه من حين لآخر تشن تركيا عمليات عسكرية على هذه المنطقة، سواء كان ذلك بالغارات الجوية أو بالقصف المدفعي أو بالتوغل البري، مستهدفة القضاء على هذه الميليشيات، لكنها في نفس الوقت توقع خسائر أخرى في القرى الكردية العراقية المتواجدة في هذه المنطقة.
والملاحظ أن الحكومة العراقية تتعامل مع هذه المسألة بقدر غير يسير من البرود والتجاهل، تاركة مسئولية معالجة تلك المسألة للحكومة الإقليمية في أربيل، أملا في فشل تلك الحكومة في معالجتها؛ فتقع في ورطة ربما تؤدي إلى الإضرار بمستقبلها السياسي.
والحكومة الكردية في أربيل بالنسبة لمسألة حزب العمال الكردستاني في ورطة بالفعل؛ فهي تعلم جيدًا أن هناك حدودًا لضبط النفس التركي، وهي لا تتمنى مواجهة مسلحة على أي درجة مع تركيا، إنها تتمنى علاقة حسن جوار مع هذا الجار القوي، في الوقت الذي يتعاطف فيه الشارع الكردي مع حزب العمال الكردستاني من منطلق قومي، وبالتالي يصعب على تلك الحكومة اتخاذ مواقف حاسمة ضد هذا الحزب، فضلا عن أنه من الناحية العملية، فإن دخول قوات البيشمركة الكردية في مواجهة مسلحة ضد ميليشيات حزب العمال الكردستاني في هذه المنطقة شديدة الوعورة -حيث يحارب الجبل إلى جوار اللائذ به- هو أمر لا تحمد عواقبه، والراجح أن المواجهة حينئذ ستكون عبثية ومستنزفة لقدرات الإقليم العسكرية والمادية، كما أن الدخول في تلك المواجهة سيضر بتلك الحكومة ضررا بليغا أمام جماهير شعبها.
وقد طالب عبد الله جول خلال الزيارة العراق، بغداد وأربيل، بمنع تسلل ميليشيات هذا الحزب إلى الأراضي التركية، وفي المقابل طالب جلال الطالباني (بصفته رئيس جمهورية العراق) ميليشيات هذا الحزب بإلقاء السلاح والتوقف عن محاربة تركيا أو مغادرة الأراضي العراقية.
وعلى الفور رفض حزب العمال تصريحات الطالباني تلك، لتظل قضية حزب العمال قضية شائكة تتعذر على الحل إلا إذا قامت الحكومة التركية بحلول جذرية لمشاكل الأكراد الأتراك، وبالتالي تسحب البساط من تحت أقدام هذا الحزب، ويفقد تعاطف أكراد تركيا معه، وهذا يحدث بالفعل على الساحة التركية؛ فمن التجاهل التركي التام لوجود أكراد على أراضيها وتحريم اللغة الكردية وكافة الرموز الاجتماعية والثقافية، إلى السماح بقيام أحزاب كردية سلمية تشارك في العملية السياسية وتصل إلى البرلمان بصفتها الكردية، والسماح بإصدار صحف كردية وقنوات تليفزيونية كردية، وإذا سارت تركيا على هذا النهج فإن البساط سينسحب تدريجيا من تحت أقدام هذا الحزب ويفقد تدريجيا التأييد الشعبي له.
2- التطور السياسي لأكراد العراق:
تتعامل الحكومة التركية بتوجس كبير مع التطور السياسي لأكراد العراق، والذي وصل في بعض الأحيان إلى ما يقرب من الاستقلال الفعلي.
تدرك تركيا أن هذا التطور يدغدغ مشاعر أكراد تركيا بما يجعلهم يطالبون بالمزيد من الحقوق، وبالتالي يضر من وجهة نظرها بالأمن القومي التركي، لذلك فإن تطورا سياسيا لأكراد العراق يقربهم من الاستقلال هو خط تركي أحمر، وهذه المسألة تأتي على هوى الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي، والتي تسعى لإجراءات دستورية تقلص من خلالها سلطات الأقاليم (حتى الآن لا يوجد سوى إقليم كردستان)، ويدعم الفيتو التركي في ذلك توجهات الحكومة المركزية تلك؛ لذلك فإن هذا المطلب التركي يصب في صالح الحكومة العراقية، ويتعارض على طول الخط مع توجهات الحكومة الكردية في أربيل، وكذلك الشارع الكردي.
3- مسألة كركوك:
كركوك أيضًا خط أحمر تركي، فتركيا تقف بقوة ضد ضم كركوك إلى إقليم كردستان؛ خوفا من استيلاء الأكراد على نفطها؛ وبالتالي يقويهم ويساعدهم على الاستقلال، ومن ناحية أخرى فإنها وكما ذكرنا سابقا تعتبر نفسها حامية للتركمان الذين يشكلون نسبة مهمة في المدينة، والموقف التركي من هذه المسألة يصب هو الآخر في صالح الموقف الحكومي العراقي من هذه المسألة، فالمناطق المتنازع عليها بين الحكومة العراقية وإقليم كردستان (وفي مقدمتها كركوك والتي نصت المادة 140 من الدستور العراقي على أسلوب معالجتها) هي إحدى المشكلات الكبيرة بين بغداد وأربيل، والمادة المذكورة من الدستور العراقي هي إحدى المواد التي يطالب المالكي بتعديلها.
والخلاصة هي أن زيارة عبد الله جول للعراق ستسهم في تدعيم العلاقة بين بغداد وأنقرة، لكنها ربما تتسبب في أضرار للحكومة الكردية الإقليمية في أربيل.
كاتب ومحلل سياسي متخصص في الشئون العراقية والتركية.
|