|
| لقاءات لإدارة الأزمات لا لتكريس السلام |
عندما سئل مصدر دبلوماسي مصري مطلع عن كيفية تعامل القاهرة مع حكومة نتنياهو الجديدة ووزير خارجيته المتطرف أفيجدور ليبرمان الذي سب الرئيس المصري شخصيا، بالقول: "فليذهب إلى الجحيم"، قال: "إنه في حالة عدم اعتذار إسرائيل فإن العلاقات المصرية الإسرائيلية ستدار كما تدار في معظم الأوقات على مستوى التواصل بين مدير المخابرات المصري ونظيره الإسرائيلي، أو على مستوى رئيس الوزراء والرئيس المصري"، وأكد أن "السياسة المصرية العامة هي أن الزيارات تتم في أضيق الحدود، ولخدمة أهداف محددة".
هذا التصريح يشرح ضمنا إستراتيجية التعامل المصري مع إسرائيل، وطبيعة العلاقات بعد 30 عاما من توقيع اتفاقية السلام بين الدولتين في عام 1979، ويحدد "سقف" التعاملات المصرية مع تل أبيب، ويبدو منه أن نمط العلاقة يأخذ الطابع "البرجماتي" أكثر من الطابع "الإستراتيجي" الذي قد ينطوي على تحالف وتوافق في معظم القضايا الخارجية.
وأحد مؤشرات هذا كانت التصريحات المتضاربة الأخيرة حول نية سفير مصر في إسرائيل المشاركة في الاحتفالات الإسرائيلية بذكرى مرور 30 عاما على معاهدة السلام الموقعة بين البلدين في 26 مارس 1979، أو لا، وحسمت الخارجية المصرية الأمر بإعطاء السفير أمرا بالمشاركة، والتي ليست سوى تعبير عن حالة وطبيعة هذا "السلام" بين البلدين برغم مرور 30 عاما عليه، والمرشح أن يدخل في مرحلة جديدة من "البيات الشتوي" مع حكومة نتنياهو القادمة.
هذا فقط نموذج للعلاقات على المستوى الرسمي، في حين أن العلاقات على المستوى الشعبي معدومة تقريبا، ويكفي أن آخر استطلاع أجري عام 2006 لرأي ألف مصري تزيد أعمارهم عن 18 عاما (أي الجيل الذي عاصر فترة السلام لا الحرب)، أظهر أن 92% منهم وصفوا إسرائيل بالدولة المعادية، ولم ير سوى 2% فقط أن إسرائيل "دولة صديقة لمصر".
تحالف أم توارد مصالح؟
هذه المقدمة ضرورية لمعرفة مكان القدم المصرية على أرض السلام الإسرائيلي عموما، بعدما أثير مؤخرا على خلفية النزاع المصري الحمساوي وحرب غزة بأن هناك توافق مصالح وشبه تحالف مصري إسرائيلي على حصار حماس في غزة، والسعي لهدم "إمارتها الإسلامية" هناك.
قد تكون الخلافات التي اندلعت بين القاهرة وحركة حماس -التي تتحكم في أبواب مصر الشمالية عند غزة منذ انقلاب 2007- قربت المواقف المصرية والإسرائيلية نسبيا من زاوية التوافق أو "توارد المصالح" على خطر حركة حماس على النظامين، خصوصا أن هذه النظرية روج لها بشكل أكبر رموز "الحرس الجديد" في الحزب الوطني الحاكم.
وقد تكون الحساسية المصرية ضد جماعة الإخوان المسلمين في مصر عمقت من زاوية الكراهية لـ"النظام الإسلامي" الذي شيدته حماس (الإخوانية الأصل) في القطاع، وهو ما ظهرت عواقبه خلال حرب غزة، والتصعيد الرسمي المصري ضد حماس في المراحل الأولى للحرب، وإغلاق معبر رفح، مرورا باعتقال رموز من الجناح العسكري لحماس في مصر، وحجز أموال مع قياديي الحركة في معبر رفح.
ولكن هذا الموقف المصري لا يعبر عن المواقف الإستراتيجية المصرية التي ترى أن إسرائيل هي العدو (بحسب ما قالته مصادر أكاديمية مقربة من الجهات الرسمية المصرية لـ "إسلام أون لاين.نت")، ويحسب على المواقف التكتيكية أو البرجماتية، لا الإستراتيجية؛ لأن الخطر الإسرائيلي -ولو بعد 30 عاما من السلام- يظل قائما، ويهدد جسد الدولة المصرية ذاتها أمنيا وإستراتيجيا، في حين أن خطر حماس -لو افترضنا أنه خطر على "النظام" لا على "الدولة"- لا يتعدى وخز الإبرة في الجسد.
دافئة أم باردة.. أيهما أفضل؟
ومن متابعة الفعل المصري منذ توقيع اتفاقية السلام قبل 30 عاما، يظهر أن تطوير أو تحسن العلاقات المصرية الإسرائيلية بات مرهونا بالقضية الفلسطينية بشكل أساسي، وبالعلاقات مع أمريكا، لا بالعلاقات الثنائية ذاتها، وأنه بقدر ما سعت تل أبيب لتحييد القاهرة عن محيطها العربي والإسلامي باتفاقية السلام، بقدر ما سعت مصر لاحقا للاستفادة من هذه العلاقة الدبلوماسية في خدمة القضية الفلسطينية وفق الظروف المتاحة.
بعبارة أخرى، تبدو النظرة المصرية للعلاقات مرتبطة بمعادلة مفادها أنه يجب الإبقاء على العلاقات مع تل أبيب عند نقطة معينة؛ ففي ظل السلام الدافئ نسبيا مع إسرائيل تزداد القدرة المصرية على التأثير في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين بما يحقق تطلعات تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية (وهو ما ظهر بوضوح في فترة تولي رابين الحكم)، في حين أن السلام البارد وانكماش العلاقات لا يعطي القاهرة الفرصة للتأثير، وتتعطل القدرة على استغلال العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب لصالح القضية الفلسطينية (حسبما ظهر في فترة حكمي نتنياهو -سابقا- وشارون).
ومن هنا يبدو الحرص المصري على الإبقاء على شعرة معاوية مع حكومة نتنياهو، وفتح باب العودة لوزير الخارجية المتطرف ليبرمان، في حال قدم اعتذارا لمصر عما سبق أن قاله، أو أطلق تصريحا يصب في خانة محور آثامه السابقة في حق مصر ورئيسها وسدها العالي.
هذا الحرص على القضية الفلسطينية نابع من ارتباطها الوثيق بالأمن القومي المصري، وتأمين الحدود الشمالية المصرية مع جار فلسطيني صديق بدلا من عدو إسرائيلي، وهو أمر حرصت عليه مصر في اتفاقيات كامب ديفيد 1978 ثم اتفاقية السلام عبر النص في هذه الاتفاقيات على حل المشكلة الفلسطينية بفترة انتقالية من الحكم الذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم اتفاقيات أوسلو التي جاءت بعد حين، وصولا للعب دور الوسيط بين الإسرائيليين والفلسطينيين في التهدئة وتبادل الأسرى الحالي.
وعندما سعى الإسرائيليون في عام 2004 -في ذكري مرور 25 عاما على توقيع المعاهدة- أن يقيموا حفلا كبيرا في البرلمان، وأرسل رئوفين ريفلين رئيس الكنيست رسالة إلى د.فتحي سرور رئيس البرلمان المصري يدعوه "للاحتفال معا" بهذه المناسبة، خصوصا أنه لم تقم أي شخصية رسمية مصرية بزيارة الكنيست، منذ الزيارة التي قام بها الرئيس المصري السابق أنور السادات له في عام 1977، رد عليه "سرور" رافضا الحضور، ومؤكدا أنه سيسره تلبية الدعوة "فقط بعد قيام الدولة الفلسطينية، وانسحاب إسرائيل من كل الأراضي العربية المحتلة، وتحقيق السلام الشامل بين إسرائيل والدول العربية".
أما الانحياز المصري التقليدي للسلطة الفلسطينية على حساب حماس في الأزمات الأخيرة، ورفض أي "مرجعية بديلة" لمنظمة التحرير الفلسطينية حسبما اقترح رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل، فيمكن النظر له على أنه تمسك مصري بالثوابت الفلسطينية من الناحية الإستراتيجية، وحرص على هذا التعامل الإستراتيجي مع القضية الفلسطينية بما لا يعطي تل أبيب والغرب فرصة الإفلات من إقامة الدولة الفلسطينية، وفي الوقت نفسه الحرص على التعامل البرجماتي مع الوضع الدولي الذي يرفض التعامل مع حماس، أو إعمار غزة بدون الاعتراف بالاتفاقيات المبرمة بين منظمة التحرير وإسرائيل.
حالة العلاقات بعد 30 عاما
ويرجع هذا الحرص المصري على بعض الدفء في العلاقات مع تل أبيب للرغبة في مراعاة الدور الأمريكي المتداخل في هذه العلاقة بقوة، فعندما رفض رئيس البرلمان المصري في عام 2004 تلبية دعوة البرلمان الإسرائيلي للاحتفال، ورد بطريقة مهينة على الإسرائيليين، تسبب هذا الرد المصري في سلسلة ضغوط أمريكية في الكونجرس، أعقبه تراجع نسبي مصري، واضطر رئيس البرلمان المصري للرد برسالة ثانية (مخففة) للكنيست يبرر رفضه الحضور بـ"الظروف الراهنة"، مع تأكيده على حرص مصر وعملها من أجل السلام مع دولة إسرائيل.
والحقيقة أن سجل العلاقات ملبد بالغيوم والمشكلات بسبب القضايا المعلقة بين الطرفين، ولا يوجد أي مظهر من مظاهر السلام في مصر، على الرغم من سعي كل سفير إسرائيلي جديد للحديث عن "بوادر تحسن"؛ إذ لا تزال عشرات القضايا بين الطرفين معلقة، مثل مسألة محاكمة المجرمين الصهاينة عن قتل الأسرى المصريين في حروب 56 و67، والتي جددت مصر على لسان وزير خارجيتها المطالبة بها وعدم سقوطها بالتقادم، وملف السجناء المصريين في السجون الصهيونية الذين رفضت الدولة العبرية إدراجهم في تبادل الأسرى مع حزب الله.
وهناك كذلك مسألة الرفض الإسرائيلي للتوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي، فضلا عن قضية استعادة مدينة "أم الرشراش" المصرية المعروفة الآن باسم "إيلات"، والتي لا تزال تحتلها إسرائيل منذ 55 عاما، والتي تحل ذكرى احتلالها في 10 مارس من كل عام، رغم عدم الرغبة المصرية الرسمية في إثارة هذه القضايا على نحو رسمي حتى الآن.
أيضا هناك قضية لا تزال معلقة بين البلدين ألا وهي قضية التعويضات الإسرائيلية لمصر عن نهب بترول سيناء طوال ست سنوات من الاحتلال، والتي لم تحل بالرغم من أنها وردت في المادة الثانية من المعاهدة، وقد سارعت إسرائيل لاختلاق قصص وهمية حول ملايين الدولارات التي تركها اليهود المصريون وراءهم عندما هاجروا إلى إسرائيل وتكررت إثارتها في كل عام، تحت مزاعم أن قيمة هذه الممتلكات اليهودية تقارب المبلغ الذي تطالب به مصر كتعويض وهو 20 مليار دولار.
ويعتقد خبراء عسكريون مصريون أن إسرائيل تساوم في هذه المسائل عادة حتى لا يتحول الأمر لسابقة في معاهداتهم مع الدول العربية الأخرى، وهذا ما نجحوا فيه في المعاهدة الأردنية، وسيسعون إليه أيضا في حالة توقيع أي اتفاق مع دمشق أو بيروت.
ويرتبط بهذا سرقات الآثار المصرية التي نهبها الصهاينة من الأراضي المصرية التي كانت محتلة ولم يعيدوها بالكامل حتى الآن لمصر، وقد اكتشف خبراء الآثار المصريون أن بعض ما رده الصهاينة إما قطع مزورة أو قطع أصلية ولكنها ليست مصرية وإنما مسروقة من دول عربية أخرى احتل الصهاينة أرضها مثل سوريا ولبنان والأردن.
إن مرور 30 عاما على السلام لا يبدو بالتالي مظهر قوة لهذا السلام بقدر ما هو تشبث من الطرف المصري بأمر برجماتي واقع، ولا يعبر عن سلام إستراتيجي؛ لأن المصالح الإستراتيجية أكثر تباعدا وتصادما بين الطرفين.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|