English

 

الثلاثاء. مارس. 24, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » مصر

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

نصف دستة اتهامات لمعاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية *

د.عبد المنعم سعيد

Image
د. عبد المنعم سعيد
يوم الخميس المقبل السادس والعشرين من مارس ‏2009‏ تكون مرت ثلاثة عقود على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية،‏ وربما لم يحدث في التاريخ المصري أن اختلف المصريون والعرب حول قضية مثلما اختلفوا على هذه القضية،‏ ولا أظن أن مثل هذا الخلاف سوف يختفي في المستقبل القريب،‏ وما دام الصراع العربي الإسرائيلي قائما فإن وجهات النظر سوف تظل متباعدة،‏ خاصة كلما دخل الصراع واحدا من أحداثه الدرامية،‏ ومع ذلك يظل تحرير الخلاف ضروريا لوجه الحقيقة أولا،‏ ولوجه التاريخ ثانيا،‏ ولوجه الله في كل الأحوال،‏ حيث توازى الخلاف دائما مع أكبر عمليات التضليل وخلط الأوراق وبعثرتها في كل الاتجاهات،‏ مع تأثير كل ذلك على سياسات حاضرة وجارية وكلها تكاليف مال ودم‏.

اتهامات وردود

اتهامات شائعة ولظروف المساحة فإن هناك ستة اتهامات شائعة تخص المعاهدة تستحق التنويه والمناقشة أمام الرأي العام،‏ وربما الأهم أمام السياسيين الذين لا يزال أمامهم الاختيار بين خيارات صعبة،‏ وأحلاها دائما مر وعلقم‏.‏

والتهمة الأولى الموجهة إلى معاهدة السلام هي أنها لم تحقق شيئا،‏ وهي جملة تجري دوما بتلقائية غريبة،‏ وكأن القائل لا يعرف أولا أن شبه جزيرة سيناء تبلغ ‏61‏ ألف كيلو متر مربع،‏ أو ثلاثة أمثال الدولة الإسرائيلية،‏ أو 90%‏ من الأراضي المحتلة في حرب يونيو ‏1967.‏ ولا يقل أهمية عن ذلك أن الاتفاقية وضعت الأسس التي تتم عليها المفاوضات التالية مع الأطراف العربية المحتلة حينما وضعت إطارا لحل القضية الفلسطينية جاءت على أساسه اتفاقيات أوسلو التي بمقتضاها قامت أول سلطة فلسطينية في التاريخ على الأراضي الفلسطينية وعلى الشعب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة،‏ كما أن الاتفاقية استنادا إلى كامب ديفيد السابقة عليها نصت بوضوح على أن السوابق الواردة فيها يتم تطبيقها على بقية الأراضي العربية المحتلة،‏ وهو ما جرى بالفعل في اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية التي حررت الأراضي الأردنية المحتلة‏.

وبالنسبة لسيناء فإنها لم تكن فقط أرضا محتلة تم تحريرها من الأيدي الأجنبية،‏ وهو ضروري للشرف المصري،‏ وإنما لأن سيناء أيضا قيمة اقتصادية عظمى ببترولها وسياحتها ومكانتها الجيواقتصادية التي للأسف لم نستغل منها إلا القليل‏.

التهمة الثانية تأتي فورا بعد تبيان فجاجة التهمة الأولى،‏ حيث يقال إنه في تبرير الاتفاقية كان تحقيق الرخاء واحدا من أهم أهدافها،‏ فأين ذلك من حال مصر الآن وما فيها من تعب وعنت اقتصادي؟!

والإجابة عن السؤال لها جانبان‏:‏ الأول يتعلق بالتكلفة الاقتصادية لمصر لو أنها لم توقع هذه الاتفاقية،‏ حيث كان سيستحيل على الدولة المصرية أن تبقي الاحتلال قائما،‏ أو تقول الدولة المصرية للشعب المصري إنها تنتظر اللحظة المناسبة للقيام بمعركة التحرير،‏ لكن اليقين هو أن مصر كانت سوف تشن حربا كل عقد على أقل تقدير حتى تستعيد أراضيها السليبة،‏ وعلينا أن نتخيل دولة في حالة حرب لثلاثة عقود وآثار ذلك على بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية‏.‏

والثاني أن تنمية أي بلد تعتمد على الظروف الإقليمية الملائمة - أن تكون في حالة سلام - وعلى قدرة أبنائها على بنائها وتحقيق الرخاء فيها بالحكمة الاقتصادية والعمل الشاق،‏ وعلى مدى الأعوام الثلاثين الماضية عمل المصريون بجد،‏ وأعادوا بناء مدن القناة الثلاث التي تم تدميرها أثناء الحرب،‏ وأعادوا سكانها اللاجئين ‏(مليونين‏)‏ إلى بيوتهم،‏ ولكن الحكمة الاقتصادية لم تكن سائدة دائما،‏ حيث تم التمسك بفلسفة اقتصاد الدولة والقطاع العام لفترة أطول مما يجب،‏ ومع ذلك فإن التقدم الذي جرى خلال العقود الثلاثة من حيث جميع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية يتفوق على كل العقود السابقة،‏ ولم يحدث من قبل في التاريخ أن بلغ العمر المتوقع للمصريين ‏72‏ عاما،‏ ولم يحدث أن بلغت نسبة المتعلمين في سن التعليم ‏72%‏، ولم تتحقق أبدا تلك النسبة المنخفضة من وفيات الأطفال،‏ ولم يجر أبدا أن عاش المصريون على ‏6%‏ من أرض مصر‏.‏

وربما لم يحقق المصريون الرخاء ولم يحدث أن بنى المصريون تماثيل من الرخام على الترعة وأوبرا كما كان يحلم عبد الحليم حافظ في أزمنة قديمة كانت نسبة المتعلمين فيها ‏25%‏ فقط،‏ ولكنهم بالتأكيد أصبحوا أفضل حالا من عصور سابقة،‏ ومما لو كانت حالة الحرب قد استمرت على حالها‏.

والتهمة الثالثة هي أن للمعاهدة عيوبا خطيرة، حيث تقيد السيادة المصرية على مناطق من سيناء،‏ والإجابة على ذلك متعددة‏:‏ أولاها أن القيود الواردة على مصر يوجد ما يماثلها على إسرائيل، وثانيتها أن هذه القيود لم ترد في الاتفاقية إلا نتيجة موافقة الرئيس جمال عبد الناصر على قرار مجلس الأمن رقم ‏242‏ الذي نص على إقامة مناطق مقيدة التسلح،‏ ومناطق منزوعة السلاح،‏ وهو ما لم يتم تطبيقه على الجبهة المصرية فقط،‏ وإنما جرى تطبيقه على الجبهة الأردنية،‏ كما جرى تطبيقه على الجبهة السورية نفسها نتيجة تطبيق اتفاقية الفصل بين القوات بعد حرب‏ 1973، والأهم أنه جرى تطبيقه في جميع مراحل المفاوضات السورية الإسرائيلية،‏ ولأسباب غير مفهومة فإنه لم يحدث أبدا أن تحدث أصحاب هذا الاتهام على قيود التسلح الواردة على جبهة الجولان في الحالتين،‏ وثالثتها أن التطور الهائل في التسليح،‏ وأساليب الدفاع المتحرك،‏ وبالذات في تكنولوجيا الصواريخ،‏ قد جعل هذه القيود كلها غير ذات بال من الناحية العملية،‏ حيث أصبحت الأراضي الإسرائيلية نفسها هدفا للإيذاء الشديد في حالة الحرب‏.‏

والتهمة الرابعة أن الاتفاقية لم تمنع من استمرار العدوان الإسرائيلي،‏ وكما يقول قائل‏:‏ تسارعت خطى الإسرائيليين في محاولة التمدد والتمكين وتغيير الحقائق على الأرض،‏ وهو قول صحيح لكنه ناقص تماما،‏ فالدولة السورية على سبيل المثال،‏ وحيث لم تحدث معاهدة سلام،‏ لم تمنع الإسرائيليين من التمدد وبناء المستوطنات على المرتفعات السورية،‏ والجبهة اللبنانية كانت ساحة مستمرة للاعتداءات الإسرائيلية وتدمير قدرات الشعب اللبناني عدة مرات مع الاستمرار الدائم في احتلال مزارع شبعا‏. والثابت أن عملية التمدد والتمكين الإسرائيلية لم تحدث إلا في المناطق التي رفض أصحابها السير مع مصر في طريق السلام والتسوية،‏ بينما تم إنقاذ الأراضي المصرية والأردنية من عملية التمدد والتمكين هذه بالحرب وعقد اتفاقية السلام،‏ وإدارة الصراع بحكمة وإستراتيجية محكمة،‏ وكانت النتيجة انكماشا في الإمبراطورية الإسرائيلية التي تم بناؤها من القنطرة إلى القنيطرة خلال حرب يونيو ‏1967.‏

والتهمة الخامسة هي أن اتفاقية السلام عكست أسلوبا في إدارة الصراع مع إسرائيل ينفي المقاومة الواجبة إزاءها بالقوة المسلحة‏،‏ والحقيقة أن القائلين،‏ وفي مقدمتهم مصر‏،‏ بالسلام والتسوية والمفاوضات‏ لم يرفضوا أبدا حق المقاومة وممارسته إزاء وجود عدوان وأراض محتلة‏،‏ ومن الناحية التاريخية البحتة فإن مصر كانت ليس فقط أكثر من ضحى في المواجهة مع إسرائيل،‏ بل إنها أيضا كانت أكثر من كبد إسرائيل خسائر فادحة،‏ ولا يوجد في تاريخ المقاومة العربية لإسرائيل بأشكالها المختلفة من حروب وانتفاضات وعمليات انتحارية واستشهادية وإرهابية ما كبد إسرائيل من خسائر تماثل تلك التي خسرتها في حرب أكتوبر ‏1973، أو في الحروب التي جرت مع مصر قبلها منذ عام ‏1948.‏

فالقضية هنا ليست وضع المقاومة في مقابل التسوية،‏ وإنما كيف توضع كل الأساليب العسكرية والدبلوماسية والسياسية والإعلامية في خدمة هدف بعينه،‏ وهو تحرير الأراضي العربية المحتلة‏.‏ لقد ثبت بما لا يوجد فيه شك أن الأسلوب المصري في التسوية،‏ الذي أدى إلى معاهدة السلام،‏ كان هو الأكثر إنجازا وتحريرا،‏ والأهم من ذلك كله أنه خلص مصر من عار احتلال أراضيها،‏ بينما بقيت أراضي أصحاب المنهج الآخر بلا مفاوضات ولا تسوية ولا حتى مقاومة‏.‏

والتهمة السادسة أن اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية قد جعلت مصر تابعة للولايات المتحدة الأمريكية،‏ وهو قول لا يأتي إلا ممن في قلوبهم مرض،‏ أو أنهم لا يقرءون التاريخ،‏ أو أنهم لا يعرفون مصر على حقيقتها قيادة وشعبا ودولة‏.‏

فبدون التقليل من شأن الولايات المتحدة كدولة عظمى في العالم ينبغي للعقلاء أخذها في الحسبان،‏ فإن ذلك لم يمنع مصر من التصويت المخالف للتصويت الأمريكي في الأمم المتحدة في‏83%‏ من الحالات ‏(لاحظ أن إسرائيل وافقتها في ‏87%)، كما أن السجل حافل بالرفض المصري للمطالب الأمريكية للعدوان على ليبيا خلال الثمانينيات،‏ والضغط على الجانب الفلسطيني خلال المفاوضات التي جرت خلال التسعينيات،‏ بل إن مصر التي وقعت معاهدة السلام مع إسرائيل كانت هي وليس غيرها التي وقفت في وجه الهرولة في التطبيع مع الدولة العبرية،‏ وجعلت من التطبيع برودة ودفئا جزءا من عملية التفاوض العربية مع إسرائيل،‏ وذلك في تحد دائم لما تريده الولايات المتحدة‏.‏

وليس سرا على أحد أن كل النصائح الأمريكية للتغيير في الداخل المصري كانت مرفوضة، بقدر ما كان العدوان الأمريكي على العراق مرفوضا،‏ وما على القائلين بتبعية مصر لأمريكا إلا دراسة حالة من المواجهة بين الدولتين خلال فترة إدارة جورج بوش السابقة، وجرى كل ذلك بينما حصلت مصر من الولايات المتحدة على ما لم تحصل عليه دولة أخرى من أموال وسلاح، عدا إسرائيل،‏ وكان ذلك نتيجة حكمة وقدرة ربما يحين وقت الحديث عنها في وقت آخر‏.‏ وربما لم تكن هذه الاتهامات تغطي كل ما يقال،‏ ولكن المساحة غلبت،‏ والزمن في النهاية سوف يحاسب المخطئين‏!!‏


مدير مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بمؤسسة "الأهرام"

*نقلا عن صحيفة الأهرام المصرية، الاثنين 23 مارس 2009.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات