|
| برلمان الكويت.. متهم أم ضحية؟ |
المفترض في أي انتخابات برلمانية في العالم أن تفرز مجلسا نيابيا يعبر عن مطالب الشعب أو غالبيته، والمفترض في أي حكومة (منتخبة) أيضا أن تتعامل مع البرلمان على هذا الأساس، أي النزول على رغبة أغلبيته البرلمانية، ولكن مشكلة الديمقراطية الكويتية –شأن أغلب الديمقراطيات العربية الجزئية أو الناقصة– أن البرلمان منتخب ويعبر عن رأي الشارع وأغلبيته، لكن الحكومة يُعَيِّنها أمير البلاد، ويرأسها غالبا عضو من الأسرة الحاكمة؛ مما يجعل محاسبتها برلمانيا أمرا عسيرا.
وتعد الأزمات التي تشهدها الكويت منذ بدء العمل بنظام الانتخابات البرلمانية عام 1976 بين البرلمان والحكومة، والتي تنتهي غالبا بحل البرلمان (تعرض للحل ست مرات منذ ذلك التاريخ) تعبيرا عن هذه الحالة.
ولذلك لم يختلف الحل الذي توصل إليه أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح للأزمة "المزمنة" الأخيرة بين البرلمان والحكومة، عن الحلول التقليدية التي تقتصر على حل البرلمان تفاديا لمساءلته الحكومة عن مظاهر فساد وخلل إداري؛ فحل البرلمان بل تجميده كان هو "الحل السحري" الذي يجري اللجوء له لمنع محاسبة الحكومة التي يرأسها عضو في الأسرة الحاكمة.
صحيح أن الحلول سابقا كانت تميل في المراحل الأولى لتجميد البرلمان (مرتان عام 1962، والتجميد لمدة خمس سنوات من 1976 حتى 1981، ثم لست سنوات أخرى من 1986 حتى 1992)، ثم لجأت لحل البرلمان، لكنها بدأت منذ عام 2007 تميل لقبول استقالة الحكومة، وفي الحالة الأخيرة جرى الجمع بين حل البرلمان وقبول استقالة الحكومة، ومع ذلك أظهر خطاب أمير الكويت بحل البرلمان الأخير (18 مارس 2009) أن الغضب الأميري على البرلمان لا زال مستمرا، وأنه لا توجد حلول جديدة مطروحة للأزمة.
القط والفأر
ويمكن التنبؤ من الآن بأن الانتخابات التشريعية المبكرة المقبلة، والتي ستجرى في منتصف مايو المقبل، ربما تكون الأخيرة لترويض البرلمان قبل العودة للسياسة القديمة الخاصة بتجميد عمل البرلمان بحجة تدهور أحوال الكويت الاقتصادية وشلل مشاريعها الاقتصادية الضخمة، نتيجة عرقلة البرلمان لها وإصراره على كشف خبايا مشاريع منها تراها المعارضة "مشبوهة"، فهذه هي المرة الخامسة في غضون ثلاث سنوات التي تقدم فيها الحكومة الكويتية استقالتها منذ عام 1999، والمرة الرابعة في غضون عشر سنوات التي يجري فيها حل البرلمان من قبل أمير البلاد، والسادسة في غضون 20 عاما.
يعني ذلك أنه منذ عام 1999 تم حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة ثلاث مرات، آخرها كانت في مارس 2008، والرابعة في هذا الشهر مارس 2009.
في الكويت تجري إذن لعبة طريفة هي لعبة القط والفأر بين (الحكومة) التي يرأسها غالبا أحد أفراد الأسرة الحاكمة، وبين (البرلمان) الذي يقدم استجوابات ساخنة ينتج عنها استقالة وزراء في قضايا فساد، وإنفاق أموال الشعب في صفقات سلاح وتجارة مشبوهة.
وجاءت استقالة الحكومة الأخيرة إثر تعرض رئيسها لخمسة استجوابات في مجلس الأمة تقدم بها نواب إسلاميون اتهموه بسوء الإدارة وانتهاك الدستور، وغياب الحذر في سياساته الاقتصادية، ناهيك عن اختلاس الأموال العامة.
وكان أمير الكويت قد حل البرلمان (مجلس الأمة) قبل نحو عام لإنهاء أزمة بين النواب ومجلس الوزراء، ومع هذا استمرت التحركات البرلمانية نحو استجواب الشيخ ناصر الصباح رئيس الحكومة؛ فقدم استقالته في نوفمبر 2008 قبل أن يكلفه أمير البلاد مرة أخرى بتشكيل حكومة جديدة قدمت استقالتها مرة أخرى في فبراير الماضي.
أمريكا سر الأزمة
ويمكن القول إن أمريكا هي السر والسبب في هذه الأزمات الكويتية المتلاحقة، وذلك بسبب الصفقات والامتيازات التي تسعى الحكومة لإسنادها لشركات أمريكية غالبا، والتي يعترض عليها البرلمان؛ بسبب شروطها المالية المجحفة، أو اشتمام رائحة الفساد فيها.
فالحكومة الكويتية (التي تهرب دوما من مساءلة البرلمان عن إهدار أموال البلاد) تلجأ لأمير البلاد، والذي بدلا من أن يعزلها لأنها ترفض الرد على استجوابات نواب الشعب، يلجأ للحل السهل، وهو حل البرلمان أملا في أن يأتي برلمان أكثر موالاة للحكومة.
ولا تكمن المشكلة فقط في عدم رغبة الحكومة ورئيسها –عضو الأسرة الحاكمة– في استجواب النواب لها، وصولا لطلب النواب استقالتها وإقالتها تشريعيا، وإنما في سعي نواب لتكرار نفس الاستجوابات والوصول في الخلاف لنقطة اللاعودة، بما يدفع لاحتدام الأزمة وتدخل الأمير، وقد ألمح لهذا الأمير الصباح حين قال في تبريره لحل البرلمان: "إن ممارسات مؤسفة شوهت وجه الحرية والديمقراطية الكويتية تجري، وإن تلك الممارسات أفسدت التعاون المأمول بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأشاعت أجواء التوتر والتناحر والفوضى، بما أدى إلى تعثر مسيرة العمل الوطني في البلاد".
وطبيعي في ظل هذه المعادلة الصفرية بين الحكومة والبرلمان، والتي لا ينتج عنها تغير يذكر عقب كل انتخابات، ألا نتوقع أن تسفر الانتخابات المقبلة عن تغيير في تركيبة البرلمان العشائرية التي تفرز غالبا برلمانا به قوى معارضة خصوصا من الإسلاميين والليبراليين الذين يعاودون استجواب الحكومة في قضايا الفساد، وتهرب الحكومة من استجواباتهم، ويستمر بالتالي مسلسل الأزمة.
ولا شك أن ذلك يؤثر على الكويت واقتصادها الذي تأثر بشدة في الأزمة الاقتصادية العالمية وانهيار أسعار النفط؛ حيث خسرت صناديق السيادة الكويتية في أمريكا مليارات الدولارات بسببها، لاسيما أن الكويت تمتلك فائضا يقدر بنحو 300 مليار دولار، يستثمر أساسا في الولايات المتحدة وأوروبا، والغريب أن الاستقالة الأخيرة لحكومة الشيخ ناصر الأحمد الصباح قيل إنها جاءت على خلفية استجوابات تتعلق بفساد مالي وإنفاق في غير محله، وقرارات اقتصادية ومالية غير مدروسة، ولم يتحدث أحد رغم ذلك عن السبب الحقيقي، وهو الصفقات والاتفاقيات مع أمريكا التي يرفضها البرلمان.
وظهر هذا في الاستجواب الذي تقدم به النائب فيصل المسلم، والخاص بملاحظات قال إنها وردت في تقارير لديوان المحاسبة الكويتي عن مصاريف ديوان رئيس الحكومة؛ حيث أعرب النائب عن اعتقاده بوجود "اختلاسات بمبالغ طائلة حصلت خلال الحملة الانتخابية التي سبقت الانتخابات التشريعية لعام 2008".
وكتب النائب الإسلامي د. وليد الطبطبائي مقالا له مؤخرا، حمل عنوان (السرقة الثالثة الكبرى)، وألمح فيه إلى مخالفات جسيمة في الطريقة التي تم التعامل بها مع الأزمة الاقتصادية الخانقة التي ضربت الاقتصاد الكويتي لحد إنهاك الطبقة المتوسطة والفقيرة نسبيا في المجتمع الكويتي.
أما الخلاف الأكبر فجاء على خلفية الصفقة التي أبرمتها الحكومة مع شركة (داو كيميكال) (Dow Chemical) الأمريكية، مع شركة الصناعات البتروكيماوية التابعة لمؤسسة البترول الكويتية، والتي تردد أنها تعادل 17.2 مليار دولار، وأنها أبرمت لإنقاذ الشركة الأمريكية من الإفلاس، واعتبرها البعض "قبلة الحياة" للشركة العملاقة.
المشكلة أن موضوع الفساد ظل يهيمن على كل انتخابات كويتية، ويبقى سيفا مسلطا على الحكومة خلال عملها، ثم ينتهي الأمر باستقالة الحكومة وحل البرلمان دون حل فعلي وحقيقي للمشكلة الأصلية، أي التوافق حول دور البرلمان والسماح له بممارسة الرقابة على الحكومة، ومن ذلك سحب الثقة من الحكومة وإقالتها.
وقد هيمن هذا الملف –بجانب صفقات سلاح قيل إنها مجاملة لأمريكا وأوروبا- بشكل واسع على الحملات الانتخابية للبرلمانات السابقة وآخرها برلمان 2008، واتهم مرشحون معارضون الحكومة والمقربين منها بإدارة البلاد وكأنها شركة خاصة، ووجهوا لهم اتهامات بشراء الأصوات، وتنفيذ مشاريع ضارة بثروات الكويت، ومن ذلك ما قيل عن محاولات "قوى الفساد" الاستئثار بثروات الكويت النفطية التي ثار حولها جدل كبير في ظل تعاظم الفوائض المالية البترولية نتيجة ارتفاع أسعار النفط (بلغت 30 مليار دولار عام 2005، وتضاعفت عام 2006 وشهدت تدهورا عام 2008، وهناك دخل سنوي من النفط يبلغ 50 مليار دولار تقريبا).
ومن ذلك أيضا مسألة النفوذ الأمريكي في الكويت، والذي ينعكس على صفقات اقتصادية وعسكرية ونفقات ترهق صناديق الأجيال والثروة الكويتية، ومنها الصفقة الشهيرة التي وقعتها الكويت مؤخرا مع أمريكا عقب زيارة الرئيس السابق بوش في فبراير 2008، وتضمنت شراء 80 صاروخا باك-3 وباك-2 ومعدات الدعم الأرضية بقيمة 1.36 مليار دولار، دون حاجة لاستخدامه أو وجود إستراتيجية دفاعية لاستخدامه، حسب ما يقول المعارضون.
وتحدث بعض النواب عن أن الكويت الغنية جدا بالنفط تكبدت خسائر "بمليارات الدولارات" بسبب الفساد، عبر توزيع أراض تابعة للدولة بطريقة غير شرعية وعبر تلزيم بعض النافذين عقودا حكومية، حتى إن النائب المعارض أحمد السعدون اتهم الحكومة بتوزيع 141 مليون متر مربع من الأراضي العامة التي تقدر بـ "بمليارات الدولارات" "بطريقة غير شرعية".
أيضا أكد النائب الإسلامي ناصر الصانع، أنه تم إيقاف 18 ملفا مشبوها كانت تريد الحكومة تمريرها، منها شبهات سرقات بمئات الملايين من الدنانير، واتهم نواب آخرون ما أسموه "قوى الفساد" بالسعي إلى "الاستئثار" بالثروات النفطية في الكويت، وأشاروا بشكل خاص إلى مشروع لتطوير الحقول النفطية في شمال البلاد بقيمة 8.5 مليارات دولار، كما اتهم النائب المعارض مسلم البراك الحكومة بمنح 19 مرشحا مواليا في الانتخابات حوالي 12 مليون دينار (41 مليون دولار) من الأموال العامة لشراء أصوات، بسعر 12 ألف دولار للصوت الواحد.
وتكمن خطورة هذه الاتهامات في ارتباطها بوزراء في الحكومة ومسئولين في الأسرة الحاكمة، وظهور الأزمة كمعركة نفوذ بين البرلمان والحكومة والأسرة الحاكمة؛ مما يتطلب قدرا من التنازل المتبادل، وهو ما لا يحدث، فالقانون الكويتي يقول إن البرلمان لا يملك حق سحب الثقة من الحكومة بمجملها، ولكن يمكن وفق هذا القانون استجواب والتصويت على سحب الثقة من الوزراء كل على حدة كما حدث سابقا مع ثلاثة وزراء، ويمكنه استجواب رئيس الوزراء أيضا.
والمشكلة هنا أنه عندما يصل الأمر لحد الصدام -لو أعلن البرلمان "حالة عدم التعاون مع الحكومة كلها"- يدخل الجميع الدائرة المفرغة ويتعين على الأمير إما حل البرلمان أو إقالة الحكومة، وغالبا ما يحل البرلمان.
المشكلة ستظل بالتالي قائمة ما لم تحدث تغييرات هيكلية في النظام السياسي الكويتي وتطويره، بحيث يكون رئيس الوزراء من خارج الأسرة الحاكمة، وهي قضية سبق أن نوقشت ولم يتم حسمها.. أما المشكلة الأكبر فهي تغلغل النفوذ الأمريكي بصورة وبائية في الكويت منذ تحرير الكويت عام 1991 من الاحتلال العراقي.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|