English

 

السبت. مارس. 21, 2009

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » إيران

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

خامنئي وأوباما.. من الملاكمة إلى الشطرنج

محمود عبده علي

Image
علي خامنئي
لم يتأخر الرد الإيراني على رسالة الرئيس الأمريكي باراك أوباما -التي وجهها إلى الشعب الإيراني يوم الجمعة 20 مارس، ودعا فيها إلى "بداية جديدة" للعلاقات بين البلدين- كثيرا؛ فبعد يوم واحد على رسالة أوباما جاء رد مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي سريعا وقويا وحاسما، من خلال خطاب له بمناسبة عيد النيروز، السبت 21 مارس.

لم يقبل خامنئي الحوار مع واشنطن ولم يرفضه أيضا، بل ربط هذا الحوار بتغيير واشنطن لسياساتها تجاه إيران، قائلا: "إنهم يقدمون شعار التغيير لكن في الواقع لا يُشاهد أي تغيير.. نحن لم نر أي تغيير!".

 وحدد موقفه من الحوار بوضوح بالقول: إن التغيير في "الكلمات" من جانب الولايات المتحدة لا يكفي، وخاطب الأمريكيين قائلا: "تغيروا أنتم وسوف يتغير سلوكنا".

ولا يعتبر موقف خامنئي هذا بالجديد؛ فالمسئولون الإيرانيون كثيرا ما رددوا هذا الموقف كثيرا منذ إعلان أوباما نيته الحوار مع إيران؛ فقد رد الرئيس الإيراني أحمدي نجاد على إعلان أوباما نيته الحوار مع طهران، في حواره مع قناة العربية بالقول: "أولئك الذين يقولون إنهم يريدون التغيير.. فهذا هو التغيير الذي يجب أن يحدثوه، يجب أن يعتذروا للأمة الإيرانية، ويحاولوا إصلاح تاريخهم الأسود، والجرائم التي ارتكبوها في حق الأمة الإيرانية".

ونفس الموقف عبر عنه نائبه "علي أكبر جوانفكر" بالقول: "يمكن لأمريكا أن تمد يد الصداقة إلينا من خلال التغيير الجذري لسلوكها"، مضيفا أن "العقوبات غير المحدودة التي لا تزال قائمة، والتي جددتها الولايات المتحدة هي خطأ وينبغي مراجعتها".

لكن الجديد في خطاب خامنئي أنه ربما تكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ الجمهورية الإسلامية التي يتحدث فيها مرشد الجمهورية بهذه الصراحة والوضوح عن العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث كان بوسع خامنئي، كما فعل مرارا من قبل، أن يتجاهل الأمر تماما ويترك الرد للمسئولين الآخرين، أو أن يكتفي بمجرد إشارات دون حديث واضح عن العلاقة مع واشنطن، لكنه فضل أن يكون الرد الإيراني من قبله، ومزيلا لأي لبس.

حسابات إيرانية

يخطئ من يظن أن إيران متلهفة للحوار مع واشنطن، فمع أن هذا الحوار سيحقق لإيران العديد من المكاسب (من قبيل التخلي عن هدف الإطاحة بالنظام، والاعتراف بنفوذ إيران الإقليمي، والإفراج عن الأموال المجمدة، وإسقاط العقوبات المفروضة عليها)، إلا أن هناك العديد من الاعتبارات التي تفرض على إيران التفكير مليا قبل الرد بإيجابية على دعوة أوباما، ولعل هذه الاعتبارات هي ما تبرر موقف خامنئي المتردد بشأن الحوار مع واشنطن.

وتتمثل هذه الاعتبارات في:

أولا: الإرث التاريخي من العلاقات العدائية بين الطرفين:

فتاريخ العلاقات بين البلدين يطرح كثيرا من الشكوك حول إمكانية قبول الإيرانيين للحوار، فإيران الثورة لا تنسى للولايات المتحدة الأمريكية مشاركتها في الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء الدكتور محمد مصدق عام 1953، وذلك بعد أن وافق الرئيس الأمريكي آنذاك، أيزنهاور، على الانضمام إلى خطة بريطانية أطلق عليها "عملية أجاكس" هدفها إسقاط مصدق؛ ردا على قرارا الأخير بتأميم قطاع البترول.

وبناء على هذا القرار قامت عناصر من المخابرات المركزية الأمريكية بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية بدعم ومساندة انقلاب الجنرال فضل الله زاهدي، والذي أطاح بمصدق، وأعاد الشاه محمد رضا بهلوي إلى العرش.

ورغم أن الدكتور محمد مصدق كان ذا ميول قومية ليبرالية، بخلاف النخبة الحاكمة الحالية ذات الميول الدينية، فقد اكتسب السلوك الأمريكي دلالة رمزية كبيرة لدى النظام الحالي؛ إذ عزز من خشية رجال الدين من تدخل أمريكي مماثل يطيح بهم.

ولم يكن تطور العلاقات بين البلدين منذ قيام الثورة عام 1979 أحسن حالا من خبرة الإطاحة بمصدق، فنتيجة لقيام مسلحين إيرانيين في الرابع من نوفمبر 1979 باقتحام السفارة الأمريكية واحتجاز 90 رهينة (تم الإفراج عن بعضهم خلال الأسابيع الأولى من بداية الأزمة، بينما ظل 52 منهم محتجزين لمدة 444 يوما)، دخلت العلاقات بين البلدين حقبة طويلة من التأزم، ما زالت مستمرة حتى الوقت الحالي.

فمنذ منتصف الثمانينيات تعرض نظام الملالي في طهران إلى مجموعة من العقوبات الأمريكية الأحادية، شملت منع تصدير المعدات والتكنولوجيا المتقدمة إليها، وحظر صادرات النفط الإيراني إلى الولايات المتحدة، ثم أكملت الولايات المتحدة مسلسل عقوباتها بفرض حظر اقتصادي شامل على إيران عام 1995.

ومع إعلان الولايات المتحدة الأمريكية حربها على الإرهاب، بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، وتفجر الأزمة النووية الإيرانية أواخر عام 2002، وصل التوتر بين الجانبين إلى درجة غير مسبوقة؛ حيث وضعت إدارة بوش الابن إيران في قلب "محور الشر"، وكالت لها الاتهامات بدعم الإرهاب، والسعي لامتلاك أسلحة دمار شامل، وتقويض المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

وعملت الإدارة على إصدار ثلاثة قرارات من مجلس الأمن بفرض عقوبات على إيران، علاوة على العقوبات المنفردة التي فرضتها واشنطن أو الاتحاد الأوروبي بدعم أيضا من واشنطن، ولم يقتصر الأمر على هذا فقط، بل كثيرا ما لوح الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بالإطاحة بالنظام الإيراني حتى آخر يوم في فترته الرئاسية.

هذا الإرث التاريخي ولَّد لدى الإيرانيين الشعور بالتوجس تجاه نوايا الولايات المتحدة، وهو توجس ظهر واضحا في خطاب خامنئي، الذي جسد المظلومية التاريخية (وهي سمة للخطاب الإيراني بشكل خاص، والخطاب الشيعي بشكل عام) التي عانت منها إيران من قبل واشنطن.

وتحدث خامنئي عن أن الولايات المتحدة "عارضت الثورة الإسلامية منذ اللحظة الأولى بشكل عدائي، وقامت بتشجيع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على خوض الحرب مع إيران، وساعدت أعداء إيران، وما زالت تساعدهم حتى الآن".

علاوة على أن التهديدات الأمريكية بالحرب على طهران لم تتوقف، وإن كانت لا تخيف الشعب الإيراني، من وجهة نظره، واتهم خامنئي أيضا واشنطن بالاستمرار في تجميد الأرصدة الإيرانية بالولايات المتحدة التي أودعها النظام الإيراني السابق.

وربط خامنئي بين "تكفير" الولايات المتحدة عما ارتكبته في حق الشعب الإيراني، وبين قبوله بدعوة أوباما للحوار، قائلا: "الآن تقول الإدارة الأمريكية الجديدة: نود أن نتفاوض مع إيران، ودعونا ننسى الماضي.. هم يقولون إنهم يمدون يدا نحو إيران، فما نوع هذه اليد؟ إذا كانت اليد الممدودة مغطاة بقفاز مخملي لكن بداخله يد مصنوعة من الحديد الصلب، فإن هذا ليس له معنى جيد على الإطلاق".

ومن ثم يمكن القول إن هذا التوجس قد يحول دون بدء الحوار استنادا على مطالبة الإيرانيين بخطوات أمريكية قبل بدء الحوار من قبيل الإفراج عن الأموال المجمدة، وإيقاف دعم الحركات المتمردة في إيران، وهي خطوات قد لا ترضى واشنطن القيام بها دون مقابل، وحتى إن لم يمنع هذا التوجس إيران من الدخول في حوار مع واشنطن فسيظل عائقا كبيرا أمام الوصول إلى تفاهمات ثنائية واضحة ومحددة حول قضايا عديدة مشتركة.

ثانيا: الحفاظ على بقاء النظام الثوري:

فإيران الثورة قد بنت جزءا من شرعيتها الداخلية على أساس العداء لـ"قوى الاستكبار العالمي"، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، بل دخلت إيران في السنوات الأولى من ثورتها في صدام مع الولايات المتحدة الأمريكية، على خلفية أزمة الرهائن الأمريكيين الذين تم احتجازهم داخل السفارة الأمريكية في طهران بالتوافق مع رجال الدين.

وعلى مدار الأعوام الثلاثين الماضية كان العداء للولايات المتحدة هو السمة الأبرز في الخطاب السياسي الإيراني، وقام رجال الدين بتوظيف هذا العداء بذكاء شديد من أجل ترسيخ أقدامهم، وتثبيت شرعيتهم الثورية القائمة بصورة أساسية على وجود تهديد خارجي، يبيح إسكات أي معارضة داخلية.

ومن ثم فإن من شأن التوصل إلى صفقة مشتركة بين إيران والولايات المتحدة، يتم خلالها الاعتراف بدور إيران الإقليمي، أن يهز من شرعية النظام الحاكم في الداخل، ويفتح الباب أمام تحولات داخلية تكشف تناقضات الداخل الإيراني، وهي تحولات قد تطيح بحكم رجال الدين ليس من خلال عمل عسكري هذه المرة، ولكن من خلال "ثورة مخملية".

ولعل هذا ما دفع خبيرا في الشأن الإيراني إلى القول بأن التحدي الأكبر الذي يواجه إيران في الوقت الحالي "ليس فقط إثبات قدرتها على الصمود عن طريق لعب أوراقها الإقليمية، ولكن أيضا في قدرتها على الموازنة بين تحقيق تفاهمات مع واشنطن بخصوص جوارها الجغرافي، ودورها الإقليمي فيه، وفي الوقت نفسه حماية أركان دولتها الأيديولوجية من التغيير؛ إذ إن الوصول إلى تفاهمات طويلة المدى وعميقة الأثر مع القطب الدولي الوحيد، هو احتمال سيقود -إن حدث- إلى تغييرات متتالية في الخطاب الرسمي وشكل النظام السياسي؛ بحيث يكون صعود الشعارات القومية الإيرانية والمذهبية الشيعية إلى واجهة المشهد أحد تجلياتها". (د.مصطفى اللباد: حدائق الأحزان، ص 319).

ولا يبدو هذا السيناريو بعيدا عن أذهان المسئولين الإيرانيين؛ إذ اعتبر محمد علي جعفري قائد الحرس الثوري أن "التهديدات الناعمة" هي الأخطر على الجمهورية الإسلامية، قائلا: إن "التهديدات العسكرية ضد إيران لم تزل كليا، وإنما تغيرت طبيعتها إلى الشكل الناعم، والطابع الثقافي والسياسي والاقتصادي".

ثالثا: "القوة الناعمة" والسمعة القومية لإيران:

إن النفوذ الإقليمي الإيراني، شأنه شأن أي نفوذ إقليمي لأي دولة أخرى، ينبني على دعامتين:

 إحداهما: مادية (الموقع الجغرافي- الموارد الطبيعية- القدرات البشرية- القدرات العسكرية، ودوائر التحرك في مناطق متعددة مثل العراق ولبنان وفلسطين واليمن والخليج وغيرها).

والأخرى: معنوية (وهو ما يطلق عليه القوة الناعمة)، وهي قائمة على مناهضة إيران للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وتسويق نفسها كزعيمة لقوى الاستضعاف والممانعة في العالم.

 هذه المناهضة للولايات المتحدة أكسبت دور إيران الإقليمي زخما كبيرا، وتعاطفا واسعا لدى غالبية حركات الممانعة في الوطن العربي وبعض النخب العربية، وفي أوساط الشارع العربي أيضا.

وبالتالي فإن أي اتفاق إيراني مع الولايات المتحدة يتضمن تخلي طهران عن دعم "الحركات الإرهابية"، قد يضر كثيرا بسمعة إيران الإقليمية، ويحد بشكل ملحوظ من "قوتها الناعمة"، ومن ثم يفقد دورها الإقليمي جزءا كبيرا من الزخم الذي يتمتع به.

 وبذلك يصبح منطقيا التساؤل: هل تضحي إيران بهذه "السمعة الإقليمية" مقابل اتفاق مع طرف تتوجس كثيرا في دوافعه، وتاريخه في العلاقات معها غير مُطمئن؟

رابعا: العلاقة بين كل من إيران وإسرائيل:

ليس بوسع إيران الدخول في علاقة مع الولايات المتحدة في ظل لهجتها الحالية المتشددة تجاه إسرائيل (الكيان الصهيوني)، ودعمها الحالي لحركات المقاومة الفلسطينية.

ولا تجد إيران مخرجا من ذلك، كما يطرح البعض، بأن تتبنى موقفا مشابها للموقف الباكستاني أو الماليزي حيال تل أبيب، (أي دولة إسلامية غير عربية لا تعترف بإسرائيل وتنتقدها من حين لآخر، ولكنها تتجنب الدخول في مواجهة معها، ولا تتحداها مباشرة أو عبر وكلاء)؛ إذ يصعب تصور أن إيران، أحد دول إقليم الشرق الأوسط الرئيسية والمنخرطة حتى أذنيها في قضاياه، يمكن أن تتبنى موقف دول بعيدة جغرافيا، وحتى معنويا، عن هموم الشرق الأوسط.

بعبارة أخرى إن كان هذا الموقف مقبولا من كل من باكستان وماليزيا، بحكم بعدهما المادي (الجغرافي) والمعنوي (لا يلتفت أحد غالبا في الشارع العربي إلى موقف هاتين الدولتين) عن المنطقة، فإنه لن يكون مقبولا بأي حال من إيران التي ينظر إليها على أنها "زعيمة قوى الممانعة في المنطقة".

هل ستقبل إيران بالحوار؟

قد تقبل إيران بمبدأ الحوار مع الولايات المتحدة، لكنه من المستبعد، استنادا على الاعتبارات السابقة، أن يصل الأمر إلى عقد "صفقة كبرى" بين الطرفين، تتنازل فيها طهران عن طموحاتها النووية، وتكف عن دعم حركات المقاومة في لبنان وفلسطين، وتعمل بالتعاون مع واشنطن على تحقيق الاستقرار في كل من العراق وأفغانستان، مقابل تخلي واشنطن عن الإطاحة بالنظام الإيراني، وإسقاط العقوبات المفروضة عليه، والاعتراف بنفوذ إيران الإقليمي، وهي صفقة يحلو للكثير من المحللين استكشاف أبعادها ومعرفة ماذا سيقدم كل طرف للآخر.

ومن المرجح أن تتبنى إيران نوعا من "الانفتاح المحسوب" مع واشنطن، تغير من خلاله قواعد اللعبة  من "الملاكمة" إلى "الشطرنج"، حسب عبارة علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الإسلامي، مما يعني أن المواجهة بين الطرفين ستستمر، لكن بناء على قواعد جديدة، تجعل إمكانية التنسيق بينهما موجودة، لكن دون الوصول إلى تفاهمات شاملة لكل القضايا الخلافية.

ولا يتصور أحد أنه بين عشية وضحاها ستتحول الولايات المتحدة من "الشيطان الأكبر" إلى "حليف" لإيران الثورية، أو أن إيران ستعود مجددا للعب دور شرطي أمريكا الأول في المنطقة؛ فتحسن العلاقات بين الطرفين سيأخذ وقتا طويلا، ربما سنوات، والخبرة التاريخية الإيرانية في التعامل مع دول كانت تعاديها سابقا تدل على ذلك بوضوح.

فعودة علاقات إيران مع دول مثل السعودية وبريطانيا، بعد قطيعة استمرت طيلة السنوات الأولى من عمر الثورة قد استغرق وقتا طويلا، بل والأهم أن إيران كانت قادرة في الحالتين على إعادة العلاقات إلى مربع صفر.

وإذا أخذ في الاعتبار أن عداء إيران للولايات المتحدة لا يمكن مقارنته على الإطلاق بموقفها من كل من السعودية وبريطانيا، يصبح تصور تحسن العلاقة عن طريق بعض التصريحات هنا وهناك، أو حتى بعض الجلسات المتبادلة بين الطرفين نوعا من السذاجة السياسية؛ إذ إن إيران التي ظلت طيلة ثلاثين عاما، هي عمر ثورتها، تعلن عداءها للولايات المتحدة، بل وتستثمر هذا العداء بذكاء شديد لمد نفوذها الإقليمي، لن تتحول بهذه الصورة الجذرية وتقبل بالحوار مع الولايات المتحدة دون شروط مسبقة.


باحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات