English

 

الأحد. مارس. 22, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

فرنسا والناتو.. طموح قديم ونفوذ جديد

نبيل شبيب

Image
ساركوزي
من قبل وصول ساركوزي إلى منصب الرئاسة كان وما يزال طموح باريس قويا أن تستعيد فرنسا مكانة "الإمبراطورية الاستعمارية" القديمة، وأن يكون لها دور قوة دولية رئيسية على المسرح العالمي، وأن تخرج من عباءة الزعامة السياسية والأمنية الأمريكية عالميا والزعامة الاقتصادية والسياسية الألمانية أوروبيا.

وكان هذا الطموح أحد العوامل الحاسمة في معظم القرارات ذات البعد التاريخي في فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك قرار الرئيس الأمريكي الأسبق شارل ديجول بالخروج من البنية الهيكلية العسكرية لحلف شمال الأطلسي دون الخروج منه سياسيا، ويمكن القول بمثل ذلك الآن عن قرار العودة بفرنسا في عهد ساركوزي إلى تلك البنية العسكرية خلال السنوات الثلاث القادمة، بينما يمثل القرار نفسه بمنظور الحلف تعبيرًا مباشرًا عن ميل ميزان القوى فيه لصالح الدول الأوروبية الأعضاء تدريجيا.

الطموح العسكري الفرنسي

اقترن خروج فرنسا عسكريًّا من حلف شمال الأطلسي عام 1966م بتحقيق طموحها العسكري الأول عبر دخولها نادي الدول النووية، ولكن في الوقت الذي سعى فيه شارل ديجول آنذاك إلى الصعود بفرنسا إلى مرتبة متقدمة أوروبيا إلى جانب بريطانيا انطلاقًا من ربط الزعامة الأوروبية بالقوة العسكرية وتأثيرها السياسي دوليًّا، كانت الدولة الألمانية الغربية الناشئة حديثًا تعمل على استعادة عافيتها الاقتصادية وتخصص لذلك عائداتها المالية بدلا من إنفاقها على التسلح النووي المحظور عليها، وهو ما أسهم في تصدرها الدول الأوروبية تدريجيا، وبروز العامل الاقتصادي أكثر من العامل العسكري في زعامتها السياسية في "عهد السلام"، بعد الحقب التاريخية الحافلة بالحروب الأوروبية من قبل.

وبرغم المساعي الفرنسية الحثيثة والمبكرة نسبيا لدفع عجلة التعاون العسكري أوروبيا بغض النظر عن وجود حلف شمال الأطلسي، لم تكن قادرة على تغيير الكثير في حقبة الحرب الباردة والاستقطاب بين المعسكرين الكبيرين، وحاجة أوروبا الغربية آنذاك إلى المظلة النووية الوقائية الأمريكية كما كان يقال عنها في معرض تفسير الارتباطات الأوروبية بحلف شمال الأطلسي.

ومرة أخرى يظهر الطموح الفرنسي نحو الزعامة فور سقوط المعسكر الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفييتي، فكانت باريس في مقدمة من طرح الدعوات إلى تطوير "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا" بمشاركة الدول الشرقية، وبما يجعلها بديلا واقعيا عن حلف شمال الأطلسي بعد غياب العدو الشيوعي المستهدف وتفكيك حلف وارسو، على أنها لم تحصل آنذاك على أكثر من قمة احتفالية في العاصمة الفرنسية تدشن نهاية الحرب الباردة رسميا، وبقي وجود المنظمة المذكورة هامشيا نسبيا، بعد أن أدى من قبل دورا حاسما في سياسات الانفراج بين الشرق والغرب.

وتحولت فرنسا إلى بذل جهود حثيثة تحت عنوان التميز الأوروبي سياسيا وأمنيا عن الولايات المتحدة الأمريكية، فتكون أكثر من نواة عسكرية لهذا الغرض، كالفيلق الفرنسي الألماني، ثم القوة الأوروبية المشتركة، واتفاقات صناعة السلاح مع بريطانيا، إضافة إلى محاولة لم تسفر عن نتيجة ملموسة لإحياء ما يسمى "الاتحاد الدفاعي الأوروبي الغربي"، الذي كان قد تشكل قبل حلف شمال الأطلسي وجمد بعد تأسيسه.

حاجز الزعامة الانفرادية الأمريكية

أمام هذه الخلفية التاريخية يمكن القول إن التحرك الفرنسي الجديد يرتبط ارتباطا وثيقا بالمتغيرات على الخارطة الأمنية أو العسكرية أوروبيا وغربيا ودوليا في الآونة الأخيرة، وما أسفرت عنه "المغامرات العسكرية" الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن.

منذ أواخر الثمانينيات من القرن الميلادي العشرين، ومع ظهور جورباتشوف على المسرح السياسي السوفييتي آنذاك، لم تعد فرنسا تمتنع عن المشاركة في المهام العسكرية الأطلسية، بما في ذلك ما تجاوز حدود الدفاع عن المجال الجغرافي لدوله الأعضاء كما كان في البلقان، وقبل تثبيت هذا "التجاوز" رسميا في وثيقة تعديل مهام الحلف الأمنية في القمة الأطلسية الخمسينية في واشنطون عام 1999م، غير أن هذه المشاركة الفرنسية لم تفسح مجالا للإسهام المباشر في وضع المخططات والصيغ العسكرية الشمولية/ الإستراتيجية للحلف لغياب فرنسا عن هياكل قياداته العسكرية.

معالم تطلع واشنطون إلى زعامة انفرادية دولية بدأت بالظهور بوضوح في عهد بوش الأب، وازدادت بصورة ملحوظة في عهد خلفه كلينتون، وهو ما انعكس في إعادة تشكيل بنية القيادات العسكرية والسياسية دون الاستجابة لمطالب الأوروبيين بحصة أكبر من مواقعها الحساسة، كما أسهم إسهاما كبيرًا في إعطاء عجلة التميز الأوروبي عسكريا وسياسيا دفعة جديدة، بمشاركة تجاوزت نطاق المحور الفرنسي - الألماني، على أن فرض الزعامة الانفرادية بلغ مداه بعد وصول بوش الابن والمحافظين الجدد إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، فتبين سريعًا أن سياسة واشنطون لم تعد تراعي كثيرا مصالح حلفائها أنفسهم.

"أَوربة" حلف شمال الأطلسي

للوهلة الأولى يبدو التناقض كبيرًا بين سياسات الرئيس الفرنسي ساركوزي وسلفه شيراك وكلاهما من معسكر الديجوليين الجدد، ناهيك عن التناقض مع سياسات ديجول نفسه، إلا أن وضع الخطوات السياسية لكل منها في موضعها من متغيرات الخريطة الأوروبية والدولية، يزيل هذا التناقض سريعًا، فخروج ديجول من الحلف عسكريا كان من حصيلة معارضة تقليص دائرة السيادة الفرنسية على قراراتها السياسية دوليا، ويصرح رئيس الوزراء الحالي فيلون في المناقشة النيابية حول العودة إلى الحلف بوضوح فيقول: "لن تتلقى فرنسا أوامر من أحد، وعلاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية علاقات دولة حليفة وليس دولة تابعة، ولن تتصرف إلا وفق ما تمليه اقتناعاتها الذاتية"، ويمضي شوطًا أبعد في مقابلة إعلامية فيقول: إن قرار العودة إلى الحلف ينطوي على "أوربته، ومع ازدياد حجم مسئوليات الأوروبيين فيه يزيد حجم تأثيرهم على توجهاته".

ولا ريب أن باريس تستفيد من الوضع الراهن للحلف نفسه وهو يعاني من احتمالات هزيمة فاضحة في أفغانستان، ومن آثار التحرك الروسي دون رادع غربي لصالح أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا ضد جيورجيا، ومن النتائج السلبية المنتظرة للأزمة المالية الكبرى الحالية على نفقات تسلحه وتحركاته عسكريًّا، وجميع ذلك مرتبط بما أصاب الزعامة الانفرادية من "اهتراء" مع تحميلها المسئولية عن واقع الحلف وعن مستقبل العالم الغربي نفسه.

فرنسا تطرح من خلال عودتها إلى الحلف، وبتأييد ألماني علني لهذه الخطوة، "بديلا أوروبيا" لزعامته الأمريكية، وإن اتخذ ذلك في الوقت الحاضر عنوان "المشاركة"، وبتعبير آخر، كانت السياسة الفرنسية تركز على إيجاد بديل أوروبي خارج نطاق الحلف، وتركز في المرحلة الراهنة -وقد تكون بدورها انتقالية- على أن يكون هذا البديل داخل الحلف، على صعيد بنيته العسكرية، وقياداته، وصياغة سياساته الأمنية وتحركاته الدولية.

بين الطموح وتطلعات الهيمنة

لئن كان لساركوزي بالمقارنة مع أسلافه دور متميز في السياسة الفرنسية-الأطلسية، فهو أن الخطوة الجديدة المنبثقة عن خطوات سبقت عهده، يعطيها كما هو معروف عنه طابع البعد "الاحتفالي" التاريخي، ويرتبط بذلك توقيت الإعلان عن هذه الخطوة وتمريرها عبر مجلس الأمة الفرنسي؛ إذ يستبق بها الاحتفال المنتظر مطلع نيسان/ إبريل 2009م، بمرور ستين عاما على تأسيس حلف شمال الأطلسي، وسيكون -على النقيض من الاحتفال الخمسيني في واشنطون- على الأرض الأوروبية، وعلى وجه التحديد في بلدتين متجاورتين، فرنسية وألمانية، مع ما يحمل ذلك من معنى رمزي لازدياد مواقع الدول الأوروبية الأعضاء فيه، وما يعنيه ذلك مستقبلا.

وقد لا يتجاوز التحرك الفرنسي في الوقت الحاضر حدود العمل على محاولة تثبيت معالم مبدئية لسياسات أطلسية مستقبلية، من أبرزها الدعوة الفرنسية العلنية للعودة بالحلف إلى التركيز على المجال الجغرافي للدول الأعضاء فيه، وهو ما يمثل تمهيدًا لانسحاب مؤكد من أفغانستان، إنما لا يوجد في الموقف الفرنسي ما يشير إلى الرغبة في تعديل جديد لصياغة مهام الحلف، بعد التعديل السابق لها قبل عشرة أعوام، والتي أباح الحلف لنفسه من خلالها التحرك عالميا، كما يظهر من السياسة الفرنسية المتميزة غربيا عبر السنوات الماضية تجاه موسكو، انطلاقها من النظرة الشمولية للقارة الأوروبية بما يصل بها إلى أواسط آسيا، وتريد فرنسا الآن التأثير على سياسة الحلف باتجاه الحد من طموحات توسعه شرقًا، ولا سيما في مسألة ضم جيورجيا وأوكرانيا إليه، مشترطة لذلك اقترانه بالتفاهم المباشر مع موسكو.

ويبقى من التكهنات المرجحة التأكيد أن السياسة الفرنسية المنطوية على "أوربة" حلف شمال الأطلسي، تتكامل مع توجهات باريس الطموحة -إن لم نقل سياسات صراع نفوذ بين هيمنةٍ فرنسية وأوروبية متصاعدة وهيمنة أمريكية متراجعة- باتجاه العالم العربي والإسلامي، لا سيما في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، كما أصبح معروفا عن المشروع الأوروبي-المتوسطي، وعرف قبل عهد ساركوزي عن سلسلة مشاريع سابقة، كان منها على الصعيد العسكري تشكيل أكثر من قوة تدخل عسكري سريع، بمشاركة دول أوروبية أخرى.

من هنا تكتسب الخطوة الفرنسية بعدا إضافيا لا يستهان بشأنه بالمنظور العربي والإسلامي تجاه أوروبا وموقعها الجديد المتعاظم في حلف شمال الأطلسي.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات