|
| الإعلام جزء من الصراع السياسي في مصر |
في مارس 2009, بدأ الإعلام البديل كأنه طوفان يزحف نحو مؤسسات الإعلام القومي, وكانت البداية في كبرى مؤسساته وأكثرها التصاقا بالدولة وتعبيرا عنها وأكثرها تمثيلا لقوة الدولة المصرية وهيبتها ـ نعم: في هذه اللحظة, ظهر الإعلام البديل إلى مرحلة جديدة من مراحل تطوره, مرحلة أحس فيها بشيء من القوة والزهو, فأراد أن يجري بروفات ومناورات ميدانية لاختبار قوة الإعلام القومي ومعه قوة الدولة نفسها.
الإعلام البديل وتوجهاته وتمويله قصة طويلة ومعقدة من فصول الصراع السياسي في مصر وعلى مصر. وهو في ظاهره لا يعدو أن يكون أموالا سقطت بطرق غامضة ـ في أيد معينة ذهبت تؤسس صحفا وقنوات تليفزيونية, بتراخيص مصرية, وعمالة مصرية, وأسماء مصرية, هذه الأيدي قد تدرك خطورة التوجهات التي يفرضها التمويل, وقد لا تدركها وربما تدرك بعضها وتجهل أكثرها.
* دعونا نقترب من الصورة أكثر, دعونا نرفع ـ جزئياـ الستائر عن الاجتماعين التاليين:
الاجتماع الأول: في شتاء 2004, في غرفة مغلقة, رجل أعمال وصاحب صحيفة خاصة (إعلام بديل) يتحدث إلى مستمعيه:
"رأيت فيما يرى النائم, أنني أحتسي كأسا من خمر, ومعي (فلان) رئيس مؤسسة قومية كبرى (إعلام قومي) وكان يشرب كوبا من ماء...."
وكان المفسرون جاهزين: الإشارة واضحة سعادتك, مفهومة سيادتك, بشارة خير يافندم, واضحة مثل الشمس.
الاجتماع الثاني: خريف 2005, في مكتب رجل أعمال, صاحب صحيفة خاصة أخرى...
لم يكن الكلام عن رؤى وأحلام, ولم يكن تفسيرا مبهما ولا إشارة غامضة, كان الكلام صريح العبارة واضح الإشارة:
ـ صحيفتنا هي البديل عن الأهرام:
ـ ولكن هذا صعب سيادتك.
ـ لماذا صعب؟
ـ نحتاج إمكانات مالية مرعبة, ونحتاج إمكانات صحفية هائلة
ـ حاليا لا توجد مشكلة, وصحفيا سوف نجتذب كل المواهب الصحفية التي في الأهرام.
ـ يافندم هذا ممكن فقط بالنسبة لبعض الأجيال الشابة والوسيطة.
ـ بل والكبار قبلهم, سوف نستكتب ونتعاقد مع فلان وفلان وفلان وفلان, وذكر أسماء كل كتاب الأهرام, مع التشديد على كاتبين كبيرين بالذات
ـ يافندم اسمح لي سعادتك: هذا مستحيل هؤلاء الذين ذكرتهم من كتاب الأهرام, ارتبطوا بها كل عمرهم, وهي عندهم جنسية ودين ووطن وأم وأب وماض وحاضر ومستقبل واسم وسمعة ومكانة أدبية وعادة, صعب سيادتك صعب جدا كمان.
ـ سوف أعرض عليهم عروضا مالية لن يستطيعوا أن يرفضوها, وسوف أشترط عليهم ألا يكتبوا حرفا إلا عندنا وسوف يقبلون.
* الزحف على الدولة الوطنية, يبدأ بتقويض الإعلام القومي, وضرب الإعلام القومي يبدأ بالسطو على الأهرام, وسرقة الأهرام تبدأ بتفريغها من ثروتها البشرية ومواهبها الصحفية والإدارية والاعلانية.
وإذا استيقظت الأهرام ودافعت عن وجودها وثروتها وكنوزها وأبنائها تدخل الإعلام البديل ليخلق الفتنة, ويوسع الفجوة, ويصنع الاضطراب, ويغذي الأزمة, ويشق صف الأهرام, ويشعل النزاع بين إدارتها وأبنائها, وبين محرريها وعمالها حتى يضطرب دولاب العمل فيها, وحتى تتأثر صورتها لدى قرائها, وحتى يمكن النيل من هيبتها ووقارها... وليكن هذا هو أول الطريق...
ورغم ما بين بارونات الإعلام البديل من حزازات في الأنفس, ومنافسات في السوق, إلا أن وحدة التمويل ووحدة التوجهات تجمعهم كأصحاب منشأ موحد وكأصحاب مهمة مشتركة.
وجاءت أحداث الأسبوع الأول من مارس في الأهرام لتؤكد هذه الحقيقة؛ فقد احتشد الإعلام البديل ينشر التغطيات, وينشر المقالات, ويبث البرامج, وينفخ في الأزمة, ويتمنى ويخطط لينقلها في تطور تصاعدي من مرحلة إلى أخرى أعلى منها وأعتى وأشد. فالتغطيات الصحفية تكبر الأحداث التافهة بما يعطي الانطباع بوجود حرب أهلية, وتنشر المقالات التي تنطوي في بعضها على تجريح للزملاء وللمؤسسة وللإدارة، في انتهاك صارخ لأخلاقيات الزمالة والمهنة وقوانين العمل وتقاليد المؤسسات, ثم تأتي برامج تليفزيونية فضائية تمتلئ جرأة على الأهرام واستهتارا بالحد الأدنى من قواعد الالتزام والانضباط وذوق الحديث.
* الإعلام البديل.. ما هو؟
هو مفهوم, وأسلوب عمل سياسي يتجسد في مؤسسات إعلامية ناشئة, الرخصة مصرية, والعمالة مصرية, والقاريء مصري, والأرض مصرية. ولكنه يأتي انحيازا لمصادر التمويل بالدرجة الأولى, ويعمل مهتديا بأجندة من التوجهات مكتوبة بالحبر السري على أوراق التمويل ذاتها. فلم يحدث ولن يحدث أن تتجرأ وسيلة من وسائل الإعلام البديل وتقدم رواية واحدة صحيحة ومتماسكة لقصة نشأتها وللمراحل ـ تحت الأرض ـ التي سبقت مولدها.
ربما تسمع قصصا وحكاوي وثرثرة وفقرات وعبارات غير مكتملة وغير ذات أساس ولا تقف على قدم ولا تنهض على ساق ولا تنكشف للحوار ولا تصمد أمام تمحيص, وإنما هي روايات تستند على أساس ضعيف, فكان يتذكر أحدهم جدا قديما له كان يكتب في الصحف, ويتذكر أحدهم أن خاله كان صحفيا, أو أنه شخصيا ومنذ مولده ينام على حلم الصحافة ويصحو على عشقها. وسوى هذه الذكريات التي لا تعدو أن تكون أطيافا وأشباحا وأشباه معلومات, فلن تجد قصة قادرة على إقناعك بسبب إقدام هذا أو ذاك على تأسيس هذه الصحيفة أو تلك أو على تدشين هذه القناة أو تلك. وفي قلب هذا الغموض المقصود, تسكن الحقيقة الغائبة, وترقد النوايا المبيتة, وتتخفى الخطط المجهزة.
وحول هذا الغموض المقصود, يلتف أصحاب الغرض مثلما يلتف أبرياء يبحثون عن فرصة عمل مشروع أو لقمة عيش نظيفة, ويتهافت من تقودهم الانتهازية الرخيصة ومن يحدوهم الطموح المشروع. ويلتقي عليه أصحاب الأجندات المشبوهة مع أصحاب النوايا الحسنة.
وهكذا يؤدي الغموض المقصود, إلى حالة من خلط الأوراق هي الأخرى مقصودة, وكل من الغموض والخلط يخلقان ساترا من ضباب, هو البيئة المناسبة, حتى ينمو ويكبر تحتها الإعلام البديل, وحتى يحقق أهدافه النهائية. وهي ـ يقينا ـ ليست أهدافا صحفية, وإن اتخذت شكل العمل الصحفي. وليست أهدافا إصلاحية, وإن استعملت أبجديات الإصلاح وحروفه وكلماته.
الإعلام البديل: حيلة اهتدت إليها قوى إقليمية ودولية ذات مصالح وأغراض. وهو جزء من سلة أدوات, وحزمة إجراءات, لجأت إليها هذه القوى, منذ خرجت منتصرة من الحرب الباردة, بسقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية, فالإعلام البديل: جزء من إستراتيجية كونية وإقليمية تستهدف ـ ضمن ما تستهدف ـ تفكيك ركائز النظام الوطني في مصر, وإعادة تركيبه على ركائز جديدة, بما يعني تطويعه في الإطار الذي ترسمه هذه الإستراتيجية, ليحقق أهدافها الثابت منها والمتغير, المقبول منها وغير المقبول, ما يتوافق منها مع مصالح المصريين وما لا يتوافق.
الإعلام البديل: هو رأس حربة ناعمة, وهو حيلة ماكرة, يصعب عليك مواجهته, ليس فقط لغموض التمويل وتلون التوجهات, وإنما لأنه يرتدي لباس الصحافة بما تعنيه من قداسة. فالمساس به ـ سوف يظهر في عيون الناس ـ مساسا بما لا يجوز المساس به هو المبدأ المقدس لدى كل الإنسانية المتحضرة وهو مبدأ حرية الصحافة.
الإعلام البديل: الهدف منه هو نزع الوظيفة الإعلامية من يد الدولة, وهو الخصخصة المضادة لخصخصة الإعلام القومي أو هو الخصخصة البديلة, لأن الإستراتيجية الكونية ومصالحها تريد أن تنتزع من الدولة ثلاثا من ركائزها العتيدة: البنوك العامة, والقطاع العام, والإعلام القومي, بما يكفي لعزل النظام الوطني عن قواعده الشعبية, وبما يكفي للاستفراد به بعيدا عن الدعم الجماهيري.
* أزمة مارس 2009, تم اصطناعها, في صالة التحرير, ثم في بهو الأهرام, بتمهيد سابق ومواز ولاحق, على صفحات وشاشات الإعلام البديل, في أول محاولة نصف مكشوفة منه للسعي نحو الكشف عن وجههه وعن توجهاته.
في خريف 2004, دخل العضو المنتدب لصحيفة خاصة, وهو ذو علاقة لا يخفيها في التعاطف مع اسرائيل وأمريكا, دخل مكتب رئيس التحرير وألقى على الترابيزة عدة ورقات وقال: أرجو نشر هذه في الصفحة الأولى باسم أسرة التحرير.
رئيس التحرير قرأها ورد بأن هذه إما أنها كتبت بقلم وزير التجارة الإسرائيلي وكان آنذاك إيهود أولمرت وهو الآن رئيس الوزراء المنتهية ولايته, وإما أنها كتبت بقلم المفوض التجاري الأمريكي وكان وقتها روبرت زوليك وهو الآن رئيس البنك الدولي.
ورد العضو المنتدب باستنكار: أنا مش فاهم
وأجاب رئيس التحرير: نشرها يسيء إلى صورة الصحيفة, ويؤكد الإشاعات التي تدور حول تمويلها وتوجهاتها وحولك أنت شخصيا.
ورد العضو المنتدب: إحنا بصراحة عايزين نكشف عن وجهنا الحقيقي.
فكانت صاعقة نزلت على رئيس التحرير.
* الإعلام البديل: مدفوع لأن يكشف عن وجهه, ومأمور أو مكلف بأن يضرب الإعلام القومي.. يضربه من الداخل ومن الخارج معا... يضربه ولو بأيدي أبنائه الذين يعملون في الإعلام البديل دون أن يعلموا حقيقته.
ليست المشكلة, في قرار يمنع أبناء الأهرام من العمل في الإعلام البديل أو في غيره.
إنما المشكلة الجوهرية, هي أن الاعلام البديل, إنما تأسس وهو يستهدف الأهرام بالدرجة الأولى. وحلمه النهائي الاستحواذ على قرائها وكتابها معا. بما يعني الاستحواذ على رسالتها الإعلامية والحضارية والوطنية والسياسية. وبما يعني التأسيس لرسالة إعلامية مختلفة تعكس توجهات الإعلام البديل.
* والسؤال الآن:
ما هو الوجه الحقيقي للإعلام البديل؟
ما هي التوجهات المكلف بها؟
وكيف نفك طلاسم وألغاز الحبر السري الذي يطبع هذه التوجهات على ظهر أوراق التمويل الغامض؟
يمكن تقسيم هذه التوجهات إلى مجموعات رئيسية:
أولا: التوجهات السياسية: التشويش على نظام الحكم, مع محاولة دفعه إلى موضع الدفاع الدائم عن النفس, والتأثير السلبي على مصداقيته لدى القاعدة الشعبية الواسعة, واختطاف أبصار وأسماع وعقول المشاهدين والمستمعين والقراء بعيدا عن الخطاب السياسي للنظام.
مع خلق نخب سياسية بديلة والترويج لها, وتشجيع الحركات السياسية العشوائية, والترويج للقوى السياسية غير المشروعة, وخلق حالة من الفوضى بتكبير المغامرين السياسيين, وتضخيم حالات الاعتصام والاحتجاج العمالي وإضفاء طابع سياسي وعصياني عليها, ووضعها في حالة مواجهة مزمنة مع مؤسسات الدولة.
ثانيا: التوجهات الإعلامية: تفريغ المؤسسات القومية من أصولها, وتجريدها من مواهبها, واقتطاع المزيد من جمهورها, ومحاولة إخراجها من سوق المنافسة على الأمد الطويل. وذلك باجتذاب الصحفيين, وتوفير دخول مالية سخية, تدريبهم وتسفيرهم إلى عواصم التمويل, وفتح الخطوط بينهم وبين سفارات التمويل, والتقريب بينهم وبين مجتمع المال والأعمال بما يكفل سيطرة المال على القرار الإعلامي, وخلق نجوم سريعة ممن يلبي وممن يستجيب ويشارك في طرح الأجندة التي تتظاهر بالانحياز لقضايا الناس، وتحت هذا الانحياز تتولى تنفيذ أكبر عملية سطو على ذاكرة الناس وعقولهم وقلوبهم والاتجاه بهم نحو كل ما يدعو إلى الشك في مجمل الثوابت الوطنية.
ثالثا: التوجهات الاجتماعية: تدعيم الاتجاهات الفوضوية, وخلق حالة من العدمية الهدامة التي تنسف الاعتقاد في كل شئ وتنسف الاحترام لأي قيمة والنبش فيما يسمونه خصوصيات الأقليات والعزف الدائم على أوتارها وتركيز التغطية الإخبارية الموسعة عليها بما ينزع أحاسيس الأمان والدفء القومي والانسجام بين كافة عناصر الملحمة الوطنية, وبما يزرع العداء بين شرائح معينة ضد مجموع الدولة والأمة.
رابعا: التوجهات الدولية: مع الاعتراف بأن القائمين على الاعلام البديل, لديهم جهل فاضح بالشئون الدولية, فإنهم ـ بسذاجة وفي حدود الفهم ـ ينفذون التوجهات المكلفين بها في هذا الشأن الدولي أو ذاك. وأرجوك وأرجوك وأرجوك اقرأ السطور التالية بعناية:
صحيفة خاصة من صحف الإعلام البديل, كانت قد عينت أحد الزملاء لمنصب رئيس التحرير قبل أن تصدر الجريدة, ثم بعد ستة أشهر, وهو يعد الأعداد التجريبية, قرروا الاستغناء عنه كرئيس للتحرير. ولما سئل العضو المنتدب الذي كان وراء ذاك القرار عن سبب إعفاء الزميل قبل إصدار العدد الأول من الصحيفة مما ترتب عليه تأخير صدورها لما يقترب من عام, أجاب العضو المنتدب بصراحة شديدة: أنا سألته: ماهي تغطيتك المتوقعة لأخبار وقضايا الصراع العربي ـ الاسرائيلي؟ فأجابني أنا ملتزم بالموقف الوطني, فقررت الاستغناء عنه لأنه لا ينفعنا, وقررنا الاكتفاء به كاتب عمود فقط.
أكتفي بهذه الواقعة, واحتفظ بالعشرات, لأسجل أن صحفيا كبيرا بحجم هذا الزميل المحترم عاش ومات وهو لا يعلم سبب إبعاده من رئاسة تحرير إحدى صحف الاعلام البديل. ولأسجل للتاريخ موقفا مشرفا ـ لا يعرفه أحد ـ يضاف إلى مواقف الزميل.
وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت, تعمدت في يوم واحد زيارة مركز ابن خلدون, حزب الغد, صحيفة خاصة, وكانت زيارتها للصحيفة بمثابة الافتتاح الرسمي وقص الشريط ومنحها صك الاعتماد والقبول.
الرئيس السابق بوش استقبل في البيت الأبيض العضو المنتدب لصحيفة خاصة, وأعطى حوارا مع قناة خاصة.
صحيفة أخرى, من صحف الاعلام البديل, كانت تنوي أن تدشن إصدارها في يوم تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد, وسعت للحصول على حوار معه يكون فاتحة الكتاب ووثيقة القران السعيد.
خامسا التوجهات الثقافية: أكتفي بنموذج واحد, صاحب صحيفة من صحافة الإعلام البديل, أخذ يلح ويشدد على رئيس التحرير أن يعتمد المفكر الإسلامي فلان من ثوابت الصحيفة, وطلب إلقاء الضوء على مؤلفاته, وإجراء حوارات معه. وتوالت المفاجآت كالتالي: مؤسسة فورد الأمريكية تتطوع من نفسها وترسل إلى رئيس التحرير كرتونة كبيرة بها كل مؤلفات هذا المفكر. ومع الكرتونة كارت شخصي من المسئولة في فورد.
طبعا رئيس التحرير لم يتصل بهم ولم يطلب منهم هذه الكرتونة, والأعجب أن المفكر الإسلامي نفسه لم يكن على علم بهذه الواقعة.
والعجيب أن هذه المسئولة ظهرت إلى العلن وتكتب الآن مقالا أسبوعيا في إحدى صحف الإعلام البديل.
قناة تليفزيونية من الاعلام البديل, دخلت على خط المهمة, وأعدت وأذاعت حوارات منتظمة مع المفكر الإسلامي. هي نفسها التي كان قد طلبها رجل الأعمال من رئيس التحرير.
صحيفة أخرى من صحف الإعلام البديل, وهي تتفق مع أحد الكتاب ليكتب فيها. كان الرجاء هو أن يخصص بعض المقالات لإلقاء الأضواء على فتاوى هذا المفكر.
صحيفة ثالثة من صحف الإعلام البديل ذهبت تنافس أخواتها في نشر ما قالت أنه مذكرات المفكر الإسلامي.
ثلاث صحف وقناة تتسابق لأداء مهمة واحدة, والترويج لشخص واحد, أقطع جازما أنهم جميعا ما كان ليعيروه أدنى إهتمام لولا أنه موصي عليه في قائمة التوجهات المكتوبة بالحبر السري على ظهر أوراق التمويل.
وفي رمضان الماضي, عادت ابنتي من الجامعة, وقالت معنا شباب يدخنون السجائر في وقت الصيام. فقلت لنفسي: إذن الإعلام البديل بدأ يؤدي الغرض من تأسيسه.
* الإعلام البديل, هو أحد الوجوه الناعمة, لظاهرة الاختراق الخارجي, التي اتخذت وتتخذ أشكالا عديدة, على امتداد القرنين الأخيرين, اللذين شهدا ميلاد الدولة الوطنية الحديثة في مصر, على يد الجيش الوطني الحديث الذي أسسه محمد علي، ورسم به قوة مصر ونفوذها الإقليمي وحضورها الدولي, وهو ما أعادت تأكيده ثورة يوليو 1952 حين بادرت هذه المؤسسة الوطنية بتصويب مسار الدولة المصرية وأعادت رسم الحدود لنفوذها الإقليمي وحضورها الدولي.
وفي المرتين, كانت الأمور تجري على غير هوى الإستراتيجيات الدولية, التي تريد أن تتولى هي ـ بنفسها ـ رسم حدود النفوذ المصري إقليميا ودوليا.
في هذا السياق, يأتي دور الإعلام البديل, وسعيه لتهميش الإعلام القومي, حتى يتمكن الأول من تنفيذ توجهاته وإملاء أجنداته, التي تستهدف ـ بصورة نهائية ـ تفكيك ركائز الدولة الوطنية من بنوك, وإعلام, وقطاع عام, واندماج قومي, وصولا إلى قلب النظام الحديث، أي إلى مكمن القوة الصلبة التي أنجزت استقلال مصر عن كل أشكال الوجود الأجنبي على ترابها الوطني مرة بالثورة, وثانية بالحرب, وثالثة بالتفاوض. هذه القوة الصلبة هي حامية الاستمرار والاستقرار, وهي حافظة الاستقلال والإرادة, وهي الحارسة للدولة والأمة, وقد تعاقب عليها آباء الاستقلال الوطني نجيب وناصر والسادات ومبارك. وتتوالى مسيرة الاستقلال مهما كانت الأجندات, ومهما كان التمويل والتوجهات.
كاتب صحفي ومحلل سياسي مصري.
*مقال نشر بجريدة الأهرام المسائي، 17/3/2009.
|