|
أعلاف بأسعار منخفضة وانخفاض بتكاليف النقل.. مبرران كافيان لانخفاض أسعار الدواجن بالسوق المصرية.. ولكن ما يحدث على أرض الواقع أن الأسعار تسير عكس التيار رافضة كل هذه المبررات متخذه من ذريعة ارتفاع أسعار "الكتكوت"، مبررًا لها.
وفي ظل غياب آليات الرقابة يفعل التجار ما يشاءون، والمستهلك مغلوب على أمره لا تسنده سوى بعض جمعيات حماية المستهلك، التي لا تملك أي آليات تمكنها من أداء دورها سوى الكلام، والحكومة تسمع بالأذن اليمنى وتخرج الكلام من الأذن اليسرى.
أصل المشكلة كما تقول سعاد الديب رئيس الجمعية الإعلامية لحماية المستهلك أن صناعة الدواجن كغيرها من الصناعات في مصر تعاني من الاحتكار حتى بعد فتح باب الاستيراد، مما يجعل قلة هي المتحكمة في السوق ترفع السعر بعد الاتفاق بينها.
ولا يزيد عدد هذه الشركات على خمسة قاموا مؤخرا برفع سعر الكتكوت من 1.5 إلى 5 جنيهات، واتخذوا من ذلك ذريعة لرفع سعر كيلو اللحوم البيضاء، ليصل ما بين 13 إلى 15 جنيها للكيلو الحي، و19 إلى 22 جنيها للمذبوح، وتعدى سعر الدواجن البلدي 20 جنيها للكيلو.
ولا ترى سعاد الديب وجود أي مبرر لهذا الارتفاع، مستبعدة إمكانية تبني حملة لاستخدام أسلوب المقاطعة لإجبار التجار على تخفيض السعر، وتقول: "فكرنا أن ندشن حملة تدعو لذلك، ولكن تراجعنا لسببين، الأول أن الشعب المصري شعب استهلاكي يفتقد ثقافة المقاطعة لمقاومة احتكار السلع، والثاني أن الدواجن برغم ارتفاع أسعارها لا تزال البديل الأرخص من اللحوم الحمراء".
الكتكوت بريء
ويرفض عبد العزيز السيد رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية تحميل ارتفاع سعر الكتكوت المسئولية عن الارتفاع في الأسعار، ويلقي باللوم على المربين، مشيرا إلى قيام عدد منهم بذبح كميات كبيرة من الدواجن خلال أزمة إنفلونزا الطيور الأخيرة وتخزينها للاستفادة من فارق الأسعار بعد الأزمة.
ويتوقع عبد العزيز تراجعًا طفيفًا في الأسعار الفترة القادمة بعد زيادة الإنتاج، خاصة أن صغار المربين الذين خرجوا من السوق عقب أزمة إنفلونزا الطيور عادوا من جديد.
وعن دور الحكومة في الحد من ارتفاع الأسعار، استبعد الدكتور توفيق شلبي رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية بوزارة الزراعة قيامها بأي دور قائلا: "ليس لدينا آلية للتدخل في تحديد أسعار اللحوم والدواجن فالسوق هي التي تحدد".
وأرجع د.شلبي ارتفاع الأسعار لسببين هما: وجود وسطاء يتحكمون في فرق السعر بين المزرعة والمستهلك، وثانيا وجود مخزون من الأعلاف بالسعر القديم قبل انخفاضه.
وتوقع انخفاض أسعار اللحوم والدواجن بعد ثلاث أشهر من الآن بعد استقرار العلف على السعر الجديد، وهو ما ينفيه خالد أبو إسماعيل رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية سابقا وأحد مستوردي الدواجن، مشيرا إلى أن الأعلاف ليست وحدها المحدد لأسعار الدواجن، وقال: "أتوقع ثباتًا لا هبوطًا للأسعار".
معاملة تجار المخدرات
ويحمل أصحاب محلات بيع الطيور الحكومة المسئولية، مشيرين إلى أنها لم تدر أزمة إنفلونزا الطيور بحكمة، حيث أغلقت البلدية محلات الطيور ومنعت نقلها حية من المزرعة للتجار، مما جعلنا نقوم بالحيل والألاعيب لتهريبها وإخفائها عن أعين رجال البلدية الذين يقومون بمصادرتها والقبض على التجار أحيانا، كل هذا تطلب مصروفات وأعباء مالية جديدة تحملها المستهلك في النهاية.
ويضحك محمود عبد العزيز صاحب محل لبيع الطيور ساخرًا من هذه الملاحقة، ويقول: "كنا نعامل معاملة تجار المخدرات والمواد المهربة".
ويضيف: "كانت فترة صعبة على تجار الطيور تسببت في خروج الصغار منهم، أما كبار التجار فخسروا كثيرا؛ وهو ما جعلهم يحاولون اليوم تعويض خسارتهم بعد أن استقرت السوق تدريجيا".
هذه الملاحقة كانت تسير جنبا إلى جنب مع قيام أصحاب المزارع أنفسهم بإعدام أمهات الدواجن خوفا من مرض إنفلونزا الطيور، وهو ما سبب بحسب صبري فاروق صاحب مزارع دواجن مشكلة في توفير الكتاكيت عمر يوم والتي ارتفع سعرها من 150 قرشا إلى 570 قرشا، وهذا هو سبب ارتفاع الأسعار، والحل من وجهة نظره هو فتح باب استيراد الكتاكيت.
هذا بخلاف العجز الحاد في عدد المجازر، وهي مشكلة أظهرتها أزمة إنفلونزا الطيور -أيضا-، فقديما كان إقبال المستهلك على شراء الدواجن حية، ولكن بعد أزمة إنفلونزا الطيور تحول الاتجاه إلى شراء المذبوحة.
وهو ما أدى -كما يشير صبري- إلى عجز المجازر الموجودة عن تلبية الطلب اليومي على الدواجن.
لست مسئولا
ويرفض اللواء عبد الغفار يوسف المدير التنفيذي لبورصة الدواجن المصرية كل هذه المبررات، مشيرا إلى أن سعر الدواجن انخفض بالفعل 30% عن سعرها في الفترة الأخيرة، وهو انخفاض مناسب حتى لا يخسر المربون، وأوضح أن السعر مستقرة الآن عند 9.5 جنيهات لكيلو الدواجن الحي بعد أن تعدت 11 جنيها، و13.75 جنيها للمذبوح بعد أن كانت 16 جنيها.
وقال اللواء يوسف: "هذا سعرها عند خروجها من المزارع، وأنا غير مسئول عن أي زيادة في الأسعار حتى تصل للمستهلك".
تسعيرة جبرية
كلام رئيس بورصة الدواجن يشير إلى خلل في المراحل الوسيطة حتى تصل الدجاجة إلى المستهلك، والحل في رأي محمود العسقلاني رئيس حركة "مواطنون ضد الغلاء"، هو تفعيل المادة 10 من القانون 3 لسنة 2005 والخاص بمنع المنافسة والممارسات الاحتكارية والتي تجيز لرئيس الوزراء فرض تسعيرة جبرية للسلع التي بها احتكار.
ويعتبر العسقلاني ما يقوم به التجار هدما للنظام الاقتصادي والاجتماعي والأمني للشعب المصري، ويقول: "نحن مع التربح، ولكن أن تصل الأرباح إلى 150 و200 % فهذه ليست تجارة وإنما تخريب".
وعن دور منظمات المجتمع المدني، رفض العسقلاني الاتهام بأنها لا تفعل شيئا، وقال: "نحن كمنظمات مجتمع مدني لا نملك الآليات والأدوات التي نستطيع من خلالها أن نقف في وجه الاحتكار".
وحمل العسقلاني الدولة مسئولية هذه المهمة، مشيرا إلى ضرورة اضطلاعها بدورها في ضبط السوق ومنع الاحتكار.
ما بأيدينا حيلة
الكل إذن يتبرأ من المسئولية، ومنظمات المجتمع المدني تقول: "نحن بلا أنياب"، والحكومة "أذن من طين وأخرى من عجين"، والخاسر الوحيد هو المستهلك، الذي لا يملك أمام هذه السلعة المهمة سوى رفع شعار "ما باليد حيلة".
وتقول عايدة عبد السلام -موظفة-: "لا نملك إلا شراءها.. لا تزال برغم ارتفاع أسعارها هي البديل الأرخص".
وتضيف سنية السيد: "إلا الدواجن"، موضحة أنه في وقت اشتداد أزمة إنفلونزا الطيور لم نستطع التخلي عنها.
أما أم محمود موسى، فأشارت إلى أن أولادها يحبون الدواجن عن اللحوم، وقالت: "مهما ارتفع ثمنها سأضطر إلى شرائها".
ويعول هؤلاء المستهلكون على الحكومة آمالا كبيرة في اتخاذها خطوات حاسمة لحل المشكلة، فهل تنصفهم الحكومة، أم تنصف بصمتها التجار؟
صحفية مهتمة بالشأن الاقتصادي والتنموي، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني الخاص بنطاق نماء: namaa@islamonline.net
|