English

 

الأربعاء. مارس. 11, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » السودان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

البشير.. من ثورة الإنقاذ إلى مصيدة دارفور

محمد جمال عرفة

Image
الرئيس السوداني عمر البشير
عندما دخلت القصر الرئاسي لمقابلة الرئيس السوداني عمر البشير لأول مرة لإجراء حوار صحفي معه، وذلك بعد ثلاثة أعوام من توليه السلطة في السودان، كنت استشعر الرهبة لأني في حضرة رئيس دولة وأتعثر في خطواتي خشية أن أفسد بروتوكول اللقاءات الرئاسية.

وتوقعت الأسوأ عندما يدخل الرئيس للقائي، ولكن بساطة المكان وتواضعه وبساطة البشير نفسه أذهبت كل هذه الرهبة. ومع توالي الأسئلة وحديث "البشير"، وجدت أنني أمام إنسان بسيط للغاية مثل كل أهل السودان لا يتكلف ولا يفتخر بلباسه أو بمسكنه وتغلف البساطة كل شيء في حياته!.

لا يفتقر إلى الكاريزما القيادية الطبيعية، ومع هذا فهو اجتماعي رقيق القلب يبكي سريعا تأثرا بأحوال الفقراء أو اليتامى، ولا يفقد مع هذا روح الدعابة، وإن كان ينفعل في بعض الأحيان عند الشعور بالظلم، وهو ما ظهر عليه في خطبه عقب قرار الجنائية الدولية بتوقيفه.

هذه البساطة هي ذاتها التي تدفع البشير لحضور أفراح أو جنازات العديد من الشخصيات العامة والخاصة في السودان بلا تكلف أو حراسة مكثفة والجلوس للحديث مع خصوم الأمس من الأحزاب والقوى السياسية بلا مظاهر مبالغ فيها، وهي أيضا التي تجعله يخرج في سيارة مكشوفة لتحية الجماهير والوقوف وسطهم دون خوف - ولو في دارفور نفسها - عقب صدور حكم المحكمة الجنائية الأخير بحقه.

"إخواني" لأب "اتحادي"

ولد البشير في الأول من يناير عام 1944 في قرية "حوش بانقا" في ريف مدينة "شندي" إلى الشمال من الخرطوم، لأب مزارع صغير وأم أمية.

كان والده من أتباع طائفة الختمية ومن أنصار الحزب الاتحادي الديمقراطي، ولكن عمر البشير اختار طريقا مختلفا جذريا عن والده وانضم إلى تنظيم الإخوان المسلمين في سن مبكرة جدا؛ فأضحى منتميا للحركة الإسلامية السودانية ولا زال طالبا بالمرحلة الثانوية.

وشق البشير طريقه الدراسي وحياته الخاصة حتى التحق بالأكاديمية العسكرية بالسودان، وتخرج فيها في عام 1966، ليعمل ضابطا بالجيش، ويترقى بداخله حتى وصل إلى رتبة لواء.

وقد شارك إلى جانب الجيش المصري في حرب أكتوبر عام ١٩٧٣ ضمن كتيبة سودانية،  وخلال تدرجه في السلك العسكري نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية بكلية القادة والأركان في عام 1981، وحصل كذلك على ماجستير العلوم العسكرية من دولة ماليزيا في 1983، ثم نال زمالة أكاديمية السودان للعلوم الإدارية في عام 1987. وأصبح البشير قائدا للواء الثامن مشاة خلال الفترة من 1987 إلى 30 يونيو 1989.

وخلال عمله العسكري، قاد البشير اللواء الثامن في الجيش السوداني المرابط في الجنوب، في خضم حرب شرسة مع قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون قرنق، وكان حانقا على عدم اهتمام الأحزاب السودانية المتصارعة بأحوال الجيش في الجنوب وعدم توفير العتاد اللازم له، ولذلك تشابه موقفه مع موقف الضباط الأحرار في مصر الذين عادوا من حرب فلسطين عام 1948 حانقين على القيادة السياسية والقصر الملكي وقادوا انقلابا تحول لثورة شعبية.

هذه الخبرة العسكرية ربما كانت أحد العوامل التي دفعت البشير في يونيو عام 1989 إلى انقلاب مع عدد من الضباط من ذوي الميول الإسلامية، أطاح بالحكومة المدنية المنتخبة ديمقراطيا لرئيس الوزراء السابق الصادق المهدي، وحصل هذا الانقلاب على دعم "الجبهة الإسلامية الوطنية" التي كان يتزعمها حليفه حسن الترابي، وحظي بشعبية بعد إنجازته في حرب الجنوب.

وقد عبر البشير عن هذا في بيانه الأول لثورة الإنقاذ عام 1989 حين قال: "إن الانقلاب تم لإنقاذ البلاد من أحزاب سياسية فاسدة.. الثورة جاءت لصالح التغيير بعد المعاناة والتدهور الذي شمل كل شيء إلى حد أن أصبحت حياتكم مصابة بالشلل".

والحقيقة أن هناك من اعتبر انقلاب البشير وصحبه نوعا من الاحتجاج والإجهاض لتوقيع معاهدة سلام مع جون قرنق زعيم الحركة الشعبية كانت متوقعة في يوليو 1989، ولكن قادة "الإنقاذ" اعتبروها اتفاقية مجحفة لأن الجنوبيين كانوا في وضع عسكري أفضل، وأنه عندما تحسنت المعادلة السياسية لصالح الخرطوم جرى توقيع الاتفاق النهائي في عام 2005.

من الجيش إلى القصر

وقد كانت نقطة التحول من العمل العسكري للعمل السياسي هي تولى البشير منصب رئيس مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني من 1 يوليو 1989 إلى 16 أكتوبر 1993، إذ بعد استتباب الأمن والنظام لحكم "الإنقاذ" في عام 1993، قام البشير بحل المجلس العسكري الذي جاء به إلى الحكم، ونصب نفسه رئيسا مدنيا في خطوة هدفت إلى إقامة حكومة إسلامية مستقرة على أسس مدنية.
 
تسلم البشير السلطة في البداية مدعوما من حسن الترابي، وذلك من خلال مجلس قيادة الثورة،  وشكلا "حكومة الخلاص الوطني" المكونة من ضباط شبان. واتخذ نظامه منحى إسلاميا، وركز على الحرب في الجنوب ووفر دعما جيدا للجيش هناك، وكان أخوه أخوه الطبيب عثمان البشير قد استشهد في أحراش جنوب السودان.

وكان البشير قد شكل بالتعاون مع الترابي ميليشيات "قوات الدفاع الشعبي في الجنوب"، والتي غلبت عليها النزعة الإسلامية ورفعت شعارات إسلامية في حربها في الجنوب ضد متمردي الحركة الشعبية لتحرير السودان حينئذ.

وفي مارس ١٩٩٦ نظم البشير وحكومته انتخابات رئاسية وبرلمانية هي الأولى بعد توليه الحكم، لكن الأحزاب السياسية الرئيسية التقليدية مثل الأمة والاتحاد رفضت الانخراط فيها، وانتقل قادتها للعمل ضد حكومة الإنقاذ من خارج السودان.

خلال هذه الفترة كانت قوات الجيش تحقق انتصارات عسكرية هامة في الجنوب وتسترجع العديد من المدن الجنوبية من أيدي قوات الحركة الشعبية، وتصاعد الزخم الإسلامي باستضافة الخرطوم زعيم حركة القاعدة أسامة بن لادن؛ مما أدى لتصدع العلاقات بين الخرطوم والغرب وعدة دول عربية على رأسها مصر خاصة بعد محاولة الاغتيال التي جرت ضد الرئيس المصري في إثيوبيا عام 1995.

الحريات.. وانتقادات المعارضة

وقد وجهت أحزاب المعارضة السودانية الشمالية والجنوبية على السواء انتقادات كبيرة للبشير خلال فترة التسعينات وأوائل الألفية الجديدة التي شهدت ازدهار حكم الإنقاذ، وارتكزت تلك الانتقادات على تدهور أوضاع حقوق الانسان وتدهور الحريات، ومنها حرية الصحافة واستمرار إغلاق الصحف السودانية التي تختلف مع النظام.

وكانت أبرز الانتقادات التي وجهت للبشير تأتي من قبل "التجمع السوداني" المعارض الذي تشكل خارج السودان في عام 1994، إلى جانب أحزاب الأمة والاتحاد والشيوعي وقوى جنوبية وشمالية معارضة، ودارت حول الحريات واغتصاب السلطة عبر انقلاب عسكري ورعاية التطرف الديني، وتوقيع اتفاقيات سلام جزئية مع قوى جنوبية لا تجلب السلام للبلاد.

ولكن سرعان ما انهار هذا التجمع في أعقاب توقيع اتفاق بالقاهرة يوم 18 يونيو 2005 بين الحكومة والتجمع، عاد بموجبها قادة التجمع الأساسيين (الأمة والاتحاد) للسودان؛ وأعلن وفاة هذا التجمع المعارض في الخارج، بيد أن حزب الأمة ظل ينتقد سياسات الحكومة من الداخل بما في ذلك اتفاق السلام وخطط توزيع السلطة والثروة، وكانت المفارقة أن خلاف البشير والترابي جاء لصالح التقارب بين المعارضة والبشير.

وكانت حادثة محاولة اغتيال الرئيس المصري مبارك والضغوط المصرية على السودان بمثابة تفجير للخلافات الكامنة بين الترابي والبشير، وبدأت علاقاتهما تتصدع تدريجيا بعد ٣ سنوات من الاحتقان الداخلي، للتحول إلى عداوة كاملة في عام ١٩٩٩، وحسم غالبية أنصار الحركة الإسلامية أمرهم بمساندة البشير ضد الترابي، وأدى اشتداد الاختلاف إلى سجن الترابي من عام ٢٠٠١ إلى عام ٢٠٠٣ بتهمة التواطؤ مع انقلابيين، وتوالى اعتقاله لاحقا مرات أخرى.

وبوقوع الانفصال بين البشير والترابي، سعى البشير لتحسين علاقات السودان المتضررة مع جيرانه وبالأخص مصر، والمجتمع الدولي، كما بدأ سلسلة مفاوضات مع الحركات الجنوبية المتمردة بغية توقيع اتفاق سلام معها بعدما أثبتت الحرب أنها لن تحسم مشكلة الجنوب بسبب الدعم الغربي الواسع للجنوبيين وتدخل المصالح الإستراتيجية الغربية.

ووقع البشير بالفعل اتفاقا للسلام في عام 1996 مع مجموعة الدكتور رياك مشار- نائب رئيس حكومة الجنوب الحالية - بعد انشقاقها عن حركة دكتور جون قرنق في عام 1991 بسبب الخلافات القبلية في الجنوب والتوجهات السياسية، ثم تم التوقيع على اتفاق سلام أكبر شامل هو اتفاق نيفاشا في عام 2005 مع حركة قرنق (الحركة الشعبية لتحرير السودان) المتمردة في جنوب السودان، والذي قضى بتقسيم الثروة والسلطة وإعادة بناء المؤسسة العسكرية.

دارفور.. ومؤامرة الجنائية

ولكن لأن هناك إستراتيجية غربية واضحة تقوم على تفتيت السودان وعدم السماح له بالتئام أقسامه وبقائه موحدا خصوصا في ظل سيطرة رئيس إسلامي على الحكم؛ فقد انتقلت التدخلات الخارجية إلى غرب السودان لتدعم المتمردين هناك، واندلعت موجه أخرى من التمرد في الغرب (دارفور) في أعقاب حروب قبلية صغيرة بين القبائل ذات الأصل الإفريقي والأخرى ذات الأصل العربي.

وأدى تشعب وتعدد فصائل حركات التمرد في دارفور لصعوبة التوصل لاتفاق سلام كما جرى مع الحركة الشعبية في الجنوب. وبرغم توقيع بعض الفصائل على اتفاقية أبوجا للسلام في غرب السودان، فقد ظل آخرون يحملون السلاح بدعم وإيعاز من جهات غربية؛ ما نتج عنه سلسلة من الحروب المتقطعة أدت لقتل قرابة 10 آلاف سوداني وتهجير الآلاف من السكان.

واستغلت العديد من المنظمات الحقوقية الغربية والمجموعات السياسية خصوصا (تحالف دارفور) الذي شكله اللوبي الصهيوني في أمريكا هذه الأزمة للضرب على وتر خلق مبرر للتدخل في دارفور والسودان الغنية بالنفط والمعادن (وفق تقرير مجموعة الأجهزة الأمريكية المعنية ببوادر تغيير العالم، والصادر في كتاب تقرير المناخ عام ‏1965‏ من دار الوثائق الحكومية‏ الأمريكية).

وجرى تضخيم الأزمة واختلاق أرقام مخيفة عن أعداد الضحايا قيل إنهم 120 ألف قتيل و300 ألف مهاجر, ‏وصارت دارفور، بكل مآسيها وتطوراتها السياسية والإنسانية، شبحا يطارد البشير. واستغل الغرب المحكمة الجنائية الدولية لتكون الصيد الذي تصطاد به البشير وتبرر التدخل في شئون السودان تحت ذرائع إنسانية وقانونية!! 


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات