|
ماذا أفعل؟ لم أعد أذوق طعم النوم.. إنها كارثة لا مثيل لها.. هل أجازف وأعود إلى بلدي أم أبحث عن عمل آخر أوفر من خلاله قوت يومي لي ولعائلتي؟!
كلمات خرجت من شفاه خالد حنفي، شاب مصري في العقد الرابع من عمره وزوج وأب لطفلين، بعد أن عاد من إجازته إلى عمله بإحدى شركات التمويل بالكويت ليجد مفاجأة غير سارة، حيث كان على قوائم العاملين الذين تم الاستغناء عنهم، أو ما يطلق عليه خليجيا "التفنيش".
عشرات الأسئلة تتلاحق على عقل خالد الذي ألجمته الصدمة وجعلته غير قادر على التفكير.. صورة أبنائه وأسرته الصغيرة لا تفارق خياله وأحلامه الوردية التي بناها تحولت إلى كابوس يداهمه ليلا ونهارا.
إما "التفنيش" أو تخفيض الراتب
معاناة خالد يعيشها الملايين من العمالة الوافدة في دول الخليج ومنها الكويت، حيث وجدوا أنفسهم يسددون فاتورة الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم مؤخرا، وأصبح "التفنيش" هو لسان حال الشركات في التعامل معهم أو اللجوء إلى أخف الضررين بتقليص الراتب إلى النصف كوسيلة للضغط على الموظفين لتقديم استقالاتهم أو الرضا بالوضع الجديد.
محمد بكري عاش نفس مأساة إخوانه الذين اختاروا طريق الغربة بحثا عن غد أفضل، وبين ليلة وضحاها وجدوا أنفسهم محاصرين بين مطرقة "التفنيش" وسندان تخفيض الرواتب.
يقول: "استيقظت كعادتي في الصباح للذهاب إلى عملي في إحدى الشركات الإلكترونية الكبرى، فوجدت اسمي ضمن 200 موظف تم الاستغناء عن خدماتهم دفعة واحدة، ومن تبقى من موظفي الشركة تم تخفيض راتبه إلى النصف، وهم مهددون بالتخلص منهم في أي لحظة، بل إن بعض الشركات أجبرت موظفيها على الحصول على إجازة مفتوحة والسفر لبلادهم لحين الاتصال بهم عندما تتحسن الأمور".
سرية "التفنيشات"
الشركات التي يعمل بها خالد ومحمد اختارت الإعلان عن قوائم "التفنيش"، لكن فضلت بعض الشركات الأخرى عدم الإعلان وإبقاء الأمر سرا حتى لا تهتز مراكزها المالية، إلا أن التكتم انعكس سلبا عليها بعد أن تسربت للسوق معلومات داخلية عن أسماء الشركات التي ضربت سمعتها، خاصة تلك التي لم تدفع رواتب الموظفين لمدة شهرين، وقد أكد عاملون بتلك الشركات وجود تعليمات من البنوك بعدم صرف رواتب موظفي الشركات التي يقل سقف حساباتها عن حجم الرواتب، نظرا لخطورة وضع السوق وشبح الإفلاس الذي يهدد تلك الشركات.
وكانت الحكومة قد أعلنت مؤخرا عن قانون الاستقرار المالي الذي يهدف إلى احتواء الأزمة ومساعدة هذه الشركات في الخروج من النفق المظلم، إلا أن ذلك لم يمنع حالة الجدل المثارة بالمجتمع حول حركة "التفنيش"، وأصبحت خبرا يوميا يتصدر الصحف ووسائل الإعلام.
وزادت المخاوف في الفترة الأخيرة بشكل أكبر بعد أن تردد وجود مقترحات بتبديل العمالة الوافدة من مصريين ولبنانين بغيرهم من الآسيويين، خصوصا في مجال المحاسبة وأنظمة الكمبيوتر، وذلك في إطار ترشيد النفقات.
حتى العمالة الوطنية
"تسونامي التفنيشات" لم يجتح العمالة الوافدة فحسب، بل امتدت توابعه لتشمل أيضا العمالة الوطنية، وخاصة في القطاع الخاص، وهو ما أثار أزمة سياسية كبرى دفعت بعض نواب مجلس الأمة إلى دعوة الحكومة إلى التدخل العاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه للحفاظ على العمالة الكويتية، حيث قدم النائب عن الحركة الإسلامية الدستورية "حدس" عبد العزيز الشايجي اقتراحا برغبة لحض الدولة على الاستمرار بصرف العلاوات المنصوص عليها بقانون دعم العمالة للعاملين في القطاع الخاص في حال فقدانهم لوظائفهم حتى يحصلوا على وظيفة بديلة، مؤكدا أن قانون دعم العمالة يهدف إلى تنظيم سياسات استخدام القوى العاملة الوطنية واعتماد الإجراءات التي تشجع الجهات غير الحكومية على تشغيل العمالة الوطنية لتعديل تركيبة قوة العمل وتنفيذ خطط إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة.
تصريحات نائب حدس كشفت الخطر الحقيقي الذي يشغل الرأي العام الكويتي بعد أن دق ناقوس الخطر، وبدأت الظاهرة تتسع وتوالى سقوط الضحايا، ودفع ذلك كثير من المراقبين إلى التساؤل حول مصير مشروع التحدي الذي تبنته الحكومة لدعم العمالة الوطنية في القطاع الخاص وصرفت عليه ملايين الدينارات، وتضمن جملة من المحفزات رأى البعض أنها غير كافية في ظل عدم وجود قانون يحمي العمالة من تعسف رب العمل، خاصة أنه مع أول أزمة مالية بدأت التحضيرات لخفض الإنفاق في المؤسسات الأهلية التي تعتمد الربح كهدف أول لنشاطها التجاري، ومعها بدأ قانون دعم العمالة يترنح تحت القرارات التعسفية لأصحاب الشركات في القطاع الخاص، والتي نتج عنها موجة التفنيشات الأخيرة التي دفعت عددا كبيرا من الشباب إلى تشكيل تجمع للتحذير من كارثة حقيقية تواجه ما يقرب من 49 ألف مواطن هم عدد الشباب الكويتي العامل في القطاع الخاص، والذين يواجهون خطر التشرد.
وقالوا في بيان لهم حصلت "إسلام أون لاين.نت" على نسخة منه: "لقد بدأت بعض شركات القطاع الخاص بتسريح الكويتيين والكويتيات لمواجهة التزاماتها وتقليص مصروفاتها، فيما بذلت الدولة الغالي والنفيس من أجل ترغيبنا في الالتحاق بالقطاع الخاص وتشجيع الشركات على التكويت (الاعتماد على العمالة الكويتية)، فسنت لذلك الهدف من التشريعات ما حقق مبتغاها، وأهمها دعم العمالة الوطنية"، منادين بتعديل مشروع قانون العمل في القطاع الأهلي.
ممارسة لا أخلاقية
الكاتب المتخصص في الشئون الاقتصادية ناصر المطيري وصف عملية "التفنيش" بالممارسة اللا أخلاقية التي تقوم بها بعض الشركات باستخدام ورقة ضغط جديدة تتمثل في إنهاء خدمات مئات الموظفين العاملين في القطاع الخاص من أجل إحراج الدولة من خلال التلاعب بأرزاق الناس ومستقبل الشباب الكويتي واهتزاز الأمان الوظيفي في القطاع الخاص.
وأكد المطيري أنه من العيب أن تمارس تلك الشركات الابتزاز ولي ذراع الحكومة والتنكر لكل القيم الوطنية، وتنسى دعم الدولة لها طوال السنين الماضية، متسائلا كيف تسمح الدولة لهذه الشركات بالاستقواء عليها، فلو استجابت لهذا النوع من الضغوط فإن ذلك يجعل الدولة رهينة بيد بضع شركات تمارس دور الحكومة الخفية بقوة سلاح المال، مؤكدا أن الشركات حتى وهي تستغيث طالبة الإنقاذ المالي من الدولة تقوم بتفنيش العاملين الكويتيين لديها الذين تدفع الدولة نصف رواتبهم!!
من جهته، يرى رئيس نقابة العاملين في ديوان الخدمة المدنية أنور الداهوم أن الاستقرار عامل مهم في الأداء الوظيفي، وأن غياب القانون الملزم للشركات والمؤسسات في القطاع الخاص يهدد العاملين، مشيرا إلى أن العديد من الشباب الكويتي يريد التحول من القطاع الخاص إلى الحكومي بحثا عن الاستقرار الوظيفي وضمان الراتب الشهري لأسرته، مؤكدا أنها أصبحت هجرة عكسية نشهدها إلى القطاع الحكومي بسبب غياب عنصر الاستقرار الوظيفي في القطاع الخاص.
وأكد الداهوم أن الاتحاد الوطني لعمال الكويت والنقابة على استعداد لمساندة أي موظف في القطاع الخاص يتعرض للظلم، مشددا على مواصلة الدعم والمساندة لهم أمام الحكومة ومجلس الأمة وضد أي جهة تتعسف في الإجراءات غير المنطقية تجاههم.
وطالب رئيس الاتحاد العام لعمال الكويت خالد العازمي بإقرار قانون العمل الجديد لحماية العمالة الوطنية من أي تهديد بالفصل، مبينا أن الاتحاد العام دعا الجميع إلى المحافظة على مصادر أرزاق العاملين واستقرارهم الوظيفي والابتعاد عن التجني عليهم.
ويطرح د. عبد الله العبد الجادر، مستشار التنظيم والإدارة والموارد البشرية، عدة بدائل لإنهاء عملية "التفنيش"، وذلك بأن تقوم الشركات المتعثرة بالاقتراض من الدولة عن طريق البنوك لتسديد ما عليها من ديون والبدء بإعادة هيكلة استثماراتها، أو بدمج الشركات التابعة لها لتقليص الميزانية والمصروفات، كذلك إعادة الهيكل التنظيمي للشركات بما يضمن الحد من الهدر في الميزانية والتخطيط للقوى العاملة للفترة المقبلة مع تقليص بعض المزايا المادية أو البدء بالاستغناء عن غير الكويتيين.
صحفى مصري ، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق
namaa@iolteam.com
|