English

 

الثلاثاء. مارس. 10, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » السودان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

شبح "الجنائية" يطارد دول الجوار السوداني

بدر حسن شافعي

Image
بالرغم من أن السودان يعد أكبر البلدان العربية والإفريقية من حيث المساحة (2.5مليون كم2)، وبالرغم مما حباه الله به من نعم كثيرة، سواء من حيث الموقع الإستراتيجي الهام كجسر للتواصل بين إفريقيا العربية الإسلامية في الشمال، وإفريقيا المسيحية السوداء في الجنوب، إلا أن هذه المساحة وهذا الموقع جعلا علاقات السودان مع جيرانه تشهد دائما حالة من المد والجزر، خاصة أنه يعد أكبر بلد عربي إفريقي من حيث الجيران، وربما لا ينازعه في ذلك سوى الكونغو الديمقراطية ذات الجيران التسع أيضا.

وفي الآونة الأخيرة شهدت علاقات السودان الخارجية مع دول الجوار الإفريقي (تم استثناء مصر في هذا المقال؛ حيث إن خصوصية الحالة المصرية تحتاج إفراد تحليل منفصل) حالة من التوتر النسبي لاسيما مع كل من إثيوبيا وكينيا، مقابل تحسن نسبي في العلاقات مع تشاد وإريتريا وأيضا ليبيا.

ومع ذلك فإن هذه الدول، إضافة إلى أوغندا والكونغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى، كان لها موقف شبه واحد من رفض قرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير بدعوى ارتكابه لجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور.

هذا الموقف يرتبط بعدة محددات وحسابات خاصة لكل طرف، بمعنى أن الذي جعلها تتبنى موقف الرفض ليس موقفها من النظام السوداني، أو نمط علاقاتها السائد مع الخرطوم حاليا، وإنما هو موقف يتعلق بأوضاع داخلية، تكاد تكون مشابهة إلى حد ما لما يحدث في دارفور، ومن ثم فإن تأييدها لمثل هذا القرار قد يجعل الدائرة تدور عليها في يوم من الأيام.

الموقف الإثيوبي

إذا بدأنا بالموقف الإثيوبي، سنجد أن أديس أبابا كانت من أوائل الدول الرافضة بشدة لهذا القرار بالرغم من أن التوتر هو سمة العلاقات بين الجانبين، خاصة من جانب الخرطوم التي اتهمت الحكومة الإثيوبية في أكتوبر 2008 بتزويد «الجيش الشعبي لتحرير السودان» الذي يسيطر على جنوب السودان بأسلحة ثقيلة تشمل دبابات، تم نقلها جوا إلى جوبا عاصمة الجنوب.

وفي المقابل فإن إثيوبيا تتهم السودان بدعم متمردي بني شنقول الذين يدخلون عبر الحدود إلى ولاية النيل الأزرق، وقد ترتب على هذه الاتهامات حدوث تناوش بين القوات الحكومية في كلا الجانبين في يوليو الماضي؛ مما أسفر عن مصرع 19 جنديا سودانيا هاجمتهم قوات إثيوبية داخل أحد المعسكرات.

ورغما عن ذلك، بادرت الخارجية الإثيوبية بإصدار بيان ينتقد قرار المحكمة، معتبرة إياه قرارا غير حكيم يخالف الموقف الإفريقي، بل وموقف منظمة الإيجاد، ولن يترتب عليه حدوث استقرار في دارفور أو في دول الجوار.

وطالب البيان مجلس الأمن بضرورة تأجيل قرار المحكمة لمدة عام استنادا للمادة 16 من النظام الأساسي للمحكمة، كما طالب البيان مجلس السلم والأمن الإفريقي بتوجيه رسالة بهذا المعنى لمجلس الأمن الدولي.

ويمكن القول إن هناك مجموعة من العوامل ساهمت في تبني أديس أبابا لهذا الموقف -ليس بعد صدور القرار وإنما قبله أيضا- من أبرزها ما يلي:-

1 - الانتهاكات التي تمارسها قوات الجيش الإثيوبي ضد قوى المعارضة في الداخل، ولاسيما ضد كل من "الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين" في المنطقة الصومالية، و"جبهة تحرير أوروميا" في منطقة أوروميا، خاصة أن القوميات الأخرى تتهم أقلية التيجراي الحاكمة بارتكاب مزيد من الانتهاكات ضدها.

2 - التجاوزات الخطيرة التي ارتكبها الجيش الإثيوبي أثناء احتلاله للصومال خلال عامين من الغزو (ديسمبر2006-يناير 2009).

3 - تعتبر إثيوبيا أن القضاء المحلي هو الأجدر على التعامل مع مثل هذه القضايا، وهو ما تم تطبيقه بالفعل ضد 33 من المسئولين في الحكومة العسكرية السابقة المعروفة باسم "حكومة ديرغي"، والذين ظلوا معتقلين منذ عام 1991 وأُدينوا في ديسمبر 2006 بتهم الإبادة الجماعية وارتكاب أعمال قتل واسعة النطاق؛ حيث صدرت أحكام بالسجن مدى الحياة، وأحكام بالسجن لمدد طويلة ضدهم، ومن ثم فإن نظام ميليس زيناوي يرفض تدخل القضاء الدولي في أمور داخلية.

الموقف الإريتري

تشهد العلاقات السودانية مع إريتريا تحسنا كبيرا منذ أواخر عام 2005، خاصة بعد انعقاد اللجنة المشتركة الأولى بينهما (6-7 ديسمبر 2005)، إذ تم الاتفاق على رفع التمثيل الدبلوماسي بينهما إلى مستوى السفراء فورا، واستمرار التواصل الرسمي والشعبي على كافة المستويات.

وقد توطدت هذه العلاقة بعد الدور الحيوي الذي لعبته أسمرة في التوصل لاتفاق شرق السودان (14 أكتوبر2006)، والذي ساهم في إغلاق إحدى الجبهات الهامة التي كان يتعين على الحكومة المركزية في الخرطوم مواجهتها، كما لعبت أسمرة دورا في المفاوضات الخاصة بأزمة دارفور لما لها من روابط مع بعض قوى التمرد هناك، خاصة حركة العدل والمساواة التي تحتفظ بعلاقات وطيدة مع مؤتمر البجا، ومن ثم قدمت أسمرة نفسها على أنها وسيط نزيه في هذا الصراع.

وعلى نفس الدرب، استضاف الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي المحادثات السودانية التشادية في سبتمبر 2008، والتي أسفرت عن اتفاق الطرفين على تشكيل دوريات مشتركة لمراقبة الحدود بينهما، ومعلوم أن إريتريا إحدى بلدان مجموعة الاتصال المعنية بالأزمة، والتي تشكلت وفق إعلان داكار للمصالحة بينهما في مارس 2008.

ولذا ينبع الموقف الإريتري الرافض لقرار المحكمة من طبيعة العلاقات بين الرئيس أفورقي والخرطوم، والتي نتج عنها قيام الخرطوم في مايو الماضي بإغلاق كافة معسكرات المعارضة الإريترية داخل السودان، ومطالبتها بتسليم المركبات التي بحوزتهم، والتي سلمتها لهم منتصف 2004.

كما يرجع هذا الموقف الإريتري أيضا من عدة اعتبارات، لعل أبرزها الانتقادات الشديدة الموجهة لنظام أفورقي ضد قوى المعارضة مثل حركة الجهاد الإسلامي، والتي باتت تتخذ من إثيوبيا مقرا لها بعد قرار الحكومة السودانية إغلاق مقرات المعارضة الإريترية بها.

وقد نالت هذه الممارسات أتباع الديانات غير المسموح بها في البلاد، والتي تعتبر بمثابة ديانات أقلية مثل البروتستانت وغيرهم، ففي عام 2007، تم القبض على مئات من أتباع العقائد الدينية التي تمثل أقليات، والتي حظرتها الحكومة في عام 2002، واحتجزوا إلى أجل غير مسمى بمعزل عن العالم الخارجي دون تهمة أو محاكمة، وقبض على الكثيرين بينما كانوا يتعبدون سرا في منازل خاصة أو يحضرون حفلات عرس أو جنازات. وأغلقت الحكومة الكنائس التي ينتمي إليها أولئك المعتقلون وصادرت ممتلكاتها ومشاريعها الخيرية، كما سجن بعض المنتقدين الذين ينتمون إلى العقائد المسموح بها، وهي الكنيسة الأرثوذكسية الإريترية والكنيسة الكاثوليكية واللوثرية.

الموقف الليبي

بادرت ليبيا على لسان الدكتور علي التريكي أمين الشئون الإفريقية بالخارجية الليبية بإعلان رفضها لقرار المحكمة وعدم التزامها به، متهمة إياه بأنه يهدف لزعزعة الأمن والاستقرار في السودان وإفريقيا ككل. وأشار الإعلان إلى أن ما حدث في دارفور لا يوازي الجرائم التي وقعت في فلسطين والعراق وأفغانستان، وأن قرارات المحكمة الجنائية انتقائية.

ويمكن تفسير الموقف الليبي في إطار عدد من الاعتبارات:-

1 - العلاقات الوطيدة بين ليبيا والنظام السوداني، خاصة أن ليبيا معنية باستقرار الأوضاع في السودان عامة ودارفور خاصة، واعتبار ذلك قضية أمن قومي بالنسبة لها.

2 - خوف العقيد القذافي من إمكانية أن يكون قرار المحكمة بمثابة سيف مسلط على الحكام العرب والأفارقة في ظل المعايير الانتقائية للمحكمة، فضلا عن الخوف من تعرض هذه الأنظمة لنوع من الابتزاز السياسي من قبل الدول الكبرى، بل إن بعض التحليلات تربط بين الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وما ترتب عليه من إعدام صدام حسين، وبين حدوث تحولات جوهرية في سياسة النظام الليبي تجاه بعض القضايا الهامة مثل إعلان تخليه عن أسلحة الدمار الشامل، ومسئولية النظام المدنية عن أحداث لوكيربي، ودفعه لتعويضات تصل إلى 2.7 مليار دولار لأقارب الضحايا.

3 - رئاسة القذافي الدورة الحالية للاتحاد الإفريقي، ومن ثم فقد يكون من الصعب مخالفة موقف الاتحاد الرافض لهذا القرار.

الموقف التشادي

تحسنت العلاقات بين السودان وتشاد بعض الشيء في الآونة الأخيرة، بعد فترة من المناوشات الحدودية، وصلت لدرجة قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما، ولم تفلح ست اتفاقيات للسلام في إزالة الاحتقان بينهما بسبب أزمة دارفور، والاتهامات المتبادلة بخصوص دعم المتمردين في كليهما خصوصا حركة العدل والمساواة التي تنتمي لقبائل الزغاوة التي ينحدر منها الرئيس إدريس ديبي.

لكن شهدت العاصمة طرابلس في أكتوبر 2008 اجتماعا ثلاثيا لإعادة العلاقات بين الخرطوم ونجامينا إلى طبيعتها، وأعربت اللجنة الثلاثية عن ارتياحها لالتزام الطرفين بوقف الحملات الإعلامية بينهما، ووقف التدخل في شئون بعضهما الداخلية، مع الاتفاق على الإسراع في تبادل السفراء بينهما، ودفع مساعي السلام في دارفور.

ومن ثم كان طبيعيا في ظل هذا التحسن أن ترفض تشاد موضوع اعتقال البشير لعدة أسباب، أبرزها الخوف من تكرار موضوع المحاكمة مع الرئيس ديبي ذاته، خاصة في ظل حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان من قبل قوات الجيش في مواجهة قوات المعارضة في شرق البلاد، وخشية ديبي من أن يتعرض لمثل ما يتعرض له الآن سلفه حسين حبري والمتهم بارتكابه لجرائم ضد الإنسانية خلال توليه الحكم (1982-1999). ويفترض أن يحاكم في السنغال على اعتبار أنه لاجئ سياسي بها، وذلك بناء على طلب من الاتحاد الإفريقي صدر في قمته السابعة في يوليو 2006.

الموقف الكيني

تمر العلاقات بين كينيا والسودان بفترة من التوتر بسبب اتهام الخرطوم لنيروبي بتمرير أسلحة إلى «الجيش الشعبي لتحرير السودان» من خلال السفينة الأوكرانية التي اختطفها القراصنة أمام السواحل الصومالية في 25 سبتمبر الماضي، إلا أن كينيا رفضت فكرة محاكمة الرئيس البشير، وذلك بسبب خشية الرئيس مواي كيباكي من تعرضه لمثل هذا الموقف، لاسيما بعد الممارسات اللاإنسانية التي مارسها نظامه ضد أنصار المعارضة التابعة لرئيس الحكومة الحالي رايلا أودينجا خلال الانتخابات الرئاسية والعامة التي شهدتها البلاد أواخر 2007، والتي دفعت المحكمة الجنائية الدولية إلى الطلب من اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان الحصول على التقارير التي رصدتها لأعمال العنف هذه، لذا فإن هذه اللجنة المدعومة من الحكومة طالبت الرئيس بضرورة إقامة محكمة لمحاكمة هؤلاء، وإلا فإن البديل هو مواجهة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.

الموقف الأوغندي

رفضت أوغندا فكرة المحاكمة لسببين رئيسيين هما:

أولا: مبررات تتعلق بممارسات الرئيس يوري موسيفيني، والخشية من تكرار نفس التجربة بالنسبة إليه، خاصة أن تقرير منظمة العفو الدولية عام 2008 أشار إلى تعرض النساء والفتيات في شمال أوغندا للعنف على أيدي جنود القوات الحكومية، وقوات جيش الرب كذلك.

ثانيا: إن تأييد موسيفيني للحكم قد يؤدي إلى استمرار التوتر في شمال البلاد في مواجهة قوات جيش الرب بزعامة جوزيف كوني؛ نظرا لصدور أوامر اعتقال من قبل "المحكمة الجنائية الدولية" في عام 2005 ضد كوني وثلاثة من كبار مساعديه.

هذا الخوف هو الذي دفع الحكومة إلى توقيع اتفاق بخصوص "المصالحة والمحاسبة مع جيش الرب" في 29 يونيو 2007، ومن أهم ما تمخض عنه سحب أوامر الاعتقال ضد هؤلاء، وإنشاء محكمة محلية بديلة، مع استبعاد توقيع عقوبة الإعدام عليهم حال مثولهم أمام القضاء الوطني. وبالرغم من ذلك فإن الأزمة في البلاد لم تنته؛ بسبب إصرار كوني على ضرورة إسقاط هذا الاتهام أولا.

الموقف الكونغوي

بالطبع يرفض رئيس الكونغو الديمقراطية جوزيف كابيلا فكرة المحاكمة، لاسيما بعد تزايد حدة الانتقادات الدولية له لدعمه قوات متطرفي وغلاة الهوتو في رواندا المجاورة، والموجودين في شرق الكونغو ضد خصومهم من متمردي التوتسي الذين يقودهم لوران نكوندا (تم اعتقاله مؤخرا).

ومن ثم فإن كابيلا الابن يخشى من أن يأتي عليه الدور، خاصة أن هناك محاكمة بالفعل تجري الآن في تنزانيا بشأن مذابح رواندا 1994، كما أن نكوندا قد يمثل أيضا أمام المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت أمرا باعتقاله. 


باحث دكتوراه بمعهد البحوث الأفريقية -جامعة القاهرة.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات