English

 

السبت. مارس. 7, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » شؤون عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

روسيا وأمريكا.. تقارب جديد محوره أفغانستان

نبيل شبيب

Image
هيلاري كلينتون في مؤتمر صحفي مع سيرجي لافروف
لئن بقيت معالم تغيير حقيقي في سياسات الرئيس الأمريكي الجديد "باراك أوباما" تجاه أهم ميادين الصراع في المنطقة العربية والإسلامية غائبة أو غامضة حتى الآن، فقد اتضحت نسبيا في العلاقات الأمريكية والأطلسية مع الاتحاد الروسي، كما ظهر خلال لقاء وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي في بروكسل (5/3/2009م) وكذلك من نقاط البحث بين وزيري خارجية البلدين في جنيف في اليوم التالي، وظهر أن أول ما يستهدفه التقارب الجديد هو التعاون في قضية أفغانستان، والبحث عن أرضية سياسية مشتركة تجاه إيران، إضافة إلى المشكلات الثنائية بين الطرفين.

أفغانستان في بؤرة الاستهداف

الخلاف الثنائي الأمريكي - الروسي لا يفسد للود قضية تجاه "عدو مشترك"، وهو ما يوصف في موسكو وواشنطن والعواصم الأوروبية تارة بالإرهاب وأخرى بالتطرف الإسلامي، ولا يقصد به القاعدة وطالبان فقط، فهنا تلتقي مصالح الجانبين على أرضية مشتركة، فلا يمنع استمرار الخلاف على قضايا أخرى مع الحوار حولها من التلاقي على إجراءات مشتركة وعملية في "ساحة المعركة".

وكان قد تردد فور الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001م أن موسكو التي أيدت الغزو في حينه كانت تأمل أن يكون مصير القوات الأمريكية كمصير السوفييتية عند احتلالها أفغانستان، ويبدو الآن وكأنها ترى ذلك على وشك أن يتحقق، لاسيما على ضوء العجز المالي المتزايد في الولايات المتحدة الأمريكية، والأكبر بكثير مما واجهته من قبل نتيجة النفقات الباهظة في حرب فيتنام، وهذا رغم ما يعلن أوباما عنه بشأن الانسحاب من العراق والتركيز على ما يسميه "الحرب ضد الإرهاب"، فالإعلان شيء والقدرة على التنفيذ شيء آخر، مع عدم إغفال أن الهزيمة في أفغانستان تمثل ضربة شبه قاصمة لمكانة حلف شمال الأطلسي وقيادته الأمريكية لفترة طويلة من الزمن.

ولكن إذا أرادت موسكو للقوة العسكرية الكبرى عالميا هزيمة عسكرية تحد من إمكانية انفرادها في زعامة دولية، فهي لا ترى لنفسها مصلحة في أن يتحقق نصر عسكري أو سياسي للطرف الآخر، بل قد ترى لنفسها مصلحة كبيرة في الظهور تجاه العالم الغربي بأنها "الطرف" الذي ساهم إسهاما أساسيا في منع وقوع تلك الهزيمة في اللحظة الحاسمة.

وقد لعبت موسكو بورقة أفغانستان بوضوح، بما يحقق مصالحها لا المصالح الأمريكية والأطلسية فقط، وورد على لسان سفيرها لدى الحلف "ديميتري روجوزين" أن أفغانستان ستكون في محور التعاون الروسي - الأطلسي، وأن هذا بالغ الأهمية من أجل الأمن والاستقرار في المنطقة، وتكررت الإشارات الروسية إلى أن انتصار طالبان في أفغانستان سيشكل خطرا مباشرا على الأراضي المجاورة، والمقصود البلدان الإسلامية المستقلة في آسيا الوسطى، وحتى الأقطار التابعة للاتحاد الروسي حتى الآن في شمال القوقاز، ولا تخفى بذور التمرد ومظاهره فيها.

ولم يكن لقاء وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي في بروكسل قد انعقد بعد عندما أوصلت المحادثات الثنائية المكثفة في الأسابيع القليلة الماضية إلى أول اتفاق يهم الجانبين الروسي والأمريكي، وهو استخدام الأراضي الروسية والطاجيكية في إيصال مواد التموين غير العسكرية للقوات الأمريكية في أفغانستان، بعد أن تعرضت قوافلها للهجمات المتكررة على الأراضي الباكستانية فأوقفت، وبعد الإعلان عن إغلاق القاعدة الأمريكية الكبرى في قيرغيزيا بتأثير موسكو على الأرجح.

ويؤخذ من اجتماع بروكسل أن التعاون الجديد لن يقتصر على قوافل الإمداد، بل قد يشمل المشاركة الروسية المباشرة في إعداد القوات العسكرية والشرطة التابعة للحكومة الأفغانية، وهو ما تركز الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي عليه في المرحلة التالية، بعد أن ازدادت معالم العجز عن السيطرة العسكرية المباشرة في أنحاء البلاد.

وتضع واشنطن التعاون مع روسيا في هذا المجال في نطاق أوسع يشمل، حسب تعبير وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، وضع صيغة أمنية تشمل أفغانستان وباكستان، وهو ما يستهدفه مؤتمر دولي دعت إليه أثناء لقاء بروكسل، وأعلنت أن هذه الدعوة تشمل إيران أيضا.

إيران مرتكز السياسة الروسية

للمخاوف الروسية من مد إسلامي من أفغانستان أسبابه التاريخية والمعاصرة فيما تشهده المناطق الإسلامية الآسيوية، ولا يبدو أن مثل هذه المخاوف قائمة تجاه مد إسلامي محتمل من جانب إيران، كما كانت منتشرة في موسكو فور إسقاط الشاه الإيراني، ولا يعني ذلك غيابها تماما كما تشهد المشاركة الروسية (وكذلك الصينية لأسباب مشابهة) في قرارات مجلس الأمن الدولي وإجراءات أخرى لاستبقاء المساعي النووية الإيرانية في إطار جملة من الضوابط تمنع من أن تشكل خطرا على النفوذ الروسي (والصيني) في الجوار الإسلامي القريب في المستقبل المنظور.

قد يكون من العوامل الحاسمة في الموقف الروسي من إيران حجم العائدات المالية من العلاقات التجارية المدنية والعسكرية، وكون إيران بوابة رئيسية لمشروع "منظمة مصدري الغاز" وكان الغاز الروسي ولا يزال أحد المرتكزات الأساسية في السياسات الروسية تجاه الدول الأوروبية، على أن دور إيران الإقليمي الذي "يشوش" في أدنى تقدير على المخططات الأمريكية في المنطقة يصب بحصيلته في مصلحة موسكو ألا يتعاظم نفوذ الهيمنة الأمريكية بشكل يجدد فرض طوق من القواعد العسكرية والأحلاف ومراكز النفوذ، كما كان من قبل على طول الحدود الجنوبية للاتحاد السوفييتي، وبين هذين الحدين تتحرك السياسة الروسية سلبا وإيجابا بين واشنطن وطهران.

هذا مما يفسر الرد الروسي السريع بالرفض رسميا إزاء ما تم تسريبه إلى وسائل الإعلام بصدد محتوى رسالة الرئيس الأمريكي أوباما إلى قرينه الروسي ميدفيديف، وقد تردد أنه يعرض على موسكو التراجع عن نشر الدرع الصاروخية شرق أوروبا إذا تعهدت موسكو بوقف المشروع النووي الإيراني، وقد تكرر التنويه إلى ذلك في لقاء بروكسل، وإن مال الحديث إلى ذكر الصواريخ البعيدة المدى، وبالتالي تطلع الدول الغربية إلى وقف تزويد موسكو لإيران بما يساعدها على التسلح به.

ولا ريب أن ما يتم الحديث عنه وراء الكواليس في لقاء وزيري خارجية موسكو وواشنطن في جنيف في اليوم التالي للقاء بروكسل الأطلسي يشمل تفاصيل أوسع من ذلك، كما يشمل مجموع أوضاع المنطقة وفي ذلك اعتبار التسلح الإيراني خطرا على "إسرائيل" وليس على الدول الأوروبية بالضرورة.

ولم يعد منطقيا بمنظور موسكو أن تلعب دور الضغط على طهران بصورة موازية لانتقال واشنطن إلى موقع فتح أبواب الحوار معها، وهو ما أشارت إليه التصريحات الروسية بأن موسكو لا ترى ما يستدعي إعادة النظر في سياساتها على صعيد الملف النووي الإيراني، وتنتظر ما يسفر عنه الحوار الإيراني-الأمريكي عندما يبدأ فعلا.

وعلى ضوء ذلك يمكن القول إن الرغبات الأمريكية في المرحلة الراهنة تتركز على محاولة دفع موسكو إلى التأثير على السياسات الإيرانية الإقليمية عموما وفي نطاق قضية فلسطين تخصيصا، والأرجح أن هذا كان موضع البحث بين الطرفين قبل لقاء بروكسل، وهو ما يفسر مثلا الموقف الروسي المتردد نسبيا تجاه الحرب ضد غزة، مع الإعلان عن الرغبة في الدعوة إلى مؤتمر دولي في موسكو حول القضية، وهي رغبة قديمة، وسبق أن أفسدت ألمانيا على موسكو مخططها فاستبقتها بالدعوة إلى مؤتمر انعقد في برلين، وقد تتولى إيطاليا دورا مشابها في الوقت الحاضر بعد تنويهها أثناء مؤتمر شرم الشيخ الأخير إلى الرغبة في الدعوة إلى مؤتمر دولي أيضا.

للود حدوده وللخلاف آفاقه

لا ريب أن مؤتمر بروكسل أظهر أن العلاقات الثنائية "الطبيعية" إذا صح الوصف - وليس الودية بالضرورة - قد عادت إلى مجراها بين موسكو وواشنطن، وكلاهما تحت الضغوط المالية بسبب الأزمة الرأسمالية الحالية، كما أن كليهما يحتاج إلى الآخر في أفغانستان وحولها، وهو الميدان الرئيسي الذي تصل فيه تلك العلاقات إلى مستوى تعاون "ودي"، ولكن نقاط الخلاف أو المواجهة التي برزت في عهد بوش الابن بقيت قائمة مع السعي إلى نزع الحدة من لهجة التعبير عنها.

إنهاء تجميد الحوار عبر المجلس الأطلسي - الروسي وتوقع استئنافه رسميا في مطلع مايو المقبل اقترن بتصريحات المسئولين الغربيين، وفي مقدمتهم الأمين العام لحلف شمال الأطلسي جاب دي هوب شيفر، بالرفض القاطع للاعتراف باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا كما صنعت موسكو، إضافة إلى معارضة نشر قواعد عسكرية فيهما.

التراجع الأمريكي عن السعي لضم جورجيا وأوكرانيا خلال فترة زمنية وجيزة إلى حلف شمال الأطلسي اقترن بعدم التراجع عن إبقاء الباب مفتوحا كما سبق أن ذكر في لقاء وزراء دفاع الأطلسي في بولندا قبل شهر واحد، مع التأكيد أن قرار قبول الانضمام أو رفضه لا يتخذ في دولة أخرى في إشارة مباشرة إلى الاتحاد الروسي.

كما أن إعادة النظر في مشروع الدرع الصاروخية لا يعني إسقاطه في الوقت الحاضر، وإن كان تأكيد أهميته الدفاعية للحلف على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية كلينتون في بروكسل أقرب ما يكون إلى الرغبة في الحفاظ على التمسك بورقته، رغم استبعاد القدرة على تنفيذه لأسباب مالية على الأقل، لتكون من أوراق التفاوض مع موسكو على قضايا سياسية أخرى، إضافة إلى ما يتعلق بالحد من التسلح.

كذلك لم تظهر موسكو استعدادا للتراجع عن السياسات التي اتبعتها واتخذت طابع هجوم مضاد في السنوات القليلة الماضية، وفي ذلك ما سبق الإعلان عنه بصدد عدم تنفيذ المشروع الذي هددت به لنشر صواريخ روسية جديدة في كاليننجراد، إذ لم يكن قد تجاوز المشروع مرحلة "التفكير" به إلى مرحلة التخطيط، بينما تجددت الضغوط المالية على موسكو نتيجة انخفاض العائدات النفطية، إضافة إلى عوامل أخرى ترتبط بالأزمة الرأسمالية العالمية.

إن حصيلة التقارب الروسي - الأمريكي الجديد تتمثل في متابعة التعاون في ميادين مشتركة وعدم تركه ينقطع بسبب استمرار الخلاف في ميادين أخرى، حيث أمكن تخفيف حدة لهجة الخلاف، ولم يشمل ذلك إزالة أسبابه ومظاهره المتعددة.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات