|
| الأسد مستقبلا سعود الفيصل (4 مارس 2009) |
حملت الزيارة الأولى لوزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل منذ ثلاث سنوات إلى دمشق، والتي تمت يوم 4 مارس الجاري، ودعا فيها الفيصل الرئيس بشار الأسد إلى زيارة الرياض، مؤشرات عديدة على بداية لحظة من تهدئة الخلافات العربية-العربية، خاصة وأن هذه الزيارة قد جاءت عقب يوم واحد من اجتماع وزراء خارجية مصر وسوريا والسعودية بالقاهرة، وبعد زيارة مماثلة قام بها وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى الرياض يوم 24 فبراير الماضي.
ورغم أنه لا زال مبكرا الحديث عن مصالحات عربية شاملة أو معالجة أسباب الخلافات بصورة جذرية، فإن التقارب السعودي - السوري يحمل دلالات إيجابية واضحة (أقله على المدى القريب) بالنسبة للوضع العربي إجمالا.
الانفراج في العلاقة بين الرياض ودمشق هو حصيلة عدة تطورات حدثت في الآونة الأخيرة أثناء حرب غزة وبعدها. فبعد اشتعال السجال السياسي والإعلامي بين الدول العربية، وبروز الطابع الصراعي في التفاعلات العربية مع تلك الحرب طيلة ثلاثة أسابيع، شكّلت القمة الاقتصادية العربية في الكويت 19 و20 يناير 2009 بداية إدراك بعض الدول العربية لخطورة المضي في "سياسة شد الحبل" بين المحورين المتخاصمين في المنطقة العربية إلى نهايتها، خصوصا بعد رحيل إدارة بوش التي جعلت من تأجيج الاستقطاب الإقليمي وإشعال "الفوضى الخلاقة" ومحاربة الإرهاب ركائز لسياساتها إزاء المنطقة.
فاجأ العاهل السعودي الحاضرين في القمة الاقتصادية بكلمته التي انطوت على توجيه عدة رسائل مهمة لإسرائيل والفلسطينيين والزعماء العرب؛ فالحديث عن وحشية العدوان الإسرائيلي وأن مبادرة السلام العربية لن تبقى على الطاولة إلى الأبد، كان رسالة لإسرائيل والدول الغربية. كما طالب الفلسطينيين بالوحدة لأن فرقتهم أخطر على قضيتهم من عدوان إسرائيل، ولم يخجل من القول إن الخلافات السياسية العربية هي التي تعين كل من يريد شق الصف العربي لتحقيق أهدافه الإقليمية، وحمل القادة العرب مسئولية الوهن الذي أصاب الموقف العربي مناشدا إياهم تجاوز مرحلة الخلاف لمواجهة تحديات المستقبل صفا واحدا.
ومع التأكيد على وجود جوانب بلاغية في هذا الخطاب وأنه ليس كافيا بمفرده لحل الخلافات العربية، فإن الخطاب -وبحكم عنصر المفاجأة- أحدث أثرا إيجابيا وهيأ المناخ للقاء جمع بين قادة السعودية ومصر وسوريا وقطر والكويت على هامش القمة الاقتصادية.
انفتاح على سوريا وتحذير لإيران
ويمكن الادعاء أن عمليتين انطلقتا فور انتهاء هذه القمة؛ إحداهما تتعلق باستئناف الجهود العربية لتحقيق المصالحة الفلسطينية، والأخرى تتمحور حول إعطاء مؤشرات وتطمينات لسوريا بأن مصالحها يمكن أن تتحقق على النحو الأمثل إن هي اتخذت قرارا بالابتعاد عن ربط نفسها بحركة السياسة الإيرانية ومناوراتها في المنطقة. وكان من الممكن أن تسير هاتان العمليتان ببطء لولا دخول متغيرين جديدين؛ الانفتاح الغربي على سوريا ونتيجة الانتخابات الإسرائيلية.
في سياق تحقيق المصالحة الفلسطينية واستعادة سوريا للصف العربي، بدأت القاهرة والرياض تحركا منسقا تتناغم فيه العاصمتان وتتقاسمان الأعباء والمهام. وعلى حين أكد بيان مجلس الوزراء السعودي في الثاني من فبراير الماضي على أن خدمة القضايا العربية تقتضي نبذ سياسة المحاور والتنبه للأطماع الإقليمية التي "تتستر وراء الادعاء بدعم قضايا العرب والمسلمين"، شهدت القاهرة في اليوم ذاته اجتماعا ثلاثيا جمع الرئيسين المصري حسني مبارك والفلسطيني محمود عباس مع وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل.
وكان المؤشر الأبرز على الإصرار العربي لتوجيه رسائل بعينها إلى إيران هو الاجتماع الوزاري العربي في أبوظبي 3/2/2009، الذي خصص لمناقشة مستجدات المصالحة العربية وعكس إصرارا عربيا على سحب القضايا العربية من إيران، إضافة لبحث أفكار المبعوث الأمريكي الجديد لعملية التسوية السيناتور جورج ميتشيل.
ويبدو أن السياسيين السوريين لم يتأخروا في التقاط الإشارات الصادرة عن اجتماع أبوظبي، خصوصا أن دمشق كانت قبل ذلك قد قرأت جيدا مغزى الزيارات المتلاحقة التي قام بها المسئولون الغربيون إليها أثناء حرب غزة وبعدها، والتي كانت استكمالا مباشرا لانفتاح الأوروبيين على سوريا وحملت تتويجا لجهد الدبلوماسية السورية لاستثمار المتغيرات الإقليمية والدولية طيلة عام 2008.
هذه التطورات أكدت فشل سياسة إدارة جورج بوش في عزل سوريا، التي بدأت تستعيد مكانتها العربية والدولية. وبقدر اعتقاد سوريا بسلامة توجهها الخارجي وتحالفاتها الإقليمية سواء مع إيران أو حزب الله وحركة حماس، بقدر ما هي مستعدة في هذه اللحظة إلى الانفتاح على العواصم العربية لتعزيز مكاسبها ودعم مطالبها باستعادة الجولان المحتل. وهذا ما دفع الرئيس السوري إلى التأكيد خلال اجتماعه مع القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية في 1/2/2009 على "انفتاح سوريا على جميع الجهود بما يصون المصالح العربية ويُعزز عوامل القوة لدى الأمة العربية ويسهم في التصدي للمشروع الصهيوني الاستيطاني".
بالسياسة.. سوريا مع الجميع
بيد أن هذه المؤشرات الإيجابية التي تشير إلى تقارب سعودي-سوري، وإلى نشاط دبلوماسي مصري لرأب الخلافات الفلسطينية تبقى بالأساس متعلقة بتأثير التغير في البيئة الدولية في ثلاثة أمور: تولي الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وأولوياته الجديدة المتعلقة بجبهة أفغانستان وباكستان وتأجيل التعامل مع جبهة العراق، والأزمة المالية العالمية التي ترغم الولايات المتحدة على تهدئة الأجواء الدولية. وهذا ما تحاول الرياض والقاهرة استثماره عربيا لتوسيع مساحة حركتيهما في حلحلة الأزمات العربية المستحكمة لا سيما في فلسطين ولبنان وبدرجة أقل في قضايا أخرى مثل الصومال والسودان والعراق.
هذا التحرك المصري السعودي تساعده بأدوار مكمِّلة كل من الإمارات التي انعقد فيها اجتماع أبوظبي (كما سبقت الإشارة) فضلا عن الكويت. وهذا هو مغزى زيارة وزير الخارجية الكويتي محمد سالم الصباح إلى العراق في 26 فبراير، التي مثلت أرفع زيارة لمسئول كويتي للعراق منذ عام 1990 لبحث مسائل إسقاط الديون العراقية وتطوير التعاون الثنائي بين البلدين، والتي استبقها الوزير الكويتي بزيارة دمشق، مما يحمل دلالات مؤكدة على وجود مخاوف عربية من تأثير تقليص الولايات المتحدة لوجودها في العراق اعتبارا من أغسطس 2010 استعدادا للانسحاب في نهاية عام 2011 كما أعلن الرئيس أوباما في خطابه أمام مجلسي الكونجرس مؤخرا، ويعكس أيضا رغبة عربية في تواجد عربي أقوى في العراق لموازنة النفوذ المتصاعد لإيران التي دعا رئيسها أحمدي نجاد كلا من بغداد ودمشق وأنقرة إلى تعاون أمني مع بلاده.
ومع استحضار هذا المشهد في العراق الذي يجري إعادة ترتيبه الآن، واستحضار العقبات الكثيرة التي تنتظر عملية التسوية بسبب صعود اليمين في انتخابات الكنيست 2009، يمكن القول إن الانفتاح السعودي والعربي على سوريا لن يحملها على التخلي عن تحالفها مع إيران لعدة أسباب؛ أولها أن علاقات دمشق مع طهران اجتازت صعوبات أو امتحانات أكبر في السابق دون أن تنتهي أو حتى تتراجع، وثانيها أن البلدين لديهما تعاون اقتصادي لا يَسهل التخلي عنه بمجرد التقارب العربي مع سوريا أو إعلان الرئيس أوباما عن بداية "عصر الحوار"، وثالثها أن سوريا وإيران تتقاسمان تقييما مشتركا في المجالات الأمنية والإستراتيجية بسبب مخاوفهما من تهديدات إسرائيلية محتملة وشكوك عميقة في السياسة الأمريكية تجاه دمشق وطهران وحدود تغيّرها في عهد أوباما.
وهذا كله يعمل على وضع حدود لمراهنة سوريا على النظام العربي أو المكاسب المحتملة من علاقة أفضل بالرياض والقاهرة. صحيح أن دمشق بادرت بالوقوف ضمن المساندين العرب للبحرين بعد أزمتها مع إيران بسبب تصريحات رئيس مجلس الشورى السابق ناطق نوري، وصحيح أن سوريا وافقت أيضا على حضور مؤتمر إعادة إعمار غزة في شرم الشيخ في بادرة تقارب مع مصر، إلا أن رئيس الوزراء السوري كان قبلها يحط رحاله في طهران لمناقشة تطوير التعاون الثنائي بين سوريا وإيران. ودلالة هذه الإشارات السورية أنها ترحب بتقارب عربي معها، لكنها ماضية أيضا في علاقاتها مع إيران.
مساران للتقارب
في ضوء ما تقدم يمكن توقع مسارين أو اتجاهين للتقارب السعودي-السوري؛ المسار الأول أن يكون هذا التقارب تكتيكيا أو مؤقتا يهدف إلى إنجاح القمة العربية الدورية في الدوحة في مارس 2009، لكي تخرج بشكل يحفظ الحد الأدنى من التفاهمات العربية حول التحديات المتزايدة والقضايا العربية التي تزداد تعقيدا في هذه اللحظة، وخصوصا فيما يتعلق بالسودان الذي ينتظر بقلق بالغ تداعيات ما بعد ما بعد صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير.
أما المسار الثاني فهو أن يرقى التقارب بين الرياض ودمشق ويرتفع إلى أفق إستراتيجي يعيد إحياء مثلث القوة العربي المصري السعودي السوري. وهذا يعني حكما أن يتوفر إدراك أكبر لتزايد خطورة التوجهات الإسرائيلية في المرحلة المقبلة، ليس على فلسطين وعملية التسوية فقط بل إلى حدود أبعد بكثير قد تصل إلى تكرار الاعتداء على لبنان، وربما توجيه تهديدات أخرى أوسع نطاقا.
ولكل واحد من هذين المسارين انعكاساته على الوضع العربي العام؛ فالمسار التكتيكي (ورغم محدودية النتائج التي يمكن انتظارها منه) إلا أنه أسهم فعليا في تهدئة الأجواء في لبنان قبل استحقاقه الانتخابي المقبل في يونيو 2009، وذلك ما استجلب ثناء مختلف الفرقاء اللبنانيين، حتى إن الرئيس ميشال سليمان اعتبر في 18/2/2009 أن "المدخل للاستقرار الإقليمي هو السعي بكل الإمكانات المتاحة من أجل عودة العلاقات السعودية-السورية التاريخية إلى سابق عهدها".
كما لا يمكن قراءة انطلاق الحوار الفلسطيني في القاهرة بعيدا عن انعكاسات أجواء التهدئة العربية التي تعززت بعد قمة الكويت الاقتصادية، وإشادات أطراف عربية مختلفة بموقف سوريا الداعم للمصالحة الفلسطينية، ومثابرة مصر في رعاية الحوار الفلسطيني.
وبطبيعة الحال يمكن توقع نتائج أفضل للنظام العربي والعلاقات العربية-العربية إذا انتقل التقارب السعودي السوري إلى المسار الثاني (أي الإستراتيجي). لكن ذلك يقتضي حصول خطوات لم تحدث بعد، أولاها وأهمها حصول تقارب مصري-سوري خصوصا أن خلافاتهما أقل بكثير من الخلافات بين الرياض ودمشق، وثانيتها أن تتدارس هذه الدول الثلاث خطواتها المقبلة إذا استمرت تل أبيب في التنكر لعملية التسوية، وثالثها أن تطور هذه الدول نظرتها لكيفية التعاون مع القوى الصغيرة وقوى التغيير في النظام العربي، وإعطائها دورا يسمح لها بالحركة ويعزز من قدرات النظام العربي إجمالا.
وسيبقى السؤال مطروحاً عما إذا كان مسار المصالحة العربية يرتبط بالضرورة بتوتير العلاقات العربية-الإيرانية، كما ظهر من قطع المغرب لعلاقاته مع إيران في 6/3/2009، وكذلك من التصريحات الأخيرة للرئيس الفلسطيني الذي طالب إيران بالكف عن التدخل في الشئون الفلسطينية. وهو ما قد يعني أن المصالحة العربية تحدث لأسباب إقليمية ودولية تتعلق بتصاعد التهديد الخارجي أكثر من تعبيرها عن حاجة عربية خالصة.
وعلى أي حال فإن الشهور المقبلة ستكشف في أي الاتجاهين سيسير التقارب الراهن بين السعودية وسوريا، لكن الأهم من ذلك أن تسعى الدول العربية مجتمعة لاكتشاف الطريق الثالث الوسط بين محوري الاعتدال والممانعة اللذين استهلكا المنطقة في السنوات الماضية دون فائدة تذكر لأي من الطرفين؛ فلا الاعتدال مطلوب دائما ولا الممانعة هي الحل أبدا، ويمكن أن يكون التوسط مخرجا عبقريا للجميع.
كاتب وإعلامي فلسطيني
|