|
| كرزاي.. هل يبقى الحليف المفضل للغرب؟ |
فيما يقترب فصل الربيع من ربوع أفغانستان بخطى متثاقلة، يبدو أن البلد يتجه بخطى متسارعة نحو أزمة دستورية من المتوقع أن تلهب المشهد السياسي، فيما يبقى المشهد الأمني مشتعلا وسط قرار أمريكي بزيادة القوات العسكرية هناك وإصرار طالباني على المقاومة مهما كان الثمن.
الأزمة الجديدة تتمثل في موعد الانتخابات الرئاسية في أفغانستان، والذي حسب المادة 61 من الدستور الأفغاني يجب عقده قبل شهر أو شهرين من انتهاء ولاية الرئيس كرزاي، والتي تنتهي في 21 من مايو 2009، غير أن اللجنة المستقلة للانتخابات قررت تاريخ عقد الانتخابات في 20 أغسطس 2009 نظرا لأسباب أهمها تدهور الوضع الأمني في الجنوب والشرق وعدم توفير الأموال اللازمة لتغطية نفقات الانتخابات.
الرئيس حامد كرزاي الذي كثر الحديث حول أدائه الضعيف خصوصا من قبل أولياء نعمته من الأمريكيين والأوروبيين في الآونة الأخيرة، كان يبدو موافقا على هذا القرار في البداية، غير أنه أصدر مرسوما رئاسيا مفاجئا في 28 فبراير الماضي بتقديم موعد الانتخابات الرئاسية إلى شهر إبريل القادم؛ مما أثار موجة من الرفض في الداخل والخارج.
القوى السياسية المناوئة للرئيس مثل الجبهة المتحدة والمجلس الوطني الموحد وبعض المرشحين الرئاسيين اعتبروا القرار غير عملي ومحاولةً من الرئيس لتفويت الفرصة على أي فرصة لإزاحته عن طريق الانتخابات. ومن جهتها عبرت اللجنة المستقلة للانتخابات كذلك عن عدم موافقتها للقرار الرئاسي، وفي الخارج أبدت واشنطن ولندن وعواصم أوروبية أخرى بجانب الأمم المتحدة تحفظها على القرار الرئاسي.
وعادت اللجنة المستقلة للانتخابات يوم 4 مارس الجاري لتؤكد مرة أخرى على إعلانها تحديد موعد الانتخابات في 20 أغسطس القادم، لضمان شفافية الانتخابات واستكمال شروطها من الأمن والتمويل وإعطاء فرصة كافية للمرشحين لشرح برامجهم الانتخابية.
أزمة دستورية
ورغم الترحيب الدولي الكبير بقرار لجنة الانتخابات، إلا أنه وضع أفغانستان في معمعة أزمة دستورية، هي في غنى عنها في مثل هذه الظروف، فالرئيس كرزاي لا يحق له البقاء في الحكم بعد 21 مايو القادم، فمن يملأ مكانه خلال الأشهر الثلاثة حتى موعد الانتخابات الرئاسية؟
بالنسبة للرئيس كرزاي لو أراد أن يمدد بقاءه في الرئاسة لثلاثة أشهر أخرى، قد يدعو "اللويا جيرغا" المجلس الوطني الكبير ليوافق على التمديد، ويكون من الصعب في غير هذا أن يبقى في الحكم، إلا في صورة واحدة اقترحها مجلس الشيوخ، وهي بقاءه في الرئاسة لثلاثة أشهر أخرى مقابل أن لا يرشح نفسه للانتخابات الرئاسية، وهو أمر يبدو من الصعب قبوله من قبل الرئيس كرزاي.
هناك حلول أخرى لملأ الفراغ الدستوري، قدمها المجلس الوطني الموحد الذي يضم عدة أحزاب معارضة، ويقضي الحل بأن يتولى رئيس مجلس الشيوخ رئاسة البلاد خلال هذه الفترة استنادا للمادتين 67 و68 من الدستور الأفغاني، وتقضيان بتولي رئيس مجلس الشيوخ رئاسة البلاد في حالة موت الرئيس أو استقالته أو إقالته أو مرضه الشديد. وقياسا على هاتين المادتين يسري الأمر على الوضع الراهن بعد انتهاء مدة ولاية كرزاي الحالية.
وأما الجبهة المتحدة التي تضم أكبر الأحزاب المعارضة للرئيس (يرأسها الرئيس السابق برهان الدين رباني) فقد أيدت اقتراح المجلس الوطني وقدمت اقتراحا آخر يقضي بتشكيل مجلس قيادة موحد يضم كافة الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، يدير شئون البلد خلال الثلاثة الأشهر ما بين انتهاء ولاية الرئيس وعقد الانتخابات.
ويقترح بعض الشخصيات الأخرى قيام حكومة انتقالية تشرف على الانتخابات لضمان شفافيتها، حيث يتخوف كثيرون خصوصا أحزاب المعارضة والمرشحون الرئاسيون من أن يعمد الرئيس كرزاي إلى استغلال نفوذه وصلاحياته لصالحه في الانتخابات لو تمت تحت إدارته.
المشهد السياسي والأمني
وفيما يستمر الجدال حول الأزمة الدستورية وكيفية ملأ الفراغ السياسي الحاصل من تقديم موعد الانتخابات، يبدو المشهد السياسي والأمني في أفغانستان يعمه الفوضى وعدم الاستقرار؛ فاستمرار الحرب خصوصا في الجنوب واتساع رقعتها في الشرق وبقية المناطق التي تقطنها القومية البشتونية، يشكل عقبة كبيرة لعقد انتخابات نزيهة وشفافة، خصوصا وأن كل المرشحين الأساسيين يتسارعون لكسب ود واشنطن والعواصم الغربية والحصول على ختم الموافقة الغربية، مما يجعل شفافية الانتخابات وحرية القرار أضحوكة سياسية للاستهلاك المحلي والعالمي.
ويبدو من الفوضى العارمة في المشهد الانتخابي في أفغانستان، أن فرص الرئيس كرزاي تتناقص خصوصا لو تم تشكيل حكومة انتقالية تشرف على الانتخابات، لكن ما زال السؤال الكبير هو عن المرشح الأوفر حظا ممن قد يحل محل كرزاي ويرضي الأطراف السياسية في الداخل ومراكز القرار الدولي في الخارج، ويكون قادرا على إخراج البلد من المعاناة التي تعيشها بسبب الاحتلال وتبعات ما يسمى "الحرب على الإرهاب".
وتحتوي قائمة المرشحين حتى الآن بعض الأسماء اللامعة، مثل وزير المالية السابق أنوار الحق أحد رئيس حزب أفغان ملت القومي البشتوني، ووزير المالية الأسبق أشرف غني أحمد زي الذي يحظى بتأييد أمريكي كبير، وعلي أحمد جلالي وزير الداخلية السابق وعبدالله عبدالله وزير الخارجية السابق، إلى جانب بعض الأسماء الأخرى غير معروفة، ومن المتوقع أن تظهر بعض الأسماء القوية الأخرى كذلك خلال الأيام القادمة.
وسياسيا كذلك، كانت حركة طالبان قد دعت في ديسمبر الماضي إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية ووصفتها بالخادعة في بيان لأميرها الملا محمد عمر، وهو أمر يجعل من العملية الانتخابية في مناطق الجنوب والشرق أمرا صعبا للغاية وقد تؤثر سلبا على النتائج الانتخابية.
ورغم مرور الانتخابات الرئاسية السابقة في عام 2003 في يوم بلا عنف، إلا أن المراقبين يشكون أن يتكرر ذلك مرة أخرى، لكن بعض التحليلات الأخرى ترى أن الانتخابات قد تعقد في جو أقل عنفا على الأقل ليوم واحد لاعتبارات كثيرة أهمها: محاولات إرضاء مؤيدي طالبان الإقليميين في إشارة إلى باكستان، وبعض القادة المحليين في عدم تعريض الانتخابات لمضايقات أمنية.
ويرتبط مصير الانتخابات الرئاسية هذا العام بخطط الرئيس أوباما والحلف الأطلسي في التركيز على الجبهتين الأفغانية والباكستانية، ومن الصعب أن نتوقع حيادية أمريكية أو غربية بشكل عام تجاه الانتخابات، ولاشك أن المرشح الأوفر حظا يكون الأوفر تأييدا من لدن واشنطن والأقرب تعاونا وتفاهما مع مراكز القرار الغربية.
فواشنطن بحاجة إلى حليف أفغاني يتجمع حوله الشعب الأفغاني بجميع تياراته وعرقياته بالحل الغربي، ويكون قادرا على تكوين إدارة قوية وشفافة تقدم الخدمات الأساسية للشعب وتسعى لاحتواء المعارضة المسلحة قدر الإمكان، ويكون قادرا على الحفاظ على التوازنات الإقليمية والعلاقات الدولية.
وفيما تراجع الإدارة الأمريكية إستراتيجيتها في أفغانستان، ويتحرك مبعوثها الخاص ريتشارد هولبروك ما بين العواصم الإقليمية والدولية بحثا عن الحلول المناسبة لتحقيق أهداف واشنطن بأقل الخسائر، يجد المواطن الأفغاني نفسه وسط لافتات المرشحين وشعاراتهم الرنانة تتحدث عن غد أفضل طال انتظاره منذ سنوات!.
كاتب ومحلل سياسي أفغاني.
|