|
| البشير.. مطلوب لدى الجنائية الدولية |
بصدور قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير اليوم 4 مارس 2009، بناء على طلب سابق للمدعي العام للمحكمة في 14 يوليو 2008، وبتكليف من مجلس الأمن الدولي، يكون السيف قد سبق العزل وأصبحت الخرطوم أمام واقع داخلي وإقليمي ودولي جديد.
عشرات التساؤلات والسيناريوهات المستقبلية العديدة مطروحة، وتحتاج بدورها لعشرات التصورات والإجابات العاجلة والآجلة معا:ـ
• كيف ستتنفذ المحكمة هذا الحكم وتعتقل البشير؟ هل يصل الأمر لحد تنفيذ قوات غربية خاصة مثلا عملية خاطفة لاعتقال البشير عبر حدود تشاد، والتي سبق أن شهدت محاولة انقلاب لفصيل دارفوري وصلت حتى مشارف العاصمة الخرطوم؟.. هل يصدر قرار ملزم من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع يجبر الدول على اعتقاله بالقوة بعد رفض فكرة قرار إفريقي عربي بتجميد المحاكمة؟.
• ماذا سيحدث داخل السودان؟ هل يستمر جناحي الصقور والحمائم في المؤتمر الوطني الحاكم موحدين أم يسعى الصقور (أنصار فكرة التضحية بالرئيس ودفعه للاستقالة) لحماية المشروع الإسلامي وحماية السودان من خطر الغزو والحصار الخارجي؟ أم يقنعون وزير الشئون الإنسانية (أحمد هارون) بتسليم نفسه لتخفيف الضغط على البشير وإظهار حسن نية السودان وتجميد الحكم ضده؟ وهل يبادر متمردو دارفور لشن هجمات على الخرطوم بعد الاستقواء بقرار "الجنائية" كما هددوا مؤخرا؟ وهل تؤجل خطط السلام في الجنوب وتؤجل انتخابات البرلمان والرئاسة المرتقبة في يوليو المقبل 2009؟ وهل يسعي الجنوب للانفصال في ظل هذه الأجواء المشحونة؟ وهل تتسارع خطط تفتيت وتجزئة السودان لأربعة أقاليم وفق مخطط قديم معروف؟.
• ماذا عن الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية: هل تنسحب 37 دولة من الدول الإفريقية الموقعة على اتفاقية روما الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية (عدد الموقعين 108 دولة)، ما يضرب مصداقية المحكمة، احتجاجا على حكم المحكمة السياسي؟، وهل تنسحب الدول العربية الثلاثة الأعضاء في المحكمة أيضا أم يظل الموقف العربي كما هو مجرد التضامن الكلامي مع السودان خصوصا أن هناك تكهنات بأن الدول العربية "باعت" البشير وتخشى ربط مصيرها به – على غرار الرئيس الراحل صدام حسين – والصدام مع إدارة أوباما الجديدة، فتحال هي الأخرى لاحقا للمحاكمة أمامها لأنها تعارض الرغبة الأمريكية والغربية في عقاب البشير؟.
• ماذا عن مصير ومستقبل محاكم الجزاء الدولية الخاصة، والتي أصبح ينظر لها رغم كثرتها (لبنان، ورواندا، ويوغسلافيا، وكامبوديا) على أنها غير عادلة ولا توزع العدالة بالقسط بدليل أنها تحاكم الدول الضعيفة الفقيرة المغلوبة على أمرها وتترك جرائم الأمريكيين في العراق وأفغانستان وجرائم حلفاءهم الصهاينة التي لاحصر لها في فلسطين؟ وماذا عن مستقبل المحكمة الجنائية خصوصا وأنها لا تنظر سوى قضايا إفريقية (أربع قضايا لدول إفريقية أمامها)، فيما ترفض النظر في جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة أو جرائم أمريكا في العراق؟.
قد تكون كل هذه التساؤلات وما يعتريها من سيناريوهات سابقة لأوانها ويظل الوضع في السودان كما هو مستقر، خصوصا أنه سبق وصدر عن مجلس الأمن بشأن النزاع في دارفور 20 قرارا منذ عام 2005 كلها لم تنفذ وذهبت أدراج الريح وظل السودان صامدا.. لكن المؤكد أن قرار توقيف البشير ستكون له تداعيات عاجلة وآجلة في السودان وفي إفريقيا والعالم ككل.
هذه التداعيات قد تصل لمرحلة الفوضى وتصاعد مخططات الانفصال ومن ثم تفتيت السودان، خصوصا لو ارتبط صدور الحكم برغبة غربية شرسة في تنفيذه واللجوء لمجلس الأمن (والفقرة السابعة من الميثاق) لتنفيذه بالقوة بدلا من المطالب الإفريقية والعربية باللجوء للمادة 16 من النظام الأساسي لتجميد القرار.
وقد لا تصل هذه العواقب – على عكس التصور السابق – لأي تصعيد فعلي ضد السودان باستثناء المزيد من قرارات مجلس الأمن بعقوبات متجددة ضد السودان، ربما يكون أشدها قوة فرض حصار وحظر جوي على الطيران السوداني فوق دارفور، أي الاكتفاء بحكم المحكمة بحيث يستمر الحال على ما هو عليه لحين التوصل لاتفاقية سلام في دارفور ترفع هذا الحصار.
سيناريو التصعيد.. وسيناريو التهدئة
يمكن بالتالي الحديث عن سيناريو للتصعيد الغربي مع السودان باللجوء للفقرة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة، مع ما قد يحمله من تقديم الدعم لمتمردي دارفور علنا لإثارة قلاقل، وتدخلات أمريكية وغربية عسكرية لفرض منطقة حظر للطيران فوق دارفور، أو سيناريو للتهدئة بالاكتفاء بقرار المحكمة كسيف معلق على رقبة البشير والسودان على أمل أن يدفع الخرطوم للتنازل في بعض الملفات.
ولكن قبل الحديث عن السيناريوهين، نشير لأن المادة (89) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية تحدد إجراءات إلقاء القبض على المتهم الذي تصدر بحقه أحكام كالتالي:
ـ ترسل المحكمة الحكم أولا للدولة المقصودة (السودان) وتطالب قضائها بتنفيذ الحكم. وفي هذه الحالة قد يصل الطلب عبر سفارة السودان في لاهاي بالفاكس كما سبق أن جرت الاتصالات السابقة في حالة طلب اعتقال الوزير أحمد هارون والقيادي كوشيب. وفي هذه الحالة سترفض السودان لأن اتفاقية المحكمة لم تصدق عليها الخرطوم ولم يصدق عليها البرلمان السوداني وبالتالي ليست ضمن القوانين السودانية.
ـ تقدم المحكمة طلبا مقرونا بأدلة الاتهام للقبض على الشخص المعني إلى الدول المصدقة على ميثاق المحكمة لو كان هذا الشخص موجودا في إقليمها، وتطلب تعاون باقي الدول للقبض عليه، أو يصدر أوكامبو تعميما بالأمر بإلقاء القبض على الرئيس السوداني في الدول المنضمة لاتفاقية المحكمة الجنائية الدولية (كل الدول الاوروبية عدا روسيا، وكل دول جنوب شرق آسيا عدا الصين، و37 دولة إفريقية، وغالبية دول أمريكا اللاتينية، وكندا) بحيث يكون قرار القبض عليه وجوبي وملزم.
ـ في حال تعذر ذلك ورفض السودان أو أي دولة معنية الانصياع للقرار، فإن المحكمة ستحيل القرار تلقائيا إلى مجلس الأمن الدولي، على الرغم من عدم تبعيتها له، للبحث في كيفية تنفيذ القرار وإرغام هذه الدولة على التعاون مع المحكمة، بما في ذلك إصدار قرار بموجب الفصل السابع من الميثاق يلزم سائر الدول الأعضاء بالأمم المتحدة، ومن بينها السودان، بالتعاون لتنفيذ أمر الاعتقال.
وهنا تبرز أهمية سيناريوهي التهدئة والتصعيد من قبل أمريكا وأوروبا المسيطرين على مجلس الأمن.
السيناريو الأول: التهدئة
ويمكن استشعار خطوات التهدئة على النحو التالي:
1- قد تبدأ التهدئة من القرار "المسيس" للمحكمة بالاكتفاء بتهمة واحدة أو اثنتين من التهم الثلاثة الموجهة للرئيس البشير بحيث تحذف تهمة "الإبادة الجماعية" لإظهار أن هناك نوع من العدالة، خصوصا أن مذكرة أوكامبو الموجهة للمحكمة بطلب اعتقال البشير تحدثت عند 35 ألفا فقط ضحايا دارفور (مقابل 200 ألف وفق المزاعم الغربية و10 آلاف فقط وفقا للخرطوم).
2- أن يظل القرار مجرد حبر على ورق، أي لا ينفذ باستثناء لو سافر البشير لدولة عضو في نظام المحكمة بما يثير مشكلة، وهو لن يحدث لأن البشير بطبعه قليل السفر للخارج وسفره لدول عربية مثل مصر والسعودية وليبيا لن يضره ولن تسلمه هذه الدول لأنها ليست عضوا بالمحكمة، كما أن طبيعة العلاقات العربية-العربية ستجعل هذا الأمر مستبعدا.
3- أن لا تطالب أمريكا والغرب بتفعيل المادة السابعة من الميثاق عبر قرار لمجلس الأمن، بحيث يقتصر الأمر على الحكم الذي صدر كسلاح ضغط وحده.
4- أن تستجيب واشنطن للمطالب الإفريقية والعربية بحيث يكون هناك مقاصة بتجميد الحكم مقابل تسوية سلمية في الإقليم واتفاقية سلام تتضمن مزيدا من التنازلات السودانية مثل الحكم الذاتي للإقليم أو تقسيمه لثلاثة أقاليم تحت سلطة حكم ذاتي.
السيناريو الثاني: التصعيد
ويمكن تصور خطواته علي النحو التالي:
1- سعي أمريكا وأوروبا لرفض تجميد قرار اعتقال البشير.
2- سعيهما معا لمساندة قرار جديد لأوكامبو يوجه لمجلس الأمن بإصدار قرار بموجب الفصل السابع من الميثاق يلزم سائر الدول الأعضاء بالأمم المتحدة، ومن بينها السودان، بالتعاون لتنفيذ أمر الاعتقال.
3- مساندة متمردي دارفور وتشجيع هجماتهم على غرار هجوم قوات العدل والمساواة في مايو الماضي على أم درمان بغرض الضغط على الخرطوم واعتقال البشير بواسطتهم لتسليمه للمحكمة.
4- فرض حظر طيران فوق دارفور على غرار الحظر الجوي الأمريكي على جنوب وشمال العراق قبل الغزو الأمريكي وفرض حصار اقتصادي وسياسي وعسكري مواز.
5- تسخير قوات حلف الناتو وقوات خاصة فرنسية أو أوروبية وأمريكية مشتركة في عمليات خاصة باقتحام الحدود السودانية أو خارج السودان للقبض على البشير مثل إجبار طائرته على النزول في أحد المطارات الدولية لاعتقاله، فمن حق المدعي العام أوكامبو استخدام جميع الأسلحة والأجهزة المتاحة والموجودة في الدول الأعضاء الـ 108، ومنها أجهزة المخابرات، والقوات الخاصة، والأمن الداخلي، والجيش، فضلا عن أجهزة وقوات الأمم المتحدة لتنفيذ القرار.
وفي كل الأحوال من المستبعد أن يجري استخدام قوات الأمم المتحدة الموجودة في دارفور (10 آلاف جندي) في اعتقال البشير رغم أنها هي الجهة الأولى المنوط بها ذلك، لأن من شأن هذا أن يؤدي لشن الجيش السوداني حربا على هذه القوات وطردها من السودان، وهو أمر تنبه له مسئولو هذه القوات وسعوا منذ اللحظات الأولي للتبرؤ حتى من التعاون مع المحكمة الجنائية في المعلومات الخاصة بمحاكمة البشير... فما بالك بالقبض عليه.
مصير الانتخابات والسلام مع الجنوب
ويبقى التخوف الأكبر بشأن تداعيات هذا الحكم على السودان داخليا قد يظهر على مصير الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في يوليو المقبل، والتي لها علاقة وثيقة بمستقبل السلام واتفاقية نيفاشا للسلام بين الشمال والجنوب.
ففي حالة تأثير الحكم على الوضع الداخلي خصوصا في ظل التناوش بين الشماليين والجنوبيين ومطالبة قادة جنوبيين للبشير بالتعامل مع المحكمة وتسليم نفسه، وفي ضوء عدم الانتهاء من التعداد العام للسكان واستكمال قوانين الانتخابات، من المتوقع أن يجري تأجيل الانتخابات إلى ديسمبر 2009 على أقصى تقدير لأن اتفاقية السلام بين الشمال والجنوب تستلزم إجراء الانتخابات في يوليو، وسيتطلب تأجيلها إلى ديسمبر المقبل تعديلا دستوريا.
وفي حالة عقد هذه الانتخابات في موعدها ومشاركة البشير - المرجح أن يفوز فوزا كاسحا بسبب الشعبية التي أعطاها له حكم المحكمة الجنائية – سيكون فوزه بمثابة شرعية جديدة له من الناخبين، أما في حالة تأجيلها أو الفشل في عقدها، فقد يدفع هذا لتصعيد الخلافات مع الجنوبيين وربما تسريع انفصال الجنوب من جانب واحد دون انتظار لعام 2011 موعد الاستفتاء النهائي على تقرير المصير؛ ما قد يشعل حروب أهلية في الشمال والجنوب معا بخلاف حروب الغرب (دارفور) ودخول السودان في منطقة عدم استقرار تعيده لما كان قبل قيام ثورة الإنقاذ عام 1989، أي العودة للجذور الإسلامية الأولى، بما تضمنته من تطرف وتشدد، وهو أمر حذر منه صراحة "صلاح قوش" مدير المخابرات السودانية، وألمح له على عثمان محمد طه، نائب الرئيس السوداني، عندما قال: "المعركة ستكون طويلة".
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|