|
| أحمدي نجاد في إفريقيا.. لبناء التحالفات |
قام الرئيس الإيراني أحمدي نجاد نهاية الأسبوع الماضي بجولة إفريقية قادته إلى ثلاث دول هي كينيا وجيبوتي وجزر القمر. وأحسب أن هذه الزيارة الإيرانية تتجاوز في معانيها ومدلولاتها المصالح الاقتصادية والتجارية المتبادلة بين الطرفين. إنها تعكس في حقيقتها طبيعة التوجه الإستراتيجي الإيراني صوب بناء تحالفات إقليمية ودولية تشمل معظم مناطق العالم غير الغربي في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
راودتني تساؤلات وعلامات استفهام كثيرة وأنا أتابع تفاصيل جولة الرئيس الإيراني الإفريقية والمغزى من وراء اختيار الدول الثلاث، فلأول وهلة نجد أنها على قائمة أولويات السياسة الأمريكية في القرن الإفريقي الكبير نظراً لوقوعها على خط المواجهة ضد ما تسميه الإدارة الأمريكية «الحرب على الإرهاب». فقد أضحى محور «جيبوتي- نيروبي- أديس أبابا» بمثابة الركيزة الأساسية للدور الأمريكي في المنطقة.
ومن المعلوم كذلك أن جيبوتي تحتضن في أراضيها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في إفريقيا، وهي تقود من خلال الهيئة الحكومية للإنماء والتصحر (الإيجاد) تسوية الملف الصومالي وفقاً للوصفة الأمريكية والغربية. أما نيروبي فهي تعد قصة النجاح الكبرى التي يتباهى بها الغرب، حيث إنها قدمت نموذجاً يحتذى في تقاسم السلطة بين الحكومة والمعارضة، وهو ما تم تقديمه بنكهة إفريقية للخروج من مأزق أزمة زيمبابوي العصية. على أن جزر القمر التي ظلت لفترات طويلة حكراً على الاستخبارات الفرنسية والمرتزقة الأجانب بزعامة الراحل بوب دينار قد جذبت إليها الأنظار بعد اتهام أحد مواطنيها بالانتماء لتنظيم القاعدة في شرق إفريقيا.
عندئذ بدأ الحديث في الغرب والولايات المتحدة عن علاقة «الدول الفاشلة» بالإرهاب.
لا أعتقد أن رؤساء هذه الدول الثلاث قد أخذوا تصريحاً مسبقاً من الإدارة الأمريكية لتوجيه الدعوة إلى الرئيس الإيراني الذي يتهمه الإعلام الغربي بأفظع الاتهامات والتي أقلها معاداة السامية!
لقد وصف الرئيس الجيبوتي عمر حسن جيلة الزيارة بأنها تاريخية ودعا إلى ضرورة تدعيم الروابط بين البلدين. وقد تكرر المشهد في كينيا من حيث الترحيب الحكومي والشعبي، وهو ما يظهر كذلك حرص الرئيس نجاد على زيارة مومباسا حيث يتركز مسلمو كينيا. أما جزر القمر فإن لها وضعية خاصة في إطار العلاقة الإيرانية الإفريقية، فالرئيس عبدالله سامبي قد درس في إيران وتأثر بنموذجها «الثوري» حتى أن البعض أطلق عليه لقب «آية الله».
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا متعلق بدوافع التوجه الإيراني تجاه إفريقيا؛ لقد ظلت إيران ولفترة طويلة قبل الغزو الأمريكي للعراق تحاول أن تفك العزلة الدولية التي فرضت عليها من خلال تدعيم علاقاتها مع الدول «العاصية» لأمريكا. وعليه فقد توطدت أركان العلاقة بين إيران والسودان في ظل حكم الرئيس عمر البشير بسبب الضغوط الشديدة التي مارستها الولايات المتحدة ضدهما تحت ذريعة رعايتهما "الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان"، الأمر الذي اقتضى منهما تنسيق المواقف وردود الأفعال.. والملاحظ أن الخرطوم لا تزال حتى اليوم ركيزة الدبلوماسية الإيرانية في المنطقة.
على أن إيران بدأت منذ عدة سنوات في توسيع دائرة تحركها الإفريقية مستفيدة إلى أقصى حد من الفرص المتاحة، فإلى جانب السودان توجد علاقات إيرانية وثيقة مع كل من جنوب إفريقيا والسنغال وأوغندا، وعادة ما يتم ترويج النموذج الإيراني إفريقياً، ولاسيما في مجالات الطاقة والتنقيب عن النفط وتنمية القطاعات الزراعية والصحية وما شاكل ذلك؛ فقد افتتحت إيران مصنعاً للجرارات الزراعية في أوغندا، كما أنها أقامت خط إنتاج لسيارات «ساماندا» الإيرانية في السنغال، ويلاحظ في هذا السياق أيضاً أن الفرق الطبية الإيرانية تجوب كثيراً أنحاء القارة الإفريقية لتقديم خدماتها إلى المحتاجين.
وليس خافياً أن ثمة مصالح ثقافية ودينية كذلك؛ فقد حاولت إيران جاهدة أن تطرح مشروعها الإسلامي الأممي بأكثر من وسيلة منها: إقامة المراكز الثقافية في إفريقيا، وتقديم منح دراسية للطلاب والدارسين الأفارقة للدراسة في الجامعات والمعاهد الإيرانية. ولعل ذلك هو السبب وراء مخاوف بعض الدوائر من ظاهرة «الاختراق الشيعي» لإفريقيا.
واللافت للنظر حقاً أن ظاهرة «التشيع» الإفريقية قد ارتبطت في أحيان كثيرة بدوافع سياسية وليست دينية، ويمكن أن نذكر في هذا الخصوص نموذج الجماعة الإسلامية في نيجيريا بزعامة الشيخ إبراهيم الزكزاكي التي تأثرت تأثراً بالغاً بنموذج الثورة الإيرانية، كما أن الشيخ إبراهيم نفسه سافر إلى إيران بقصد التعلم والدراسة، وهو الأمر الذي جعل الدارسين يصنفون هذه الحركة على أنها بمثابة المظلة التي يلتف حولها «شيعة نيجيريا».
ويلاحظ أن جولة الرئيس الإيراني الإفريقية تزامنت مع جولة أخرى قام بها الرئيس التركي عبدالله غل إلى كل من كينيا وتنزانيا وأكد خلالها على ضرورة دعم الروابط التركية-الإفريقية مستفيداً من انتخاب بلاده عضواً غير دائم في مجلس الأمن الدولي، فقد أضحت تركيا تروج لنفسها باعتبارها صوت إفريقيا في الأمم المتحدة، كما أنها تحاول طرح نموذجها في صناعة السياحة وهو ما تحتاجه بعض الأسواق الإفريقية الواعدة.
وعلى أية حال فإن الكل في النظام الدولي يتحرك بحثاً عن المصلحة والمكانة، فدول الجوار الكبرى للنظام الإقليمي العربي -ولاسيما تركيا وإيران- ربما تحاول استعادة أمجاد الآباء ببناء تحالفات دولية جديدة، أما نحن العرب فقد اكتفينا بدور المتفرج الذي يردد في معظم الأوقات أنه وقع ضحية لمؤامرة كبرى. فالمتابع للإعلام العربي يجد أنه مستغرق في رفع مقولات ودعاوى «الاختراق الأجنبي» و «التمدد الإيراني» و «النزوع التركي» لإحياء أمجاد الإمبراطورية العثمانية وهلم جرا.
إن من غير المعقول في ظل هذا الواقع الدولي الجديد أن تقتصر زيارات حكام العرب على عواصم أوروبا وأمريكا وأن يتركوا أطراف نظامهم الإقليمي ساحة لتنافس المتنافسين من الجيران والأجانب. أليس من المستغرب ألا توجد في العاصمة القمرية موروني سوى سفارة عربية واحدة؟! وإذا كان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد قد زار جزر القمر، فيا ترى كم عدد من زارها من حكامنا العرب؟! أغلب الظن أن الذاكرة العربية قد نسيتها أصلاً وتركتها تغوص في مياه المحيط العميقة.
فهل يمكننا التعلم من خبرة إيران الإفريقية ونرفع شعار: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون؟
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، وخبير في الشئون الأفريقية.
*نقلا عن جريدة العرب القطرية، عدد 1/3/2009.
|