|
| أي مصير ينتظر السودان إذا اعتقل البشير؟ |
لأن المحكمة الجنائية الدولية التي درست اعتقال الرئيس البشير، وستصدر قرارها باعتقاله يوم 4 مارس الجاري 2009، نشأت بقرار من مجلس الأمن الدولي الذي تهيمن عليه الدول الكبرى خصوصا الولايات المتحدة وأوروبا، وهو أيضا، مجلس الأمن، الذي في يده تجميد محاكمة البشير أو تجميد الحكم الذي يصدر ضده، فإنه يمكن القول إن قرار اعتقال ومطاردة الرئيس السوداني عمر البشير بغرض محاكمته عما يسمي "جرائم حرب" في دارفور، أو العفو عنه، هو قرار في يد الإدارة الأمريكية أولا وأخيرا.
وهذا الأمر ألمح له الرئيس البشير قبل ستة أشهر حينما قال لحشد جماهيري وسط الخرطوم: "إذا رضي عني الغرب عليكم أن ترفضوني؛ لأنهم عندما يرضون عني، يعني ذلك أنني لست على صواب".
ولأن إدارة أوباما الحالية ما هي إلا مجموعة من الصقور المتحفزة للفتك بالبشير وعصبته، وتعتبر هذه "المحاكمة" فرصة مناسبة جدا لتنفيذ المخطط الأمريكية في إفريقيا القائم على توسيع نفوذها، وتحقيق أهداف نفطية وإستراتيجية معا، وتنحية أي عقبات من طريقها وعلى رأسها المشروع الإسلامي الذي يقوده البشير في السودان، فمن الطبيعي ألا نحلم كثيرا بأن يصدر عفو عن البشير، وأن نتفهم أن صدور حكم من المحكمة الجنائية، العاطلة عن العمل منذ إنشائها عام 2006، بمطاردته، هو هدف لهؤلاء الصقور أو على أقل تقدير فرصة لهم للضغط على الخرطوم لتقديم تنازلات وتسهيلات للنفوذ الأمريكي في القارة، بحيث يصبح "اعتقال البشير" قرارا معلقا في رقبة الخرطوم يجري تفعيله لو تحولت لمشاكس للمصالح الغربية في القارة أو وضعه في أدراج مجلس الأمن لو استجابت الخرطوم للدور المرسوم لها غربيا.
ثأر قديم مع السودان
لا أحد ينكر أن طاقم أوباما من الصقور الديمقراطيين، الذين ضربوا مصنع الشفاء للأدوية عام 1998 في عهد كلينتون بحجة أنه مصنع كيماويات، لهم ثأر قديم مع الخرطوم ولديهم فرصة مع صدور حكم المحكمة الجنائية الدولية.
كما أن الكثير من الشواهد مثل خلفية أوباما الإفريقية وتوجهات أعضاء إدارته الجدد، تشير إلى أن السودان ربما يكون ضمن أولوية إدارة أوباما، وربما يكون مقدما على بعض ملفات الشرق الأوسط، وأنه سيكون هناك وفق العديد من الدراسات الأمريكية، تحول في السياسة الأميركية تجاه السودان، بحيث تكون أكثر اعتمادا على القوة بما فيها القوة العسكرية.
لن ندلل على هذا باهتمام الرئيس الأميركي الجديد، باراك أوباما، بالقضية السودانية وإفريقيا، بسبب الخلفية الاجتماعية له، لكون أبيه كينيا من قبائل هاجرت من جنوب السودان، ولا مذكراته المعنونة بـ "أحلام والدي" التي تحدث فيها أوباما عن معرفته بتراث قبائل "اللو" ورحلاته إلى كينيا للتعرف على أصوله وعلى تاريخ والده، ورغبته في دفع ثمن لدعم الأمريكان الأفارقة له في الانتخابات.
ولن نشير لسعي قياديين في الحركة الشعبية "الجنوبية" لاستغلال هذا الأمر في الترويج لفكرة "أوباما سوداني" جنوبي (سلفاكير) يحكم كل السودان، بعد اعتقال البشير وسجنه، وفق تصورهم، وإنشاء "سودان جديد".. ولا لمعارضة أوباما، وهو سيناتور بالكونجرس، سياسات البشير في جنوب السودان وغربه (دارفور) وتصريحاته في أكتوبر 2007، ولكن سنركز علي الإستراتيجية الأمريكية لطاقم أوباما ومواقفهم الفعلية.
ولا ننسي هنا أن أول تصريحات وخطابات أبرز هؤلاء الصقور، فريق الأمن القومي، فور توليهم السلطة، كانت معادية للخرطوم والبشير.
أوباما نفسه قال في مناظرة تليفزيونية مع خصمه ماكين إبان الحملة الانتخابية، أن دارفور "تجسد له الشر في إطلاقه, وأن من يعطون الأوامر السياسية للإبادات الجماعية في دارفور, هم أدوات الشر، وواجبه سوف يكون إزاحتهم من على شاشة الرادار"!.
وكي تكون الصورة أكثر وضوحا وتحديدا، نشير لأراء أعضاء فريق صقور أوباما بشأن السودان، والتي تنزع إلى العدوانية والوسائل الإكراهية على النحو التالي:
هيلاري كلينتون
فهيلاري كلينتون وزيرة الخارجية كثيرا ما دعت إلى دور للولايات المتحدة الأمريكية لمعالجة الأزمة والصراع في دارفور، وقالت: "على واشنطن واجب أخلاقي ومسئولية بموجب القانون الدولي للعمل من أجل سلامة الملايين من المدنيين في دارفور الذين ما زالوا عرضة للهجمات".
وهي سبق أن دعت لحظر الطيران فوق دارفور لخلق غطاء على الإقليم، ولمنع "نظام البشير" من قصف القرى هناك على غرار ما حدث مع نظام صدام حسين في العراق، بل وترى ضرورة توجيه ضربة عسكرية أمريكية ضد الحكومة السودانية إذا استدعى الأمر ، وتطالب بتخويل الكونغرس الأمريكي القوات الأمريكية سلطة استخدام القوة لإنهاء "الإبادة الجماعية" هناك.
وفي مزايداتها على أوباما أثناء الحملة الانتخابية، ردا على ما قيل إن الخرطوم ساعدت أمريكا أمنيا في تحجيم نشاط القاعدة، قالت إنها لا تريد "نظام الإنقاذ" أن يحب أمريكا, ويعطيها فتات المعلومات الإستخباراتية عن المنظمات الإرهابية، ولكنها تريده أن يخاف من بطش أمريكا فهذه هي اللغة التي يفهمها، بحسب أقوالها في حملتها الانتخابية.
جوزيف بايدن
يدعو جوزيف بايدن، نائب الرئيس أوباما، إلى تعزيز سياسات أميركية أكثر تشددا تجاه السودان، ففي عام 2007 دعا إلى حل الأزمة السودانية اعتمادا على القوة العسكرية الأمريكية لمواجهة ومكافحة العنف في دارفور، ضمن ما سمي "إعلان بايدن تدعيم مهام القوات الأميركية".
وفي أبريل الماضي 2008، عقد بايدن جلسة استماع في مجلس الشيوخ تحت عنوان "استمرار الأزمة في دارفور"، تساءل فيها: "هل هذا أفضل ما يستطيع أن يفعله المجتمع الدولي استجابة للإبادة الجماعية في دارفور؟"، وردا على تساؤله قال "هذا غير مشجع، ومن وجهة نظري، غير مقبول".
وذهب إلى أبعد من هذا قائلا "الإبادة الجماعية في دارفور تحدث تحت أسماعنا وأبصارنا، ماذا سنفعل حيال هذا؟، وما نفعله الآن لا يثني النظام السوداني عن سياساته"، ووعد بالعمل على محاكمة كل من أعطى الأوامر السياسية لإشعال الإبادات الجماعية في دارفور.
سوزان رايس
تعتبر سوزان رايس، السمراء مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة، السودان أحد مهامها، وهي كانت من أشد المنتقدين لنظام البشير ولسياسة الرئيس السابق بوش تجاه السودان، وعندما كانت مساعدة لوزيرة الخارجية "مادلين أولبرايت" في إدارة كلينتون الثانية للشئون الإفريقية خلال الإبادة الجماعية في رواندا 1994 تعلمت الكثير عن تجارب الإبادة الجماعية، وسعت لتعويض الفشل الأمريكي في رواندا بحديث صاخب مبكر عن إبادة في دارفور، واستعمال القوة لمنعه لعدم تكرار تجربة رواندا.
وفي العام الماضي 2008 ، نشرت رايس، والتي كانت تعمل بمؤسسة بروكينجز كأحد كبار باحثيها، دراسة بعنوان "الإبادة الجماعية في دارفور"، تضمنت خمس توصيات تجاه كيفية التعامل مع النظام السوداني أبرزها: فرض عقوبات قاسية على الخرطوم من خلال مجلس الأمن أو الاتحاد الأوروبي، واستمرار العقوبات لحين موافقة نظام البشير على نشر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وتوحيد جميع الجماعات المتمردة في قوة متماسكة تتحدي الخرطوم، ووقف لإطلاق النار واتفاق سياسي ممكن وقابل لاستمرار.
و"رايس" من أنصار الحل العسكري مع الخرطوم، واستخدام الولايات المتحدة العمل العسكري الأمريكي بمساعدة حلفائها فيما يخص دارفور.
كما أنها تدعو إلى تعاون بين حلف شمال الأطلنطي والولايات المتحدة الأمريكية في تدريب قوات حلف السلام التابع للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ورفع كفاءتها بتدعيمها بالتكنولوجيا والاستخبارات، واستخدام قوات حلف الناتو للرد في دارفور على قوات الخرطوم.
ريتشارد هولبروك
رغم أن توجه هولبروك الشرق أوسطي يوحي بأنه من الحمائم دعاة السلام في إدارة أوباما، فإن موقفه من الخرطوم يختلف 180 درجة، ويتشابه تقريبا مع موقفه من الصرب في البلقان، والذي لعب هو دورا (حيث كان مهندس اتفاقيات دايتون التي وضعت حدا للحرب في البلقان عام 1995 إبان إدارة كلينتون) في تأديبهم بالعمليات العسكرية الأمريكية.
هولبروك يرى في تصريحاته المعلنة أن اتفاق نيفاشا بين الشمال والجنوب مهدد بالانهيار بسبب أزمة دارفور، وأنه يجب على إدارة أوباما دعم الجنوب من جهة والتدخل العسكري المباشر في دارفور لحل المشكلة علي غرار البلقان خلال التسعينيات؛ حيث نفذت الولايات المتحدة حملات العسكرية ناجحة في البوسنة وكوسوفا, أدت إلى وقف الإبادات الجماعية للمسلمين في البوسنة.
رام إيمانويل
ويعتبر "رام إيمانويل"، اليهودي الإسرائيلي الجنسية، مدير موظفي البيت الأبيض، من هذا الفريق الشرس الساعي لمعاقبة البشير والخرطوم، وهو أحد من سعوا لجعل قضية دارفور، بالتعاون مع اللوبي الصهيوني، "واجب منزلي" لكل الأمريكيين عبر تنظيم حملات لجمع تبرعات من الأهالي ومن أطفال المدارس (نصف وجبة إفطار لأطفال دارفور) كي يضغط كل أمريكي على الإدارة للتدخل في السودان.
ولعب إيمانويل دورا في تمرير قرارات في الكونجرس للموافقة على الاعتمادات المالية لإغاثة ضحايا دارفور والتي تجاوزت، في السنة المالية الحالية، حوالي مليار دولار.
وكان أيضا من أبرز الداعين لفرض حظر على مبيعات السلاح للسودان بأكمله, وليس فقط لدارفور, كما جاء في قرار مجلس الأمن، بزعم أن أي سلاح تشتريه حكومة السودان سوف ينتهي به المطاف إلى دارفور.
كما أنه صاحب فكرة تغيير مرجعية القوات الأممية في دارفور من قوات "حفظ السلام" إلى قوات لـ "فرض السلام"، وهو ما يستوجب تقويتها عسكريا ولوجستيا، أو استبدالها بقوات أمريكية أو من حلف الناتو.
بل إن "إيمانويل" يرى، كما جاء في مدونته الإلكترونية، وضع السودان تحت الوصاية الدولية لضمان الاستقرار في دارفور والجنوب وباقي أقاليم السودان، بحجة أن معظم الطاقم الحاكم في السودان حاليا وردت أسماؤهم ضمن قائمة الـ 51 اسما التي أوصت لجنة تقصي الحقائق التي أرسلها مجلس الأمن إلى دارفور في عام 2005 بمحاكمتهم أمام محكمة الجنايات الدولية لارتكابهم جرائم حرب في دارفور.
هل تتدخل أمريكا عسكريا ضد البشير؟
هذه المواقف المتشددة لأقطاب الإدارة الأمريكية الجديدة تطرح تساؤلا حول إمكانية تدخل واشنطن عسكريا في السودان بدعوى حل أزمة دارفور، غير أن المثير للحيرة أنه رغم تصريحات الرئيس الأمريكي الجديد وأعضاء إدارته المتشددة بشأن أزمة دارفور والأوضاع الإنسانية المتدهورة في السودان، إلا أنه لا يمكن تحديد السياسة التي ستتبعها إدارة أوباما الجديدة تجاه السودان بدقة، خصوصا فيما يخص محاكمة البشير واعتقاله.
فمع أن أوباما يؤيد تشديد العقوبات وإنشاء منطقة حظر الطيران، إلا أنه يتحفظ على دعاوى التدخل الأمريكي المباشر في السودان؛ لأن الإستراتيجية العامة لإدارته تقوم على الانكماش الداخلي وتقليص النفقات ضمن خطط تحسين الاقتصاد الأمريكي.
وهناك من يري من المحللين الأمريكيين أن الإبقاء على وزير الدفاع روبرت جيتس في إدارة أوباما يعني دعم أوباما الضمني لجيتس في التأكيد على أن الولايات المتحدة لن تقدم الدعم العسكري لفريق حفظ السلام في السودان، وستكتفي فقط بالعمل الدبلوماسي ولغة التهديد.
كما أن اختيار أوباما للجنرال المتقاعد، والقائد السابق لقوات حلف شمال الأطلسي، جيمس جونز كمستشار للأمن القومي، يشير إلى رغبة الرئيس الأمريكي في تقييد أفكار التدخل العسكري في السودان، والتأكيد على أن أي انخراط لحلف شمال الأطلنطي في دارفور ينبغي أن يقتصر على تقديم الدعم للقوات الدولية، وليس التدخل، وأن أوباما سيواصل اتباع نهج الدبلوماسية لتسوية الأزمة.
ويقول أنصار الحل الدبلوماسي، لا العسكري، في دارفور إن دعوة الرئيس الأمريكي الجديد ونائبه إلى العمل العسكري كانت مجرد "شعارات انتخابية"، أما الواقع فمختلف تماما، فأوباما يحسب الآن كل دولار قد ينفق في العمل العسكري ليوفره لدعم خطته الاقتصادية، خلافا لوعوده بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وتأييده قرار المحكمة باعتقال الرئيس البشير.
ولا ننسى هنا أن هناك، كما كشف الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل مستشار الرئيس السوداني، اتصالات جرت بين الخرطوم والحزب الديمقراطي عقب فوز أوباما، وأن رسالة الخرطوم لأوباما كانت "إما التطبيع أو المواجهة".
وقال "عثمان"، خلال زيارته لأمريكا في نوفمبر الماضي بصحبة سلفاكير نائب البشير، "التقيت عددا من رموز وقيادات الإدارة الأمريكية الجديدة، ومنهم من يحسبون صقورا في الإدارة الجديدة، خاصة تجاه السودان، وما سمعته منهم يجعلني أقول إن هذه الإدارة لن تكون أسوأ من سابقتها في التعامل بشأن ملف دارفور، وربما الملفات القادمة".
لوبي أمريكي لدعم اعتقال البشير
غير أن استبعاد التدخل العسكري من قبل إدارة أوباما لا ينفي أن هناك "لوبي أمريكي" يؤجج قضية دارفور، ويدعم اعتقال البشير، ويضغط علي إدارة أوباما، وهو لوبي تقوده جهتان هما: تحالف "أنقذوا دارفور" الذي يسيطر عليه اللوبي الصهيوني، ومتحف "هولوكوست" اليهودي.
وليس سرا أن هذا اللوبي الصهيوني اختار هذه القضية لعلمه أن هناك إجماعا أمريكيا عليها من جهة، ولتبييض صورة ووجه الدولة الصهيونية التي تمارس التطهير العرقي في فلسطين، وإظهارها بمظهر متحضر يعارض "الإبادة والتطهير العرقي"، إضافة لتقديم خدمة للأمن الصهيوني بمنع ظهور دولة كبرى قوية في إفريقيا تعادي المصالح الصهيونية، وهي السودان، وهو أمر سبق أن أشار إليه مسئولي الاستخبارات الصهيونية في تقارير رسمية.
قد تكون الصورة بالتالي غامضة فيما يخص الموقف الأمريكي الرسمي تجاه مسألة اعتقال البشير أو التدخل لتجميد قرار اعتقاله، برغم المواقف الأمريكية المعلنة الساخنة لأقطاب إدارة أوباما، ولكن هذا الغموض يمكن تفسيره لصالح الخرطوم، بمعني أن واشنطن والغرب ربما ينتظرون الثمن من الخرطوم، عبر تنازلات، لتجميد القرار في مجلس الأمن بعد صدوره.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|