English

 

الاثنين. مارس. 2, 2009

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » السودان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

ماذا لو أصدرت الجنائية أمر اعتقال البشير؟ *

هانئ رسلان

Image
الرئيس البشير
بعد الإعلان عن موعد قرار المحكمة الجنائية الدولية تجاه الرئيس البشير في الرابع من مارس‏,‏ أصبحت الأزمة التي تثيرها هذه القضية أمرا واقعا يطرق الأبواب بقوة في السودان‏.‏

وقد كثر الحديث عن ما هي الانعكاسات المحتملة لصدور قرار التوقيف على الأوضاع الداخلية في السودان ثم على وضعية السودان في الإطارين الإقليمي والدولي؟ وفي الوقت نفسه تبرز التساؤلات حول جدارة المحكمة وصدقية البيانات والشهادات التي تعتمد عليها في هذا التحرك الخطير‏.‏ وما هي الأضرار أو المخاطر التي يمكن أن تقع على مصر من جراء أي تدهور للأوضاع في السودان‏.‏

سيناريوهان أمام السودان

أولا‏: ‏في حالة صدور قرار الاتهام‏,‏ فإنه من المتوقع أن يحدث ذلك ارتباكات هائلة على الساحة الداخلية في السودان‏,‏ فالحركات المسلحة في دارفور سوف تكون في حالة بعث جديد ونشاط إعلامي محموم‏,‏ وسوف تتعنت أكثر وأكثر وترفع أسقف مطالبها إلى ما لانهاية‏,‏ وربما يحاول بعضها أن ينشط عسكريا للمزيد من صب الزيت على النار واستعجال النتائج‏.

‏كما أن حالة الاستقطاب السياسي الحاد في الداخل ومناخ التوتر والتحفز وفقدان الثقة في ظل حالة العودة إلى الانتماءات الأولية‏,‏ قد تؤدي من بين نتائج عديدة محتملة إلى وقف العمل باتفاقية نيفاشا‏,‏ ومن ثم وقف العمل بحق تقرير المصير لجنوب السودان المقرر في عام‏2011,‏ وتأجيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والولائية المقررة في هذا العام‏2009.

وقد يكون هناك رحيل محتمل لبعثة الأمم المتحدة وقواتها‏,‏ أو بقائها في وضع غير آمن‏,‏ الأمر الذي يعني أن السودان سيكون في الداخل مواجها بخيارات صعبة‏,‏ وذات مسارات ضيقة‏,‏ وقد ينزلق نتيجة لتصرفات غير محسوبة إلى العودة إلى الحرب الأهلية‏,‏ أو التحول إلى الفوضى‏.‏

عقب صدور القرار من المتوقع أيضا أن تقوم المحكمة الجنائية بالتوجه إلى مجلس الأمن لمحاولة استصدار قرار بالتوقيف أو الاعتقال‏,‏ لا سيما وأن مجلس الأمن هو الذي أحال القضية إلى المحكمة‏,‏ وهنا سوف يكون هناك أحد احتمالين‏,‏ يتمثل أولهما في التوصل إلى تفاهمات مع الدول الغربية صاحبة الفيتو في مجلس الأمن وهي أمريكا وبريطانيا وفرنسا‏.‏

وهذا الاحتمال قائم بالنظر إلى أن ردود هذه الدول على التحركات العربية والإفريقية المطالبة بالتجميد‏,‏ كان يتمحور في القول بأن الوقت لم يحن بعد‏.

والتجميد يمكن أن يتم عبر تفعيل المادة ‏16‏ من ميثاق روما والتي تعطي لمجلس الأمن الحق في إيقاف تحركات المحكمة تجاه السودان لمدة عام قابل للتجديد بدون حد أقصي لمرات هذا التجديد‏,‏ الأمر الذي يعني أن الهدف هو إجبار الحكومة السودانية على تقديم تنازلات لم تكن تقبل بها من قبل‏,‏ مع إبقاء سيف قرارات المحكمة مصلتا على رقبتها‏, ‏حيث يتم تجديد القرار عاما بعام‏.‏

وهذه التفاهمات المطلوبة من غير المعروف الآن طبيعتها أو تفاصيلها‏,‏
وإن كان يمكن التنبؤ بأنها قد تصب في إجبار الحكومة السودانية على قبول تسوية سياسية تجعل ولايات دارفور الثلاث إقليما واحدا بحكومة إقليمية على غرار جنوب السودان وأن تعطي صلاحيات هائلة لهذه الحكومة تغل يد الحكومة القومية في الخرطوم‏,‏ وتضع مقدرات الإقليم في يد العناصر التي يتم تحضيرها الآن‏,‏ والتي أصبح بعضها أداة علنية في يد الموساد الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات الغربية‏.

وقد يتم وضع آليات أخري في هذه التسوية على غرار ما حدث في اتفاقية نيفاشا لاستدراج تداعيات مماثلة في كردفان والشرق وأقصي شمال السودان‏,‏ الأمر الذي يعني أن المستهدف هو سيناريو التجزئة من الداخل لكل السودان كمرحلة انتقالية‏,‏ قد يعقبها الفصل الكامل لإقليم دارفور فيما بعد‏,‏ مع إمكانية تكرار السيناريو في أقاليم أخري‏.‏ وهذا يعني إنهاء وجود السودان كدولة بوضعها وحدودها الحالية‏,‏ لأنه اكبر من أن يتم السماح له بالبقاء كدولة موحدة قادرة على التماسك وانتهاج سياسة تنموية فاعلة‏.‏

أما الاحتمال الثاني فينصرف إلى رفض الدول الغربية الثلاث صاحبة الفيتو‏,‏ لمسألة التجميد هذه‏,‏ ومن ثم محاولة فرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية على السودان‏,‏ عبر قرارات جديدة من مجلس الأمن‏,‏ الأمر الذي يعني المزيد من التعقيد‏,‏ لأزمة دارفور وللأوضاع الداخلية الأخرى,‏ والذي يعني من الناحية العملية أن هناك تغيرا في منهج التعامل مع السودان وتسريع عمليات عدم الاستقرار وصولا إلى التجزئة‏,‏ أو أنه يمثل دعوة صريحة لسيناريو ثالث يعمل على تنحية الرئيس البشير فيما ينظر إليه باعتباره استجابة لتحديات الوضع القانوني الذي يفرزه قرار المحكمة‏,‏ ولكنه سيكون مقرونا بأحداث تحولات كاملة في توجهات النظام وسياساته‏,‏ إلا أن هذا الأمر نفسه محفوف بمخاطر جمة في التطبيق‏,‏ ويبدو أيضا محدود الفائدة‏,‏ فمن الممكن تكرار نفس الاتهامات لمعظم القادة الحاليين للنظام استنادا إلى المبرر نفسه، وهو المسئولية عن الانتهاكات في دارفور على أساس تسلسل القيادة‏.

دارفور على خطى الجنوب

إذن نستطيع أن نخلص من ذلك إلى أن تحركات المحكمة‏,‏ والطريقة التي يتم بها توظيف هذه التحركات تمثل في حقيقة الأمر خطوة متقدمة لأخذ إقليم دارفور إلى نفس مسار أزمة جنوب السودان‏,‏ مما يعني أن المخاطر الحالية للمحكمة تقع على بنية الدولة نفسها‏,‏ وعلى قدرتها على الاستمرار‏,‏ والبقاء في ظل المرحلة الانتقالية الحرجة التي تمر بها‏,‏ وهذا هو ما يجب الانتباه له‏,‏ دون الانخراط في الكثير من الجدل والتفاصيل المتعلقة بالتداخل بين السياسي والقانوني‏,‏ ودون الخضوع للابتزاز المتمثل في القول بأن معارضة تحركات المحكمة تعني الدفاع عن هذا النظام أو ذاك‏,‏ أو شخص هذا القائد أو ذاك‏,‏ أو تأييد انتهاكات حقوق الإنسان‏..‏ أو الإفلات من العقاب‏.‏

والشاهد أنه لو كانت هناك رغبة حقيقية في تسوية أزمة دارفور‏,‏ وإنهاء معاناة المتأثرين بها‏,‏ لكان من الممكن إتباع المسار البديل المتمثل في العمل على إقرار تسوية مقبولة على قاعدة الحفاظ على وحدة السودان‏,‏ مع تضمين هذه التسوية ترتيبات واضحة للتعويضات وجبر الأضرار وإقرار أسلوب العدالة الانتقالية‏,‏ لا سيما أنه كانت هناك فرصة حقيقية لتكريس التحولات الجارية في السودان‏,‏ من التفاعلات الصراعية إلى القبول بالعمل السياسي كوسيلة لبلوغ الأهداف‏,‏ والسعي إلى بناء وفاق جديد في السودان عبر الانتخابات الرئاسية والتشريعية والولائية التي كان من المقرر إجراؤها في النصف الثاني من هذا العام‏,‏ لاسيما وأنه كان من المقرر أيضا أن تكون هذه الانتخابات عبر رقابة دولية‏,‏ وان تتشكل بناء على نتائجها حكومة جديدة بناء ذات شرعية يصعب التشكيك فيها‏.‏

في هذا السياق يجب الانتباه إلى المخاطر التي تحتملها هذه التطورات على مصالح مصر وأمنها القومي بمفهومه الشامل‏,‏ وهي تتمثل إيجازا في عنصرين أساسيين يتعلقان بتهديد أمنها الإستراتيجي عبر الفوضى في جنوبها‏,‏ والتي سوف تؤثر في منطقة واسعة تشمل منطقتي القرن الإفريقي وإقليم البحيرات العظمي‏,‏ وهذا يعني إعادة صياغة التوازنات في هذه المنطقة خصما على مصر ووقوعها في براثن الولايات المتحدة وإسرائيل واستخدام الأوضاع المستجدة في تضييق الخناق على مصر وفرض إملاءات معينة عليها‏,‏ بالإضافة إلى التعقيدات الهائلة المتوقعة في ملف المياه في ظل هذا الوضع‏.‏ ويتمثل العنصر الثاني في إحكام حصار مصر داخل حدودها وإجبارها على التقوقع‏,‏ وعلى الغرق في همومها الداخلية‏,‏ وقطع أي طريق على أي مسار جديد للنهوض بالتعاون مع السودان ودول حوض النيل‏.


الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية- الأهرام  

*مقال نشر بصحيفة الأهرام المصرية تحت عنوان "السودان والمحكمة الجنائية.. السيناريوهات والمخاطر"، الاثنين 2 مارس 2009.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات