|
| السودان |
اهتمت الولايات المتحدة الأمريكية طوال الأربع سنوات الماضية بأزمة دارفور، والتي لقي فيها أكثر من مائتي ألف حتفهم وشرد فيها أكثر من 2 مليون شخص (حسب ما تعتقد بعض المصادر الأمريكية). وحتى الآن، لا تزال قوات حفظ الأمن والسلام التابعة للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة منتشرة بشكل جزئي في هذه المنطقة، ولكن عجلة المفاوضات قد توقفت تماما. كما تثير الاشتباكات المتواصلة في جنوب السودان مخاوف من انهيار اتفاقية السلام الشامل التي طبقت عام 2005، ما قد يؤدي إلى حدوث حرب أهلية تضع البلاد أمام كارثة كبيرة.
وقد تعاملت إدارة بوش السابقة مع أزمتي دارفور وجنوب السودان على أنهما قضيتان منفصلتان، الأمر الذي أدى إلى وجود شرخ سياسي بالسودان. ويرجع الخبراء هذه الأزمة إلى الحكومة المركزية للخرطوم، والمتهمة بالتعامل كنظام سياسي له وجهان. بجانب ذلك، هناك خلاف واسع حول أفضل مسار سياسي ينبغي أن تتبعه الولايات المتحدة في السودان، لكن المحللين يتفقون على أن أي سياسة فعالة يجب أن تضع في اعتبارها السياسة الداخلية للسودان وعلاقتها المركزية بمن حولها.
الخرطوم والمناطق المحيطة
ويعد السودان من أكبر دول قارة إفريقيا وتعادل في مساحتها أوروبا الغربية. ومنذ استقلالها عام 1956، عانت من حرب أهلية مستمرة بين الشمال والجنوب الذي اعترض على عزلته وانعدام تنميته بالمقارنة بالشمال.
وبعد حدوث الانقلاب العسكري الذي أتى بالرئيس عمر البشير رئيسا رسميا للسودان في عام 1989، قام حزب المؤتمر القومي التابع له بتحفيز الثورة الإسلامية التي عززت من الأمن والمصالح التجارية على حساب المناطق الريفية. ونتيجة لذلك، دخلت جماعات عديدة في صراع مع الحكومة المركزية.
ووفقا لتقرير أصدرته المجموعة الدولية للأزمات عام 2003، شعرت هذه المجموعات بالتهميش نتيجة لاستغلال الحكومة للموارد المحلية وقيامها بفرض معتقداتها الدينية والثقافية على السكان المحليين. ولم تكتف الحكومة بذلك، بل أشعلت الصراع بين القبائل والجماعات العرقية لتحقيق مكاسب تكتيكية. وفي النهاية، أرجعت الحكومة التخلف الذي يعاني منه الجنوب إلى الحروب الأهلية التي تدور في هذه المنطقة.
وفي مقال نشر أوائل هذه العام بمجلة الشئون الدولية "إنترناشونال أفيرز"، أكد أليكس دي وال، الباحث المتخصص في الملف السوداني، أنه لفهم أسباب هذه الصراعات ينبغي دراسة السوق السياسي للسودان، والذي كان يتفاوض فيه قادة المقاطعات المختلفة مع حكومة السودان على ثمن ولائهم.
ففي كل مرة تبدأ فيها عجلة مفاوضات صادقة مع الحكومة، يقوم هؤلاء القادة باستهداف الأصول الاقتصادية والبشرية من صفوة المجتمع. وعلى سبيل المثال، قد يهاجمون تاجرا كبيرا أو قائدا للجيش كوسيلة للفت الانتباه، ثم يقومون بمساومة الحكومة للإفراج عنهم. وفي هذه الحالة ترد الحكومة إما بالعنف أو التسوية.
ولا تزال المناطق المشتعلة فيها الصراعات هي:-
أولا: دارفور
في فبراير 2003، قام المتمردون في منطقة دارفور بغرب السودان بانتفاضة، وطالبوا بالمساواة في التمثيل في الحكومة وتحسين البنية التحتية في المنطقة. وكان رد فعل الحكومة هو إرسال جماعات عربية مسلحة تعرف باسم الجنجويد، قامت باستهداف قرى الجماعات المتمردة، وأدى العنف بالتالي إلى تشريد الملايين من الناس ومصرع ما لا يقل عن 200 ألف. وعلى الرغم من إعلان اتفاق سلام شامل عام 2006، لم تتمكن قوات حفظ الأمن والسلام المختلطة -من الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي- من وقف العنف.
ثانيا: جنوب السودان
يضم جنوب السودان 85% من إجمالي النفط بالسودان، وقد حارب من أجل الحصول على الاستقلال مرتين: الأولى من عام 1955 وحتى عام 1972 والثانية من عام 1983 وحتى عام 2005. وفي محاولته الثانية شارك الجيش الشعبي لتحرير السودان في حرب الجنوب، واكتسب شرعيته السياسية عام 2005 بموجب اتفاق السلام الشامل، وعرف باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان.
وقد منح اتفاق السلام هذا الجزء الجنوبي الغني بالنفط حق الحكم الذاتي لمدة ست سنوات حتى إجراء استفتاء على الانفصال. ولكن فشل تنفيذ توصيات هذا الاتفاق أدى إلى وجود صراع مسلح بين الجيش الشعبي لتحرير السودان والحكومة السودانية في عام 2008، ويخشى المحللون من تجدد هذه الاشتباكات.
ثالثا: جنوب كردفان
تقع هذه المنطقة على الحدود بين الشمال والجنوب، وهي نتاج اتفاق السلام الشامل. وتعد أرضا خصبة للزراعة، والمنطقة الوحيدة التي يوجد بها احتياطي نفط لشمال السودان. وعلى الرغم من ذلك، فهي واحدة من أفقر مناطق السودان. وخلال الحرب التي قامت بين الشمال والجنوب، كانت كردفان ساحة حاسمة للمعركة. ولم يمنع البروتوكول الذي وضعه اتفاق السلام الشامل لهذه المنطقة من حل مشكلتها، وأدى إهماله إلى وجود اضطرابات لأن وجود سلام في هذه المنطقة تحديدا يثير تساؤلات حول عملية السلام بأكملها في المنطقة، وذلك وفقا لتقرير أصدرته المجموعة الدولية للأزمات في أكتوبر 2008.
رابعا: شرق السودان
اندلع القتال في شمال شرق السودان عام 2005 بين الجبهة الشرقية، المكونة من مجموعة من المتمردين، وبين القوات الحكومية. وقد دعم الجيش الشعبي لتحرير السودان ومتمردو دارفور الجبهة الشرقية. وفي أكتوبر 2006 وقعت الجبهة الشرقية اتفاقا لتقاسم السلطة مع الخرطوم، ولكن التقارير أشارت إلى أن تنفيذ هذه الاتفاقية لا يزال بطيئا.
اتفاق السلام الشامل ليس شاملا
ويتفق الخبراء على أن السودان لن تكون دولة مستقرة حتى تتم مخاطبة قضية عدم المساواة بين المركز والمناطق المحيطة. ومع ذلك يختلفون عما إن كان اتفاق السلام الشامل لعام 2005 يسهل أم يعوق هذه المسألة. وقد وصف بعض منهم هذا الاتفاق بأنه صفقة ثنائية بين حزب المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم للشمال) وبين الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب فقط. ويستبعد أي جزء آخر في مناطق تعاني من صراعات مثل دارفور، حيث قال مفاوض كيني الجنسية للمؤرخ السوداني إدوارد توماس "كلمة شامل تعني من وجهة نظري كل أطراف السودان.. وهذا لم يكن ضمن طاولة المفاوضات.. الحكومة لن تسمح به.. ففي كل مرة أحاول فيها إثارة الموضوع يقولون لي: هل تريد حل جميع المشكلات في آن واحد؟.. انظر إلى دارفور وإلى جنوب السودان.. لدينا أزمات عديدة".
وفي الواقع، يرى الشعب السوداني في دارفور أن اتفاق السلام الشامل كان مجرد صفقة تم التوصل لإبرامها على حسابهم. وكما يعتقد عمر إسماعيل، الباحث المتخصص في السياسة السودانية بكلية كيندي بجامعة هارفارد، أن المفاوضين في الجنوب يعتقدون أن اتفاق السلام الشامل عصا سحرية لمشاكل أخرى في السودان. وتؤكد المجموعة الدولية للأزمات أن اتفاق السلام الشامل هو اتفاق محوري للسلام، ويجب أن تعالج أزمة دارفور من خلاله، كما أنه عندما منح الاتفاق للجنوب الحكم الذاتي لمدة ست سنوات قبل الاستفتاء على الاستقلال والانفصال التام، فإنه بذلك يرسخ مبادئ الديمقراطية ويعطي فرصة للسودان لتطوير النظام الديمقراطي بها، بما في ذلك الانتخابات والإصلاح الدستوري.
وعلى الرغم من أن الاتفاق يستبعد دولا فاعلة في المنطقة، تعاني من صراعات عديدة مثل دارفور وجنوب السودان، فإنه يدعو إلى إعادة تشكيل الدولة عن طريق الحكومة المركزية. وقد كتب إدوارد توماس في مركز شاتام هاوس البريطاني، أن "مسألة تقاسم السلطة والأرض والانتخابات يزيد من أزمة السودان، ومن تفاقم فرص انهيارها". وأشار إلى عوامل تحدث الاتفاق عنها ستؤثر على كل السودان، وهي:
أولا: الانتخابات
يدعو اتفاق السلام الشامل إلى إجراء انتخابات عامة قبل منتصف عام 2009، وذلك بهدف إحلال مسئوليين منتخبين محل السياسيين المعينيين. ومن المفترض أن تضم الانتخابات حكام الولايات ومجالسها ورؤساء لشمال وجنوب السودان، والجمعية الوطنية في الخرطوم، والجمعية التشريعية لجنوب السودان. ولا يمكن واقعيا إجراء هذه الانتخابات قبل إتمام عملية تعداد السكان، والتي كان من المفترض أن يتم الانتهاء منها في يوليو 2007.
ثانيا: تقاسم الثروة
يقترح اتفاق السلام الشامل توزيع أكبر حصة من عائدات النفط إلى الجنوب وإلى صناديق التنمية التي تستثمر في المناطق المتضررة من الصراع، ونقل المزيد من الموارد لمناطق أخرى. ووفقا للبنك الدولي، تقدر النسبة المئوية للنفقات الحكومية التي وزعت من قبل الدولة من 8% في عام 2000 إلى 35% في عام 2007.
ثالثا: الأراضي
وعد اتفاق السلام الشامل بإنشاء اللجنة الوطنية للأراضي لتسوية الأنظمة القانونية المتعددة لملكية الأرض في بعض المناطق، إذ تقوم الدولة بتأجير بعض المناطق القبلية، وفي مناطق أخرى تقوم بتمليكها. ويعتقد الخبراء أن حل المشكلات في المناطق المحيطة يتطلب حل أزمة الأراضي خاصة في مناطق مثل دارفور حيث تعوق قضية التشريد الجماعي مسألة الملكية.
وعلى الرغم من اعتقاد الكثيرين بأن اتفاق السلام الشامل وسيلة لتحقيق الاستقرار في السودان، فإن هناك درجات متفاوتة من التشاؤم بشأن صعوبة تنفيذ الاتفاق بصورة كاملة، فمن أجل وجود اتفاق حقيقي، ينبغي إصدار أحكام حاسمة بشأن انسحاب القوات المسلحة من كلا الجانبين وترسيم الحدود والانتخابات وتقاسم الثروة، لأن تجاهل وإهمال أي بند من هذا الاتفاق يثير تساؤلات خطيرة حول مدى إمكانية تنفيذ الاتفاق كاملا قبل عام 2011 عندما يجري جنوب السودان استفتاءً حول استقلاله.
ويؤكد الخبراء أن الجهات الغربية المانحة التي تدعم التفاوض على اتفاق السلام تعاني من التشتت بسبب أزمة دارفور على الرغم من ضرورة الاهتمام بالموارد المالية اللازمة لتنفيذ الاتفاق؛ فعلى الرغم من التعهد بتقديم 1.4 مليار دولار لمشاريع إعادة الإعمار في جنوب البلاد للفترة من 2005 إلى 2007، تم استلام 300 مليون دولار فقط وفقا للحركة الشعبية لتحرير السودان.
البحث عن الاستقرار في السودان
كان للولايات المتحدة الأمريكية دور أساسي في التفاوض بشأن اتفاق السلام الشامل، ولكنها ركزت فقط على دارفور. وفي عام 2008، دعا بعض المحللين إلى سياسة يطلق عليها "كل السودان"، تلك السياسة التي ترتكز على حل المشكلات التي تعوق تنفيذ اتفاق السلام الشامل وعلى حل أزمة دارفور في وقت واحد. قد تبدو تفاصيل هذه السياسة متباينة، فقد دعا أندرو ناتسيوس، مبعوث الولايات المتحدة السابق بالسودان، إلى المشاركة في إستراتيجية توفر خريطة طريق لتطبيع العلاقات الأمريكية السودانية في الوقت الذي تضغط فيه واشنطن لتنفيذ الاتفاق.
وقد كتب ناتسيوس في مجلة الشئون الخارجية "فورين أفيرز"، أنه على الرغم من ضعف الحزب الحاكم في السودان، فإنه لا يزال قويا ويستعد لقتل أي شخص وترك كم هائل من الضحايا المدنيين وانتهاك كل المعايير الدولية لحقوق الإنسان من أجل البقاء في السلطة بغض النظر عن الضغوط الدولية، لأنه في حال ضياع السلطة منهم سيواجهون ردا عنيفا من الداخل وسيعرضون لمحاكمات جرائم الحرب في الخارج.
ويرى آخرون أن العقاب هو الوسيلة الوحيدة للضغط على الحزب الحاكم لتغيير تصرفاته. وفي رسالة مفتوحة عام 2009 لباراك أوباما الرئيس الأمريكي المنتخب، أوصى ائتلاف (أنقذوا دارفور) الإدارة الأمريكية بفرض منطقة حظر للطيران فوق دارفور وسن عقوبات هادفة ضد المسئولين السودانيين وتوسيع عملية حظر الأسلحة المفروض على السودان. وفي إحدى كلماتها، دقت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية ناقوس الخطر بشأن أزمة دارفور قائلة: "إن سياسة حظر الطيران والعقوبات تعتبر من خيارات السياسة العامة".
ويرى الخبراء أن الخرطوم لا تستجيب للتهديدات أو العقوبات وخاصة أنها لا تزال تتمتع بتأييد ودعم روسيا والصين لها في مجلس الأمن. كما أن العديد من المسئولين يضيعون الوقت في محاولة معرفة كيفية محاكمة الرئيس عمر البشير من قبل المحكمة الجنائية الدولية التي تعتبر بالنسبة للحكومة السودانية خطرا كبيرا يهدد بقاءها.
ويشير عدد قليل من الخبراء إلى أنه ليس هناك الكثير مما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة للتأثير على الوضع السياسي في السودان. كما يؤكدون أنه لا يمكن لأي طرف حل مشكلات السودان إلا أطراف السودان أنفسهم، حيث يؤكد عمر إسماعيل، الباحث بكلية كيندي، -والذي نشأ في دارفور- على أن اتفاق السلام في حاجة إلى إعادة نظر، كما طالب المؤرخ السوداني إدوارد توماس بتمويل الدراسات لفهم سياسة الأراضي في السودان وضرورة التخطيط لاحتمال استقلال جنوب السودان.
محررة أخبار بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي.
*مقالة نشرت تحت عنوان "السياسات الداخلية الممزقة في السودان" ، على موقع مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، وهو مركز أبحاث أمريكي مرموق، أسس عام 1921، يترأسه حاليا ريتشارد هاس، مدير تخطيط السياسات الأسبق بوزارة الخارجية الأمريكية . ويصدر المجلس دورية "شئون خارجية" ذائعة الصيت.
|