|
| صورة التقطت لحي البستان في العام 1914 |
بيوت تاريخية.. بقايا أشجار تفوح من أغصانها رائحة التين والرمان.. خرير المياه المتدفق يداعب المكان قبل أن يختفي في جذور الأشجار التي تزين البساتين وحدائق البيوت.. ملامح من الجمال الرباني ظل يعيشها لمئات السنين أهالي حي البستان في قرية سلوان بمدينة القدس المحتلة، والذي يعد "المفتاح لأنفاق الأقصى التاريخية".
لكن نشوة أهالي الحي بذلك الجمال بدأت تتبدد، وحل القلق والتوتر محلها بعد أن قررت بلدية الاحتلال بالقدس مطلع الأسبوع الجاري هدم الحي وطرد ساكنيه، ووزعت بلاغات على السكان المقدر عددهم بنحو 1500 مواطن، تطالبهم فيها بترك منازلهم تمهيدا لهدمها وإقامة حديقة عامة مكانها بحجة "عدم وجود تراخيص بناء" للمنازل التي يعود تاريخ معظمها للفترة بين عامي 1860 و 1920.
ويبعد الحي عن السور الجنوبي للمسجد الأقصى ما بين 300 إلى 400 متر، ويمتد على مساحة 57 دونما (57 ألف متر مربع)، وبذلك يكون الحاضن الجنوبي للأقصى والبلدة القديمة من مدينة القدس.
ويعتبر من الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، وبهدمه يتمكن الاحتلال الإسرائيلي من فصل الأحياء الفلسطينية ذات الكثافة السكانية عن البلدة القديمة للمدينة.
إرث الآباء
أمام بيته الدمشقي الطراز يجلس فخري أبو ذياب (47 عاما).. لا يعرف من أين يبدأ الحكاية، "ولدت هنا، وورثت هذا البيت عن والدي.. ولن نتركه ولو على أجسادنا.. فهو الذي يؤوي أطفالي ولا بديل لنا عنه".
يداعب بين يديه غصن رمان جاف وهو يحدث بما يجول في خاطره: "أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر من هذا الحي عندما جاء فاتحا القدس.. وعلت تكبيراته من على هذه التلال المجاورة".
ويكمل أبو ذياب قصته بينما تختلط كلماته بخرير مياه عين عذبة تتدفق بين الصخور التي يتربع عليها الحي، لطالما ارتوى منها كل من عاش بحي البستان أو جاوره، ويقول: "هذه عين ماء سلوان.. رمز تاريخي للحي منذ نشأته.. أعرفها جيدا منذ ولدت.. تضخ مياهها دون توقف.. لم تتأثر يوما باختلاف الجو والمناخ".
يسرح بخياله قليلا، ويضيف: "أتذكر عندما ذهبت والدتي رحمها الله عام 1970 لأداء فريضة الحج، فحملت معها كيسا مليئا بتراب الحي، وكانت وصيتها أنها إذا توفيت خارج البلد أن يوضع هذا التراب على قبرها".
بيوت تاريخية
يتمتم أبو ذياب متسائلا: "لا أعرف كيف يقولون (الاحتلال) هذه بيوت دون ترخيص؟! بيوت الحي يعود بناء عدد منها إلى عام 1860م، والبعض الآخر إلى الفترة ما بين 1900- 1920 أي بنيت قبل احتلال القدس عام 1967.. حجة البناء بدون ترخيص أمر وهمي وذريعة إسرائيلية الهدف منها تنفيذ المخطط الرئيس وهدم الحي".
ويسترسل: "يدعي اليهود أنه قبل نحو 3 آلاف عام كان أصل هذا الحي يهوديا ويحمل اسم حي الملك داود نسبة إلى نبي الله داود عليه السلام.. هذا ادعاء باطل يحاولون من خلاله التأثير في نفوس العالم من مدخل ديني".
سليمان العباسي، رئيس لجنة الدفاع عن أراضي وعقارات سلوان وأحد سكان حي البستان، يتفق مع ما ذهب إليه أبو ذياب مؤكدا: "الحي مستهدف بحجج دينية.. فهي منطقة كنعانية أثرية قديمة، ولم تسفر التنقيبات منذ أكثر من مائة عام وحتى اليوم عن أي أثر يدعم ادعاء إسرائيل وبلديتها ويمكنهم من السيطرة عليها واحتكارها".
ويتابع موضحا: "هذا الحي كان بستانا واسعا نزرع فيه مختلف أنواع الخضار، ويُسقى بمياه عين سلوان، وكان مقسما بين عائلات البلدة.. البستان يعود اليوم إلى 150 عائلة تقريبا، منها من قامت بالبناء فيه، ومنها من احتفظت بالأرض وواصلت زارعتها".
ومن أبرز العائلات الفلسطينية التي تعيش في حي البستان: عائلة أبو ذياب، وصيام، والعباسي، وعودة، والرويضي، وبدران، وأبو شافع.
واكتسب الحي اسمه من طبيعته، إذ اشتهر - ولازال - بزراعة الفواكه بأنواعها، وخاصة ثمار التين والرمان.. وهو ما يشكل مصدر عيش لأهالي الحي والأحياء المجاورة.
ويكابد المقدسيون دوامة من الإجراءات والسياسات الإسرائيلية التي تستهدف تهويد المدينة، خاصة من خلال تغيير التركيبة الديمجرافية لصالح اليهود؛ استعدادا لأي تسوية مقبلة مع الفلسطينيين.
مفتاح أنفاق الأقصى
عمار العاروري، منسق الائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في القدس، لفت بدوره إلى أن "يولي الاحتلال اهتماما كبيرا لهذا الحي ويسعى للسيطرة عليه بكل الطرق المتاحة.. فهو يشكل مفتاح الوصل إلى أسفل المسجد الأقصى والبلدة القديمة".
ويستطرد قائلا: "فبداخل الحي توجد نقطة البدء لعدد من الأنفاق التاريخية التي كان يستعملها سكان البلدة القديمة والمسجد الأقصى لنقل المياه من عين سلوان، والاحتلال يريد الاستيلاء على مداخل هذه الأنفاق حتى يستطيع الوصول بأريحية إلى أسفل المسجد الأقصى وتنفيذ مخططاته لهدمه".
وتحذر العديد من الجهات المعنية بشئون القدس والمسجد الأقصى من أن الأنفاق التي تحفرها سلطات الاحتلال أسفل الأقصى والمدينة المباركة ستجعل المدينة معلقة فوق شبكة من الأنفاق؛ ما يهدد أجزاء من الحرم القدسي الشريف ومباني أخرى بالانهيار.
والأنفاق التي يتم حفرها إما أنفاق حديثة أو تجديد لأنفاق قديمة كانت مجاري للمياه يستخدمها سكان القدس، وتمثل جزءا من التاريخ الحضاري للمدينة المحتلة.
وإضافة إلى الأنفاق فإن جدار الفصل سيفقد مدينة القدس نحو 90% من أراضيها، بحسب دراسة أعدها المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات في مايو 2006.
وبسبب هذا الجدار هدم الاحتلال 57 منزلا في عام 2007؛ ما تسبب في تهجير 1635 أسرة، كما صادر 11100 دونم (الدونم الواحد يساوي ألف متر مربع) عام 2005، وفقا لتقرير أصدره جهاز الإحصاء الفلسطيني في يونيو 2008.
|