|
| تفجير الأزهر.. تفسيرات عديدة ونتائج واحدة |
لا يزال التفجير الذي وقع مساء الأحد 23 فبراير 2009 بمنطقة الأزهر بالقرب من مسجد الحسين، ونتج عنه مقتل سائحة فرنسية وإصابة 25 شخصاً بينهم أجانب بإصابات متفاوتة، يثير حالة من الغموض حول دوافعه بسبب توقف هذه التفجيرات التي كان يتهم بها غالبا تنظيمات أو أشخاص منخرطون في أفكار دينية جهادية، منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام عقب آخر تفجير جرى في عام 2006.
وفي حين تثور تكهنات حول اتهام منتمين أو مؤيدين للفكر الجهادي والقاعدي بالضلوع في التفجير، فإن خبراء في شئون الجماعات الإسلامية في مصر يستبعدون ذلك، لأنه لا يوجد نشاط ظاهر لتنظيمات جهادية في مصر، منذ تبني التنظيمات الجهادية المصرية الرئيسية لمبادرات نبذ العنف، مثل مبادرة وقف العنف للجماعة الإسلامية والمراجعات التي قام بها تنظيم الجهاد.
محرقة غزة.. متهما
ويثير ذلك فرضية أو احتمال أن تكون العملية، مجرد تنفيس جديد محدود من شباب حانق على الغرب وعلى الحكومات العربية وعلى الظلم والعدوان الذي وقع في غزة، خاصة وأن الشباب لم يجد مخرجا ينفس من خلاله عن غضبه، بسبب القمع الذي يمارس ضد المظاهرات الداخلية.
هذا السيناريو توقعه العديد من المحللين أثناء محرقة غزة، خاصة مع تصاعد الغضب في نفوس الشعوب العربية والإسلامية بصورة غير عادية دون اهتمام الحكومات بإيجاد مخرج لتنفيسه، ولو بالسماح بالمظاهرات أو السماح بنقل الإغاثة لأهل غزة وفتح معبر رفح. وكان لسان حال الجميع يقول أن الانفجار قادم، وجاء فتح المعابر والسماح بقدر من التظاهر ونقل الإغاثة متأخرا بعدما تشبعت النفوس بالغضب.
وقد ألمحت الجماعة الإسلامية المصرية إلى هذه الفرضية، في بيان أصدرته ونشرته على موقعها على الإنترنت يوم الاثنين 23 فبراير 2009، بالقول: إن "الذين يقومون بهذه التفجيرات يقصدون رعايا بعض الدول التي ساندت إسرائيل في غزوها لغزة نكاية في هذه الدول.. وإننا نقول لهم: وما ذنب هؤلاء الرعايا؟ وهل هؤلاء مسئولون عن سياسة دولهم؟ أم أن الشريعة جعلت كل إنسان يسأل فقط عن عمله وما كسبته يداه امتثالا".
مطالب مجهولة
وهنا نشير لنقطة هامة قد تعزز هذا الرأي بشأن أن من قام بهذه التفجيرات المحدودة الأخيرة هم من الغاضبين الحانقين على الغرب وظلمه والصمت الأوروبي والغربي على محرقة غزة، وهي إشارة قديمة وردت ضمن تحليل للمحلل الأمريكي المتطرف "دانيال بايبس" في صحيفة نيويورك تايمز يوم 26 يوليو 2005، في مقال تحت عنوان "ماذا يريد الإرهابيون؟"، أشار فيه لزاوية هامة تتعلق بتقديم تفسير لأحداث التفجيرات أو أعمال العنف الأخيرة.
وعلى حد قوله، فإن عمليات التفجيرات أو الخطف السابقة في سبعينيات القرن الماضي مثلا كان للمسئولين عنها مطالب محددة مثل: إطلاق سراح معتقلين أو مسجونين أو فدائيين منتمين لهم، ولكن منذ أواخر التسعينات وحتى الآن ونحن نشهد هجمات معادية لمصالح غربية ترتكب بدون الإعلان عن مطالب"، ويندرج ضمن ذاك التحليل الهجوم الأخير على السياح الأجانب في الحسين.
ويعدد "بايبس" مجموعة من الدوافع التي قد تقف وراء مثل هذه العمليات، تتمثل في غضب وحنق "الإرهابيين" لأسباب شخصية، أو التمييز والاستبعاد الثقافي، أو بهدف تغيير سياسات الدول.
وهذا الدافع "العشوائي"، إن جاز تسميته هكذا، والناتج أيضا عن حالة الإحباط والغضب على ما يجري ضد المسلمين في العالم، ربما يكون قد ساهم في القيام ببعض أعمال العنف هذه، بحسب صحيفة الديلي تليجراف اللندنية، "فالمشاكل في العراق وأفغانستان كل منها أضافت حصاة إلى جبل الضيم الذي بناه المتعصبون"، وفق تعبيرها.
ويقوي من فرضية ظهور مجموعات شبابية صغيرة غاضبة مما حدث في غزة، تتبنى الفكر الجهادي وتناهض الدولة، مجموعة من الأسباب تتعلق بما تراه هذه المجموعات، ويثار بشكل كثيف عبر وسائل الاتصال الحديثة (الإنترنت، والمدونات،...) من انتشار المظالم الداخلية والانحلال والفساد والمحسوبية والتحلل الأخلاقي.. ويعزز ذلك تحول مشكلة البطالة (8.8% من القوى العاملة) لغول كبير، وهو ما ذكره وزير التخطيط المصري في حوار مع مجلة "المصور" يوم 20 فبراير 2009.
سوابق تفجيرية
والحقيقة أن سوابق التفجيرات في مصر في السنوات الـ 10 الماضية سواء في محيط العاصمة أو المناطق السياحية تشير لدوافع مشابهة؛ فقد نفذت في أغلبها بواسطة مجموعات أو خلايا فردية دون ارتباطات تنظيمية واضحة.
ومن خلال حصر للعمليات الانتحارية أو التفجيرات التي نفذت في مصر من قبل ذلك، يلاحظ أن أغلبها جرى في منتجعات سياحية، وكان أغلب ضحاياها (135 ضحية) من المصريين وليس الأجانب، وأن ثلاثة منها نفذت في القاهرة وخمسة في سيناء، وأنها بدأت منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي بعد سلسلة من عمليات التفجير عن بعد أو إلقاء متفجرات من قبل أعضاء محسوبين فكريا على تنظيمات جهادية.
ويذكر أن أول عملية انتحارية شهدتها مصر استهدفت تجمعات سياحية باستخدام (حزام ناسف) لأول مرة في مصر، وذلك عندما فجر حسن رأفت أحمد بشندي، الطالب بالسنة الأولى بهندسة الزقازيق، نفسه وسط مجموعة من المواطنين والسياح بشارع جوهر القائد قرب منطقة الأزهر (نفس مكان تفجير فبراير 2009 الأخير) وذلك في 7 أبريل من العام 2005، مما أدى إلى تمزيق جثته إلى أشلاء ومقتل وإصابة عدد من المواطنين والسياح.
وقد أعلنت الشرطة حينئذ أن المتهم غير منتم لأي جماعات ولكنه بدأ يعتنق الفكر العنيف من خلال الإنترنت. وبتفتيش منزله عثر على إسطوانات كمبيوتر مخزن عليها معلومات من الإنترنت تحوي مؤلفات للعناصر المتطرفة ومفهوم فكر الجهاد والعمليات القتالية بمختلف أنواعها وكيفية تصنيع العبوات المتفجرة بدائياً من مكونات متداولة بالأسواق.
وأعقب هذا بأيام تفجير ثان في ميدان عبد المنعم رياض بوسط القاهرة في 30 أبريل 2005 وبنفس طريقة التفجير السابق، وهي استخدام حزام ناسف، حيث ألقى إيهاب يسري ياسين، أحد زملاء بشندي، بنفسه فوق مجموعة من السياح أثناء سيرهم أسفل كوبري 6 أكتوبر، وقام بتفجير نفسه، ما نتج عنه مقتل وإصابة بعض السياح الأجانب.
وفي نفس اليوم قامت شقيقة القتيل إيهاب يسري، وتدعي "نجاة"، مع زوجة شقيقها بإطلاق الرصاص على أتوبيس سياحي، ولكن لم تقع إصابات، وقالت الداخلية المصرية إن المرأتين انتحرتا بإطلاق الرصاص على نفسيهما.
وجاءت عملية الحسين الأخيرة لتكون هي الثالثة أو الرابعة (لو اعتبرنا عملية الأتوبيس الأخيرة هي الثالثة).
وفي سيناء وقعت منذ 7 أكتوبر 2004 حتى أبريل 2006 خمس تفجيرات انتحارية أخرى، يمكن القول إنها تمت بنفس الدافع، وهو الغضب من السياسات الغربية وتردي الموقف السياسي، حيث كانت هذه التفجيرات موجهة ضد السياح الأجانب بدرجة أساسية، وكان أبرزها تفجير سيارات انتحارية في طابا 2004، ثم تفجيرات شرم الشيخ في 23 يوليو 2005، والتي أدت إلى مقتل 65 شخصا وإصابة 200 آخرين وتدمير 185 من المحلات والبازارات السياحية، ووجهت أصابع الاتهام إلى نفس الفكر الجهادي القاعدي.
وجاء التفجير الانتحاري الثالث في سيناء في مدينة دهب، في 23 أبريل 2006، بنفس الطريقة عبر ثلاثة تفجيرات انتحارية بواسطة أحزمة ناسفة، نتج عنها مقتل 19 شخصا غالبيتهم من المصريين وبعض الأجانب، وإصابة نحو 83 آخرين.
وأعقب هذا في اليوم التالي للحادث تفجيرين انتحاريين نفذهما شخصان فجرا نفسيهما بواسطة أحزمة مفخخة في موكب سيارات تابع لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة قرب مطار "الجورة" في شمال سيناء وقرب سيارة شرطة جهة مدينة العريش؛ مما أسفر عن مقتلهما دون حدوث خسائر في القوات الدولية أو قوات الشرطة.
تأثيرات محتملة
مع الأخذ في الاعتبار كل ما سبق، فإنه لا يجب أن نغفل فرضية أخرى مرجحة راجت بقوة على ألسنة الإسلاميين أنفسهم مفادها: أن أجهزة إسرائيل الإستخباراتية ربما لا تكون بعيدة عن هذا التفجير بدافع خلط الأوراق في مصر والمنطقة مرة أخرى، وتوجيه الدفة نحو ما يسمى "التطرف الإسلامي" بعدما سلطت الأضواء بقوة على "التطرف اليميني الصهيوني" الذي فاز بانتخابات الكنيست وسيشكل الحكومة ويعاني من ضغوط دولية تحتاج لتشتيت الانتباه.
وقد أشار لهذا الأمر الدكتور عصام العريان، مسئول المكتب السياسي بجماعة الإخوان المسلمين، بالقول إن "الكيان الصهيوني أكثر المستفيدين من القلق بالمنطقة"، وأن "أجهزة استخبارات أجنبية ربما تكون وراء الحادث"، مضيفا أن "الهدف من هذا التفجير هو إحداث حالة فوضى وبلبلة حتى ينفرد العدو الصهيونى بالمنطقة، بعدما ساد التوتر جميع المناطق العربية بداية من الصومال، ومرورا بالسودان والعراق، وحتى سوريا".
وسواء ثبت صحة فرضية أن "محرقة غزة" – والمظالم الغربية عموما للعرب والمسلمين – وراء أحدث سلسلة من الهجمات على السياح الأجانب، والتي أصبح يقوم بها شبان عاديون يعتنقون الفكر الجهادي المتوافر على الإنترنت بكثرة (غير منتمين لتنظيمات قديمة)، أو كان وراء ذلك جهات استخباراتية إسرائيلية لخلط الأوراق، فالآثار التي سوف تترتب على التفجير الأخير ربما تكون واحدة.
ويمكن أن نجملها في الأتي:
1- سيدفع هذا الحكومة المصرية لمزيد من تفعيل حالة الطوارئ خصوصا أن الحكومة ستحيل إلى مجلس الشعب خلال أيام مشروع قانون مكافحة الإرهاب، كي يصادق عليه المجلس في مارس المقبل، لكي يحل محل قانون الطوارئ. وقد تستغل السلطات انفجار الحسين الأخير لإطالة أمد حالة الطوارئ السارية منذ اغتيال الرئيس المصري أنور السادات عام 1981، والمفترض أن تنتهي قانونا في يوليو عام 2010.
وربما هذا الأمر هو الذي دفع جماعة الإخوان المسلمون إلى القول، في تعليقها على الحادث، إنه "يجب ألا يصرفنا عن استكمال مسيرتنا التنموية، وألا يكون سببا في تعطيل حركة المجتمع نحو تحقيق أهدافه ومطالبه في الحرية والديمقراطية والعدل".
2- سيؤثر الحادث نسبيا على حالة السياحة في القاهرة، والمتضررة أصلا بسبب الأزمة العالمية، بحيث قد تتزايد نسب تقلص السياح، التي انخفضت بالفعل بنسبة 9%.
3- قد يشجع هذا الحادث الحكومة المصرية أكثر على المضي قدما في عملية الحوار الوطني الفلسطيني والضغط على تل أبيب لتسوية لقضية فلسطين التي باتت أحد أكثر أسباب الحنق والغضب بين الشباب المسلم وبسببها تجري أعمال التفجير والانتقام من السياح.
4- الحادث يؤشر، مع تصاعد أرقام البطالة وتدهور الاستثمارات وانتشار حالات الفساد الاقتصادي التي تكشفها الصحف يوميا، إلى حالة إحباط كبيرة تتوغل في المجتمع المصري والمجتمعات العربية والإسلامية عموما، وهي الحالة التي ستشهد مزيدا من التصاعد في المستقبل ما لم توجد قنوات للتنفيس عن هذا الغضب، في صورة حياة ديمقراطية وحريات أكثر، لا تهيئة المسرح داخليا للتوريث أو لسيطرة الحزب الحاكم في انتخابات 2010 المقبلة على البرلمان والحياة السياسية وإبعاد المعارضة.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|